الاتحاد

الإمارات

في الجلسة الثالثة والختامية من منتدى الاتحاد الـ14: «القوة الناعمة».. وسيلة الإمارات لنشر التسامح

المشاركون في صورة جماعية (تصوير: عبد العظيم شوكت)

المشاركون في صورة جماعية (تصوير: عبد العظيم شوكت)

طه حسيب (أبوظبي)

ركزت مساهمات وأوراق عمل، ومداخلات الجلسة الثالثة والختامية من منتدى الاتحاد الرابع عشر على محور رئيس عنوانه «الأخوة الإنسانية مقاربة لتعزيز قوة الإمارات الناعمة»، وقدم خلالها الباحث والكاتب المصري الدكتور عمار علي حسن ورقة بعنوان «مبادرات الإمارات في التسامح وقوانينها المناهضة للكراهية ترسخ صورتها الإيجابية»، وشارك الكاتب والباحث الأردني إبراهيم غرايبة بورقة عن أهمية مقاربة «الأخوة الإنسانية» في دعم الاعتدال والوسطية والحوار بين الثقافات، بما يوفر حصانة ضد دعاة الكراهية ورفض الآخر، وعقّب على مساهمات الجلسة الأكاديمي المغربي الدكتور عبدالحق عزوزي، وأدارها الكاتب والباحث الإماراتي الدكتور سالم حميد.
استهل الدكتور سالم حميد فعاليات الجلسة الثالثة، مؤكداً أن التسامح قيمة مستمدة من مآثر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، وأشار إلى تجربته أثناء مراحل التعليم الأولى في ثمانينيات القرن الماضي التي وجد خلالها تدخلاً من «الإخوان» في المناهج التعليمية، وكيف كانت كلمة «كافر» تتردد كثيراً، لكن روح التسامح الراسخة في الإمارات، حالت دون تنامي هذه الأفكار المتطرفة. وأشار حميد إلى أن المجتمع الإماراتي منذ مراحل تاريخية بعيدة كان يعرف المسيحيين واليهود، ولم يكن هناك آنذاك حديث عن كلمة «كافر»، ولفت حميد الانتباه إلى أن أول معبد هندوسي في الإمارات يعود بناؤه إلى عام 1906، أي أكثر من قرن، ما يؤكد روح التسامح في الإمارات.

عن «دور الإمارات في ترسيخ التسامح وزعزعة التعصب والتطرف»، أكد الدكتور عمار علي حسن في مستهل مساهمته أن التسامح طاقة تحتاج إلى قدر من الانضباط وتربية الإرادة وضبط السلوك حيال الذات والآخر..التسامح - كما يراه عمار- وعد لكل أفراد المجتمع في دولة معينة بأن السلام سوف يسود بينهم.. إنه تحدٍ كونه يتطلب طاقة كبيرة من أجل مواجهة الميل الغرائزي الإنساني للتعصب والأثَرة والصراع.

المحفزات الخمسة
وأكد عمار أن التسامح في المجتمع الإماراتي لم يبدأ بغتة، ولم يولد من فراغ، إنما له محددات ومحفزات، أولها: الثقافة الإسلامية الوسطية، فالتصور المعتدل حكم رؤية الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات التي لعبت دوراً بارزاً في تعزيز رسالة الإسلام ودفعتها إلى الأمام لخدمة الإنسان، وتعزيز ثقافة التسامح الديني.
ونوّه عمار إلى أن الإمارات أطلقت عدة مبادرات مهمة، مثل «وثيقة الأخوّة الإنسانية»، وأنشأت عدداً من الهيئات والمؤسسات التي تعمل على مواجهة التطرف، مثل «هداية» و«مجلس حكماء المسلمين» و«صواب».. الخ.
المحفز الثاني هو تقاليد القبيلة، حيث تأثير قيم القبيلة وتقاليدها على العرب المعاصرين، وهي- على حد قول عمار- تحدد جزءاً أساسياً من تسامحهم مع الغريب، وإكرام وفادته.
ورغم أن دولة الإمارات العربية المتحدة انفتحت بقوة على العالم، فإن هذا لم يؤد إلى انهيار الآثار الإيجابية للقيم القبلية التقليدية، كما كان يعتقد بعض دعاة التحديث.
وليس أدل على هذا من حرص شعب الإمارات على استمرار ثقافة «السنع» العامرة بالقيم الاجتماعية الإيجابية حيال الآخرين.

