الاتحاد

الاقتصادي

صادرات الإمارات تواجه "نيران" الحرب التجارية بالمرونة والأسواق البديلة

ملف يكتبه- عاطف عبد الله

تخيم أجواء الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والاقتصادات الكبرى، على رأسها الصين والاتحاد الأوروبي، على الاقتصاد العالمي حالياً، ما أدى إلى اضطرابات في أسعار الصرف وأسواق الأسهم والسلع وحركة الاستثمارات البينية.
كما أدت الرسوم الانتقامية التجارية، إلى تضرر سلاسل الإمدادات العالمية والإقليمية، وتقويض نظام يدعم النمو وخلق الوظائف، وحسب التقارير الواردة، قفزت أسعار المواد الخام والسلع الوسيطة وتامة الصنع، ما تلقي بآثارها السلبية على المستهلكين وتراجع معدلات الاستهلاك. وأظهرت دراسة أجراها معهد بروكينجز أن حوالي 2 مليون وظيفة قد تكون معرضة للخطر نتيجة للتعريفات الجديدة، بينما حذر صندوق النقد الدولي من أن الحرب التجارية قد تقلص النمو العالمي بنحو 0.5% العام المقبل. واندلعت شرارة الحرب عندما أصدر الرئيس الأميركي قراراً بفرض رسوم جمركية تبلغ 25% على الواردات من الحديد، و10% على الألمنيوم، بهدف خفض الواردات الأميركية من الحديد بحوالي 38.5%، ومن الألمنيوم نحو 17.3%.
وجرى تطبيق الرسوم على الواردات من جميع الشركاء التجاريين، باستثناء 3 دول، الأمر الذي يعني أن الشركاء التجاريين الرئيسيين سيكونون الأكثر تضرراً من هذا الإجراءات، وأبرزهم كندا والاتحاد الأوروبي والمكسيك وروسيا والصين، كما تعاني دول أخرى من خسائر ملموسة، من بينها اليابان وتايوان وتركيا والهند وفيتنام.
فأميركا أرادت من هذه الخطوة تغيير الآليات المُنظمة للتبادل التجاري الدولي، بهدف الانتقال من التجارة «الحرة» إلى التجارة «العادلة»، عبر الحد من تدفق البضائع القادمة إليها من الصين والاتحاد الأوروبي، لدفعهما إلى استيراد كميات أكبر من البضائع الأميركية، دعماً لنمو الاقتصاد الأميركي. كما تتهم واشنطن بكين بالقيام بعمليات «نقل قسري للتكنولوجيا» بإرغامها الشركات الأميركية الساعية إلى بيع منتجاتها في الأسواق الصينية على إقامة شركات مع شركاء صينيين، يتمكنون بهذه الطريقة من الاستفادة من التكنولوجيا الأميركية.
في المقابل، اتهمت الصين الولايات المتحدة بالسعي إلى «تدمير» ليس فقط التجارة البينية بل العالمية، بل العولمة الاقتصادية، وتضر بالنظام الاقتصادي العالمي، في مقابل ذلك، فرضت بكين رسوماً جمركية، تصل إلى 25% على وارداتها من مئات السلع الأميركية.
كما فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً على وارداته من الولايات المتحدة من الجينز والدراجات النارية، بينما اتخذت المكسيك والصين واليابان والبرازيل والهند إجراءات مماثلة.
والسؤال هو.. هل صادراتنا الوطنية الإماراتية في مرمى نيران الحرب التجارية العالمية؟ وكيف يمكن مواجهة التحديات الناجمة عن النزاع التجاري، خاصة أن الاقتصاد الوطني يتسم بالانفتاح؟.
الخبراء أكدوا أن الاقتصاد الوطني يتسم بالمرونة العالية التي تمكنه من تفادي «شظايا» الحرب التجارية، وأن الصادرات تتسم بالتنافسية الشديدة من حيث الجودة والسعر.
وقال 12 مسؤولاً وخبيراً استطلعت «الاتحاد» آراءهم: «إن الإمارات قادرة على فتح أسواق ومنافذ جديدة للمنتجات الوطنية، لتجنب أي رسوم «عقابية» مفروضة هنا أو هناك»، مشددين على أن الدولة تتبنى نهج الانفتاح التجاري، وتنبذ الحمائية بكل أشكالها. وأضافوا، أنه يمكن للدولة أن تتفاوض بشكل جماعي أو فردي لاستثناء الصادرات الوطنية من أي رسوم جمركية تفرضها البلدان المتنازعة تجارياً، مشددين على أن الإمارات قادرة على استقطاب التجارة من الدول المتضررة من الحرب التجارية والباحثة عن منافذ جديدة إلى الأسواق الدولية.