من اليسار: سالم حميد، وعبدالحق عزوزي، وعمار علي حسن، وإبراهيم غرايبة. (تصوير عبدالعظيم شوكت)

تعاليم القائد المؤسس
وأشار عمار إلى أن المحفز الثالث للتسامح في المجتمع الإماراتي، يتمثل في تعاليم القائد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان متسامحاً في أقواله وأفعاله، مستنداً في هذا إلى عدة أبعاد منها النظرة الراضية إلى الماضي، والإيمان بالمساواة، والدعوة إلى الاندماج مع الآخر، والحرص على خدمة الناس ومحبتهم، والتواضع.
أما المحفز الرابع، فيكمن من وجهة نظر عمار في التنوع الثقافي: فمن يمعن النظر في التركيبة السكانية بدولة الإمارات يدرك للوهلة الأولى أن هناك تنوعاً ثقافياً واسعاً، بقدر تعدد الجنسيات والخلفيات الاجتماعية.
وهذا يفرض ضرورة البحث عن تصورات وآليات تعزز التسامح والتفاهم لضمان سريان العلاقات بين كل هذه الأشتات من البشر بسهولة ويسر، عبر تفاعل الثقافات داخل المجتمع.
وتأتي البنية القانونية كمحفز خامس، فالدستور الإماراتي يعزز التسامح وقبول الآخر، فقد أصدرت الدولة عام 2015 قانون مكافحة التمييز والكراهية، الذي ينظر إليه على نطاق واسع بأنه رافعة مهمة لدفع التسامح إلى الأمام.
ويتمثل المحفز السادس في نظام التعليم ومناهجه: فقد فطنت دولة الإمارات إلى أهمية التعليم في تعزيز مسار التسامح، قيماً وإجراءات، في ربوع المجتمع، ووضعت مساقات تربوية وتعليمية تعزز هذا الاتجاه.
في ضوء هذا الركائز تصدت دولة الإمارات لقوى التطرف والإرهاب، بعد أن كشفت خطرها على الدولة، ودعت الإمارات إلى ضرورة تبني سياسة التنمية المستدامة كخطوة مهمة للتصدي للإرهاب، تمضي جنباً إلى جنب مع المواجهة الفكرية.

السياسات الإماراتية في تعزيز الأخوة الإنسانية
وفي مساهمته المعنونة بـ«الإمارات تروج لمقاربة الأخوة الإنسانية بدعمها الاعتدال والوسطية والحوار بين الثقافات»، أفصح الكاتب والباحث الأردني إبراهيم غرايبة عن قناعته بأن المعنى الحقيقي للتسامح هو «العيش معاً»، لأن مفردة التسامح تعني مسامحة المخطئ، وبالتأكيد «الأخوّة الإنسانية» ترسخ منطق «العيش معاً» والمفهوم العملي القانوني للأخوة الإنسانية نتقبل بعضاً متسامحين متنوعين ومختلفين.
لا يمكن لدولة غير ملتزمة بواجباتها الإنسانية أن تروج لمفهوم الأخوة الإنسانية، الدول الناجحة التي توفر لمواطنيها العيش الكريم هي القادرة على ترويج قيم الأخوة الإنسانية والتسامح.
ما هي المعايير والشروط الأساسية للدولة كي تكون مساهمة في تعزيز مفهوم الأخوة الإنسانية؟ ولا يمكن لدولة غير ملتزمة بواجبها أن تعزز قيم الاعتدال، وهذا ما نراه في الدول الهشة التي لا تستطيع توفير سبل العيش الكريم.
قياس التقدم ليس بالدخل فقط الذي يعتبر بالنسبة لغرايبة مجرد بند واحد للتقدم، فهناك بنود أخرى لقياس التقدم، كالتعليم والرعاية الصحية ورعاية كبار السن، وقيم المساواة بين الذكور والإناث وبين جميع الفئات.
هناك مئات المؤشرات لقياس تقدم ونجاح الدول، تمتد من التقدم الاقتصادي والتشريعات الحامية للقيم والمؤسسات التي ترعى هذه القيم، وأيضاً القدوة الحسنة، المتمثلة في القيادة الواعية، فلا يمكن التحرك بقيم الأخوة والتسامح ما لم تكن القيادة تتحرك وفق هذه القيم ونظرية المؤرخ البريطاني أرنولد جوزف توينبي تؤكد ذلك، فعندما تعجز النخبة عن أن تكون قدوة يتوه المجتمع.
غرايبة أكد أن الإمارات بما تتمتع به من مميزات في مؤشرات التنمية الإنسانية مؤهلة وجديرة بالمشاركة الفاعلة في تعزيز قيم الأخوة الإنسانية، والتصدي للاتجاهات والأعمال المناهضة لهذه القيم بالنسبة للإمارات، فإنها أفضل دولة عربية في تقرير التنمية الإنساني، الذي يتضمن رصداً لبنود مهمة، كالتعليم والصحة والتضامن الاجتماعي، قيم المساواة.
وأكد غرايبة أن التقدم لا ينحصر في البعد الاقتصادي، بل هناك جوانب عديدة اجتماعية وإنسانية.
تعرض ورقة غرايبة الاتجاهات والسياسات التي تنتهجها دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج لدور الدولة وإنجازاتها في بناء قيم الأخوة الإنسانية ومواجهة الكراهية.

مؤهلات الترويج للتسامح
ولدى غرايبة قناعة بأن أي دولة يجب أن تحقق مجموعة من المؤشرات والإنجازات والأدوار حتى تكون مشاركة فاعلة في تعزيز قيم الأخوة الإنسانية، والتصدي للاتجاهات والأعمال المناهضة لهذه القيم، مثل القيام بدور الدولة الأساسي في بناء أمة ناجحة متماسكة وفاعلة في النظام العالمي، تشارك في التضامن والتعاون الدولي ومساعدة الدول والمجتمعات المحتاجة، وأن تحمي الأخوّة الإنسانية بمنظومة من التشريعات والمؤسسات تكفل الالتزام بها وحمايتها والتصدي لما يناهضها، وأن تكون قيادات الدولة والمجتمع قدوة حسنة وملهمة للمواطنين والأمم، وهذه المؤهلات تتمتع بها الإمارات، التي أثبتت أنها دولة ناجحة حسب تقرير التنمية الإنسانية، فهي تأتي في مقدمة الدول العربية، وتصنف في قائمة الدول ذات التنمية المرتفعة جداً، وتأتي في مرتبة متقدمة في التعليم والرعاية الصحية، والشعور بالرضا والمساواة بين الرجال والنساء في فرص العمل والمواقع القيادية في الدولة، وبمستويات منخفضة جدا في الجريمة والانتحار، ما يؤشر إلى مستويات متقدمة في الأمان والثقة.