خبراء ومسؤولون: تجارتنا الخارجية قادرة على التكيف مع التحولات الدولية
قال مسؤولون وخبراء، إن الإمارات تستطيع بفضل مرونة اقتصادها الوطني فتح أسواق ومنافذ جديدة للصادرات الوطنية، مستفيدة من السمعة الجيدة والتنافسية العالية التي تتمتع بها المنتجات المحلية.
وأكدوا أنه يمكن للدولة أن تتفاوض بشكل جماعي أو فردي لاستثناء صادرات الدولة من أي رسوم جمركية «عقابية» تفرضها البلدان المتنازعة تجارياً، مشددين على أن الإمارات قادرة على استقطاب التجارة من الدول المتضررة من الحرب التجارية والباحثة عن منافذ جديدة إلى الأسواق الدولية.
وقال سلطان أحمد بن سليم رئيس مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة بدبي، ورئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية، إن قطاع التجارة الخارجية في الدولة، يمتاز بتنوع الأسواق العالمية التي تغطيها حركة البضائع التجارية المتدفقة عبر أسواقنا ومناطقنا الحرة إلى العالم، ما يجعل تجارتنا الخارجية مرنة وقادرة على التكيف مع التحولات الدولية في بنية التجارة العالمية.
وقال: من الطبيعي أن تتوسع تجارة الدولة إلى أسواق جديدة باستمرار وتنمو كميتها وقيمتها مع مختلف الأسواق العالمية، برغم التحديات الجديدة التي تواجه التجارة الدولية، عموماً في ظل الحمائية، فلدينا القدرة على تحويل هذه التحديات إلى إنجازات مجدداً، وفقاً للمنهج الذي تعلمناه من قيادتنا الحكيمة.