قراءة رقمية
يبلغ عدد سكان دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 9.5 مليون نسمة، وينتمي غير الإماراتيين إلى مائتي جنسية، أي أكثر من عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ما يعني أنهم ينتمون إلى جميع دول العالم، وبالتأكيد عشرات اللغات والأديان.
ويتصل بالإنترنت نحو 99% من سكان الإمارات، وتزيد معدلات امتلاك أجهزة الموبايل على جهازين لكل شخص، وقد وقعت دولة الإمارات على جميع معاهدات حقوق الإنسان المعتمدة لدى الأمم المتحدة.
ورصد غرايبة بعض المؤشرات الرقمية منها أن لدى الإمارات أكثر من 17 قناة فضائية تلفزيونية و24 محطة إذاعية متنوعة، وتسع صحف عربية يومية، وثماني صحف يومية تصدر باللغة الإنجليزية والمئات من المجلات الأسبوعية والشهرية والدوريات المتخصصة، ونحو 60 صحيفة ومجلة ودورية تصدر عن الوزارات والمؤسسات والشركات والهيئات والجمعيات العمومية والأندية الرياضية والعلمية والجمعيات الثقافية والأدبية والجمعيات العمومية المدنية..
وحسب غرايبة يتم تداول نحو ثلاثة آلاف صحيفة ومجلة بأسواق الدولة من مختلف دول العالم، فيما توزع بعض الصحف المحلية في عدد من العواصم العربية والأوروبية والأميركية، بعد أن افتتحت مكاتب إقليمية، واعتمدت مراسلين لها في تلك العواصم.
وتتمتع الإمارات بمستوى متقدم في مؤشرات الأمان، فهي الأقل عالمياً في جرائم السرقة والاعتداءات الأخرى، والثانية عالمياً في مؤشر الشعور بالأمان، والرابعة في مستوى الخلو من الجرائم والسابعة في تخفيض حوادث المرور، وهي الأولى في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، 32 عالمياً في مؤشر سيادة القانون ضمن مشروع العدالة الدولية لعام 2016.
وفي محور المؤسسات، جاءت الإمارات في المركز الأول عالمياً في مؤشر «غياب تأثير الجريمة والعنف على الأعمال»، والمركز الثاني عالمياً في كل من مؤشر «ثقة الشعب في القيادة» ومؤشر «قلة التبذير في الإنفاق الحكومي»، والمركز الثالث عالمياً في مؤشر «قلة عبء الإجراءات الحكومية».

المشاركون في المنتدى أثناء زيارتهم قاعة الأديان الكبرى  ضمن جولة بمتحف لوفر أبوظبي

المشاركة العالمية والإقليمية
استنتج إبراهيم غرايبة أن قيم الأخوّة الإنسانية تتعزز أيضاً بالعلاقات الدبلوماسية والمشاركة العالمية والإقليمية، مؤكداً أن الدبلوماسية واحدة من أهم أدوات ومؤسسات الدول في تنمية العلاقات والمصالح الدولية المتبادلة، وحماية القيم العالمية الكبرى والأساسية، كالسلام وحريات المرور وحماية البيئة والممرات والطرق والأنهار والبحار الدولية، والالتزام بحماية أرواح الناس وكرامتهم وممتلكاتهم في أثناء سفرهم وإقامتهم خارج بلادهم.
تقيم الإمارات علاقات دبلوماسية مع 189 دولة حول العالم، وتشارك الإمارات في تقديم المساعدات التنموية والإنسانية والخيرية لمختلف مناطق العالم وشعوبها.

الجاذبية والاحتواء
وفي مستهل تعقيبه على مساهمتي الدكتور عمار علي حسن وإبراهيم غرايبة، مازح الأكاديمي المغربي الدكتور عبدالحق عزوزي، الحضور، عندما وصف مداخلته بأنه «مسكيّة» كونها تأتي في آخر جلسة للمنتدى، لافتاً الانتباه إلى أن عنوان الجلسة الثالثة «الأخوّة الإنسانية.. مقاربة لتعزيز قوة الإمارات الناعمة»، يجعل من المهم تعريف مصطلح القوة الناعمة الذي يعود إلى جوزيف ناي، أستاذ العلوم السياسية والعميد السابق في الجيش الأميركي، والذي شغل في إدارة بيل كلينتون منصبي مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني.
وحسب عزوزي، فإن القوة الناعمة قائمة على الجاذبية والاحتواء، ويصعب القيام بقياسها، وتتميز بخصائص للجذب العقلي والحضاري والثقافي. ولدى دولة الإمارات مميزات منها، عدم الإكراه في الدين، المأسسة بمعنى وجود مؤسسات ترعى التسامح وتعمل على نشره.
وأبدى عزوزي اهتمامه بمصطلح «السياسات العمومية»، خاصة أن الإمارات نجحت في وضع سياسة عمومية في دعم التسامح.
التسامح يعطي الإمارات قوة ناعمة، القوة الناعمة تأخذ مكانتها من الحوار بين ممثلي الحضارات وأتباع الديانات.
التسامح وخلق توليفة للعيش بين بني البشر هي سياسة عمومية، وانتهاج سياسات للحوار بين الحضارات وأتباع الديانات، وهناك اختلاف كبير بين وثيقة الأخوة الإنسانية، ووثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرة عام 1948، الأخيرة تقوم على 30 بنداً، وتشكل نوعية الحقوق المدنية والثقافية التي يتمتع بها الأفراد على حساب الدول - «الحق في الحياة والعيش والتنقل» - ضمن لائحة حقوق قانونية، وهي حقوق لصيقة بالإنسان، أما وثيقة «الأخوة الإنسانية فقد كتبت بماء من ذهب، ويجب أن نقوم بعمل دولي لعولمة هذه الوثيقة، حتى لا تكون لصيقة بالعلاقات الفاتيكانية- العربية، وبالإمكان تعزيز نقلها إلى إطار عالمي من الأزهر الشريف والفاتيكان إلى آفاق عالمية - ويمكن لجامعة الدول العربية القيام بدور في هذا المجال من خلال المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الإسيسكو».

إدارة التنوع والتعدد
أكد الباحث والكاتب الأردني إبرهيم غرايبة أن الدول الناجحة هي القادرة على تحويل التنوع إلى مصدر للتقدم والتبادل المعرفي والاعتدال والتقبل والتسامح والعيش معاً، حيث يشكل غير الإماراتيين 200 جنسية ويعيشون معاً في وئام وسلام.
يبلغ عدد الكنائس في الإمارات 44 كنيسة (11 في أبوظبي، و11 في دبي، 15 كنيسة في الشارقة، 3 في الفجيرة، 4 في رأس الخيمة)، ويبلغ عدد المعابد الهندوسية: 9 (2 في أبوظبي، 6 في دبي، 1 في الشارقة)، ويبلغ عدد المعابد السيخية 2 (1 في أبوظبي، 1 في دبي)، ويوجد معبد بوذي واحد في دبي.
وتحتل الإمارات المركز الأول إقليمياً، والثالث عالمياً في مؤشر التسامح العالمي الذي يصدره المعهد الدولي للتنمية الإدارية في سويسرا، لتبنيها سياسة تقوم على الانفتاح تجاه الشعوب الأخرى، وامتلاكها مجتمعاً يركز على القيم التي تشترك فيها الأديان والثقافات المختلفة.

التسامح مصدر قوة وثراء
أكد حمد الكعبي، رئيس تحرير الاتحاد في الكلمة الختامية للمنتدى الرابع عشر شكره وتقديره لمساهمات ومداخلات المشاركين القيّمة التي تواصلت خلال الجلسات، راصداً بعض الخلاصات الجديرة بالتنويه، وهي أن الدعوة للتسامح لم تعد مجرد رفاهية أو ترف، بل حاجة ينبغي تلبيتها كي تنخرط المجتمعات في مسارب التنمية والازدهار، وأن الإمارات أكدت من خلال «وثيقة الأخوّة الإنسانية» البعد الحضاري للإسلام، وأن ما يجمع البشرية أكثر بكثير من أي دعاوى للاستقطاب والتعصب والكراهية.
وأكد الكعبي أنه من المهم إصدار تقرير عربي للتسامح كخطوة أولى من أجل إصدار تقرير آخر على مستوى عالمي، يرصد الإنجازات في مجال نشر التسامح، ومحاربة دعاة الكراهية والتطرف.
وواصل الكعبي عرض ما توصلت إليه مناقشات المنتدى من خلاصات، منوّهاً إلى أن الحوار بين الأديان ينجح عندما يتم التركيز على المشتركات وتحييد نقاط الخلاف التي يستغلها المتطرفون لنشر التعصب.
ويرى الكعبي أن مبادرات الإمارات في عام التسامح أكدت أنه بالإمكان الانتقال من حالة الدفاع عن العالم الإسلامي وتبرئة ديننا الحنيف من دعاوى التطرف والكراهية إلى حالة إيجابية نقدِّم فيها للعالم مقاربات جديدة للعيش المشترك والتواصل البنّاء بين البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم.
وطالب الكعبي بتعزيز الدعوة إلى التسامح، من خلال مساهمات أكبر تطال المؤسسات التعليمية، وأكد أن للإعلام دوراً فاعلاً في تسكين التسامح، مفهوماً ومُبَادَرةً، فمن خلاله يمكن توعية المجتمع بأهمية التسامح كرافد يضمن الاستقرار، ويعزز التماسك المجتمعي.
وواصل الكعبي طرح خلاصات المنتدى، مشيراً إلى أن التسامح خير ضمانة للتكامل الوطني في المجتمعات متعددة المذاهب والأعراق، وأيضاً خير ضمانة لتعزيز الدولة الوطنية وصيانة مكتسباتها.
ونوّه الكعبي إلى أن حجم الإنجاز الذي تحقق بزيارة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية لدولة الإمارات، وتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية تأكد بمقولة البابا عقب توقيع الوثيقة «لقد تحقق المستحيل»، ما يؤكد أن الزيارة أحرزت نقلة نوعية في الحوار بين الأديان.
وأضاف الكعبي، لطالما كان التسامح مصدر قوة وثراء، ثراء في التنوع الإنساني، وثراء في التعدد الثقافي في المجتمعات المتسامحة والتي تعد الأكثر استقراراً وجاهزية للتنمية والازدهار.