دور محوري
وقال، للإمارات دور محوري في الربط بين الأسواق الدولية، وهذا أمر في غاية الأهمية سيجعلنا قادرين على استقطاب التجارة من الدول المتضررة من الحرب التجارية والباحثة عن منافذ جديدة إلى الأسواق الدولية، ويمكن لقطاعنا التجاري ومناطقنا الحرة تقديمها إلى هذه الدول، مؤكداً أن الآفاق واعدة للمزيد من النمو في التجارة الخارجية مع الصين وغيرها من القوى الاقتصادية الرئيسة في العالم خلال العقود المقبلة، في ظل الروابط القوية التي تربطنا مع الأسواق الأفريقية التي تشهد نمواً سريعاً، وكذلك أسواق جنوب ووسط آسيا والشرق الأوسط.
من جانبه، أرجع البروفيسور الدكتور سعد محمد عثمان، المستشار الاقتصادي لشؤون الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية، الحرب التجارية الحالية إلى أن الكثير من الشركات الأميركية تعمل في الصين بسبب الضرائب وتكاليف الإنتاج المنخفضة، باعتبارها شركات أميركية تتمتع ببعض المزايا التنافسية، في نفس الوقت، وبسبب التطور الهائل في الصين، استطاعت تقديم منتجات عالية الجودة وبأسعار منخفضة بسبب انشغال الصناعة الأميركية بالصناعات العسكرية والصناعات المتطورة جداً.
وقال: لذا قامت الصين بإغراق أسواق العالم بمنتجاتها ما سبب عجزاً في الميزان التجاري لدول كثيرة في التبادل التجاري ومنها الولايات المتحدة الأميركية، ما ولَّد نزاعاً تجارياً خطيراً بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، وبسبب استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدعم الصناعة الأميركية، نشأت خلافات مع دول أخرى منها كندا والاتحاد الأوروبي، من خلال فرض ضرائب عالية على منتجاتها، منها بالدرجة الرئيسة السيارات، وقد فعلت هذه الدول كرد فعل نفس الإجراء على البضائع الأميركية، وكانت نسب الضرائب على 106 سلع أميركية مقدارها 25%.
وأكد أنه يمكن لدولة الإمارات أن تستفيد من هذا النزاع التجاري الدائر بين الاقتصادات العالمية، بسبب تنوع الاقتصاد الإماراتي في علاقاته التجارية، وارتباطه بعلاقات استراتيجية مع الصين تزيد على 50 مليار دولار.
ونوه بأن الأمر يستدعي بناء استراتيجية اقتصادية متينة على أساس المتغيرات الجديدة، للتكيف مع التدفق المحتمل للعلاقات التجارية مع الإمارات، ما يضمن لها مصدراً جديداً من مصادر الدخل القومي، وستكون الإمارات جاذبة للاستثمار أكثر من السابق، بسبب توقع تباطؤ النمو في أميركا والصين وأوروبا نتيجة هذه الحرب التجارية، والقائمة على اختلال التوازن في الميزان التجاري لصالح الصين مع الدول الأخرى ورغبة أميركا لتحجيم دورها الاقتصادي.
وشدد على أن الإمارات ضمن استراتيجيتها الاقتصادية ستكون حاضنة ملائمة للمزيد من الاستثمارات والتدفقات لرؤوس الأموال الأجنبية، خاصة من الصين وأوروبا، لاسيما في مجال الصناعات الحديثة والرقمية.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد الدرمكي أن الاقتصاد الوطني أثبت مرونته وقدرته العالية على مواصلة النمو رغم الضغوط والصعوبات الاقتصادية الدولية، وحافظ على مكانته المرموقة كثاني أكبر اقتصاد عربي، وأحد أهم الوجهات الإقليمية للتجارة والاستثمار وأنشطة الأعمال الاقتصادية، خلال الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد العالمي سواء في نهاية التسعينيات كأزمة آسيا، أو الأزمة المالية العالمية عام 2008.
قال، إن الإمارات بمسيرتها الاتحادية، المرتكزة على سياسات اقتصادية وتجارية مترابطة ومتوازنة، تستطيع تجنب السياسات الحمائية وما تسببه من أضرار للبيئات الاقتصادية الوطنية والإقليمية والدولية.
وطالب الدرمكي بتنويع الصادرات، وتطوير الاستثمار الموجه نحو توليد صادرات محلية تنافسية، وتعزيز العلاقات الاقتصادية وتنمية التبادل التجاري مع كل من كوريا الجنوبية واليابان والصين والهند، من خلال مذكرات تفاهم والاتفاقيات والمعاهدات الدولية في المجال التجاري والاقتصادي. .وأكد ضرورة تطوير آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية وتحديثها بحسب التطورات السياسية والاقتصادية العالمية الراهنة.