مهمتان للمستقبل
في مداخلته على الجلسة الثالثة أكد الأب رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن، أن أمامنا مستقبلاً يجب علينا بناؤه معاً، ومهمتين، لا تقل إحداهما أهمية وصعوبة عن الأخرى: أولاً، تنقية فكر الشباب العربي الذي تلوث بأفكار التنظيمات الإرهابية، وسقط في فخ الحركات المتطرفة، وثانياً، كيف يمكن تحصين عقول الشباب الذين لم يطلهم الفكر التطرف، من أجل حمايتهم من هذا الخطر في المستقبل.

 الأب رفعت بدر
وأكد بدر أن التنمية جزء أساسي لقياس مدى نجاح المجتمعات، ونوّه إلى أنه قبل شهرين كان هناك الاجتماع العمومي لمؤسسة «الأديان من أجل السلام»، وتمت صياغة 5 نقاط رئيسة للعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، هي: البحث وإيجاد السلام الإيجابي، ومنع الصراعات العنيفة، وتحفيز المجتمعات العادلة والمتناغمة، والحث على تنمية إنسانية متكاملة، وحماية البيئة. ولدى بدر قناعة بأن القوة الناعمة التي نبحث عنها لابد وأن تسير نحو تنمية إنسانية شاملة.

القيادة الإماراتية ضربت بزيارة البابا أروع أمثلة التسامح والتعايش
أشار عبد الحق عزوزي ضمن تعقيبه على ورقتي عمار علي حسن وإبراهيم غرايبة، إلى أن تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 كان نقطة محورية بالغة الأهمية في مسيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، نقطة ترتقي إلى مستوى التحدي، فقد كان طيب الله ثراه رئيساً متسامحاً مع كل الناس، وكانت صورته ناصعة في عيون الوافدين، إذ كانوا يرونه قائداً وإنساناً ورجل الوفاق والتسامح، نظراً لأن تقديم الخير للناس كان المبدأ الذي عمل من أجله، ونجح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإخوانه حكام الإمارات، في التمسك بمبادئ الشيخ زايد على جميع المستويات. ونجحت القيادة الإماراتية، حسب عزوزي، في تطبيق مقاربة استراتيجية تقوم على الاستثمار الاجتماعي، بمعنى أن ترسيخ قيم التسامح، وتوفير فرص العمل وتشجيع الاستثمار والمبادرات الفردية هي خير وسيلة لتثبيت الرفاه الاجتماعي. وأكد عزوزي أن النجاح الكبير الذي حققته الدولة قام على أساس الاتصال الوثيق الذي بناه المؤسس الشيخ زايد، منذ مطلع حياته السياسية مع القاعدة الشعبية، ولم تقتصر تلك الصلة على كبار شخصيات المجتمع وزعاماته القبلية ولكنها شملت كل فئات المجتمع، فقد تبدت بوضوح درجة ترابطه، طيب الله ثراه، مع عامة الناس ومعايشته همومهم وآمالهم بصورة دائمة تفوق الوصف. كان الشيخ زايد واقعياً ومبدعاً، وكلتاهما موهبة ضرورية في عالم دائم التغيير، ومع ذلك لم يقبل أي انتقاص من قيمة التقاليد، التي اعتبرها لبنة التماسك الاجتماعي، لكن دون جمود، وكذلك الأمر مع الحداثة. والتسامح كان أعظم فضائله حتى في المواقف التي كثيراً ما يكون فيها من الأسهل الاستسلام للعصبية. وأشار عزوزي إلى أنه عندما قام البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية بزيارة تاريخية إلى الإمارات، ضربت القيادة أروع الأمثلة في العطاء والتسامح والتعايش. آنذاك، يقول العزوزي: أجمع كل المسيحيين الذين يعيشون في الإمارات على أنهم يتمتعون بالحرية الكاملة في ممارسة عبادتهم، ولم يشعروا يوماً بأي نوع من أنواع التمييز. وقدم الدكتور وحيد عبدالمجيد مداخلة على ورقة إبراهيم غرايبة، أشار خلالها إلى التسامح بالإنجليزية Tolerance ومعناها المباشر هو التحمل، وهي بذلك لا تحمل في اللغة العربية المعنى المقصود به للمفردة ذاتها بالغة الانجليزية. والمصطلح ظهر في القرن السادس عشر، في مرحلة الإصلاح البروتستاني، وآنذاك، كان المعنى في اتجاهين، فالكل يخطئ وعلينا أن نسامحه، ومن ثم التسامح هي علاقة في اتجاهين، ولا يوجد مصطلح آخر يستطيع أن يقدم المدلول نفسه.