تحول في السياسة التجارية
من جانبه، قال دكتور كمال أمين الوصّال، الخبير الاقتصادي، إن القرار الأميركي بفرض الرسوم الجمركية على الواردات من الحديد والألمنيوم يمثل تحولاً واضحاً في السياسة التجارية للولايات المتحدة للعديد من الأسباب، أبرزها أنه يؤدى إلى تخفيض الواردات من هاتين السلعتين بنسبة كبيرة، كما أن القرار لم يحدد مدى زمنياً معيناً يتم بعده وقف تطبيق الزيادة في هذه الرسوم، على عكس القرارات المشابهة في الماضي.
وذكر أن الولايات المتحدة استخدمت مرات قليلة في الماضي مبرر «تهديد الأمن القومي» لفرض إجراءات حمائية كان آخرها القانون المشابه الذي أصدره الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان في عام 1986. وحسب تقديرات Peterson Institute for International Economics فإن خسائر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الأميركية في صورة تقلص الصادرات، نتيجة فرض هذه الرسوم على الحديد والألمنيوم، ستبلغ حوالي 14.2 مليار دولار سنوياً، منها 3.2 مليار دولار لكندا و2.6 مليار دولار لدول الاتحاد الأوروبي، في حين تبلغ خسائر كل من كوريا الجنوبية والمكسيك 1.1 مليار دولار ومليار دولار على التوالي، و300 مليون دولار لدولة الإمارات.
وقال الوصّال إنه رغم عدم ضخامة نسبة صادرات دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الولايات المتحدة الأميركية من إجمالي إنتاج الدولة، فإن تأثير هذا القرار لن يقتصر على انخفاض الكمية المصدرة من الألمنيوم إلى الولايات المتحدة، ولكن سيتعدى ذلك إلى انخفاض أسعار الصادرات الأخرى نتيجة للانخفاض المتوقع في السوق الدولي لمنتجات الألمنيوم، نتيجة التنافس بين الدول المصدرة الرئيسة.
وللتعاطي مع هذه الأوضاع، دعا الوصّال إلى فتح أسواق جديدة لصادرات الدولة من منتجات الألمنيوم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأميركا اللاتينية، والاستفادة من الجودة العالية والسمعة الجيدة لمنتجات شركة الإمارات العالمية للألمنيوم.

الانفتاح المتوازن
بدوره، قال المستشار الاقتصادي محمد المهري، إن النهج الإماراتي الحكيم في تكتلاتها الاقتصادية، نهج العضو المؤثر إيجاباً وسلاماً على منظومة الاقتصاد العالمي، مضيفاً أن الإمارات تعمل بمنهج ومبادئ التكامل الاقتصادي الخليجي، وهو تكتل اقتصادي ساهم في تعزيز أمن الاقتصادي العالمي، ولم يدخل في صراعات، بل وتصدى لهجمات اقتصادية استهدفت دول الخليج.
وأضاف أن الإمارات تتمتع باقتصاد ذكي، مبني على صناعة الفرص وتنويعها، وتكوين المصالح والانفتاح المتوازن على كل دول العالم، بالتالي فهي تتعامل بحذر وحياد مع كبرى التكتلات والتحالفات والاقتصادية. وقال: شراكتنا مع الولايات المتحدة الأميركية، لا تؤثر على تحالفنا مع الصين، وتحالفاتنا مع الاتحاد الأوروبي ودوله لا تتقاطع ولا تؤثر على علاقتنا واستثماراتنا التاريخية مع اليابان والهند، والعكس صحيح.
وأشار إلى أن اقتصاد الإمارات وقوتها الناعمة جعلها محط أنظار العالم وطموح الدول، فأصبحت ومحيطها الخليجي، ملاذاً آمناً للكيانات الاستثمارية، وأمان المستثمرين، كما ربطت الدولة مصالح العالم اقتصادياً بها، فلا ترى دولة في العالم إلا ولها مصالح وفوائد إماراتية.
وأكد أن الإمارات بحنكتها الاقتصادية، تستطيع تجنب الحروب الاقتصادية وحروب الأسواق العالمية، نرى أميركا تعلن حزمة قرارات اقتصادية للإضرار باقتصاد دول كأوروبا والصين، والصين بدورها تخطط لإضعاف الاقتصاد الأميركي ومعها أوروبا وحلفاؤها، أما الإمارات فقد ربطت مصالح كل تلك الدول معها.

اقرأ أيضا