عبد الحق عزوزي: نقل الأخوّة الإنسانية من سياسة محلية إلى سياسة دولية ضرورة
طالب الكاتب السعودي خالد الغنامي في مداخلته على مساهمات الجلسة الثالثة بالتأكيد على التسامح كقيمة، بغض النظر عن مرجعيات تاريخية، بحيث يستمد مرجعيته من ذاته، وليس من أي شيء آخر. وأكد عمار علي حسن أن المصطلحات تكون لها عادة جذور ومدلولات لغوية، وأيضاً مسار تاريخي ومعنى تداولي، والمهم هو كيف يفهم الناس التسامح؟ هل من خلال الانفتاح والعيش المشترك، أم من خلال نظرة طرف ينظر لآخر من علِ. وطالب بضرورة التركيز على القيم الجوهرية الموجودة في الأديان كونها تحفز على التسامح.
أضاف عمار: البابا فرنسيس الذي جاء وشارك في تأسيس وثيقة الأخوة الإنسانية أصدر كتاباً بعنوان (اسم الله هو الرحمة) يرى خلاله أن المسيحية لا تتوقف عند المحبة كقيمة مركزية لها، بل تشمل (المسيحية) الرحمة التي هي قيمة مركزية عند المسلمين، وهل المطلوب بخصوص التسامح زيادة الجرعة الدينية في المجتمعات بدعوى الإصلاح والتنوير، أم نحن بحاجة إلى زيادة الجرعة العلمية، ويرجح عمار أهمية التركيز على الجانب العلمي للحد من خطر بعض التصورات الدينية التي تؤدي إلى الصراع وكراهية الآخر.

اليهودية وإسرائيل
وفي مداخلته على الجلسة الثالثة، رأى الدكتور سالم حميد أنه كان من الخطأ السماح لليهود بالسفر لإسرائيل ومغادرة الدول العربية - بعد إعلان تأسيس الدولة العبرية، وهذا تصرف غير صحيح، ولا ينبغي - حسب رأيه- الربط بين الديانة اليهودية وإسرائيل ككيان سياسي، فالمبادرة الجريئة التي قامت بها الإمارات في بيت العائلة الإبراهيمية، تجعل من المهم تحسين نظرة العرب لليهودية كدين.
وانتقلت الكلمة للدكتور عبدالحق عزوزي، الذي أكد أنه حضارياً لم تكن لدى المسلمين مشكلة مع اليهود في المغرب، وضرب على ذلك مثالاً من مسقط رأسه بمدينة فاس، فخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، استضافت هذه المدينة، آلاف العائلات اليهودية التي فرت من الأندلس هرباً من الاضطهاد، ووجدوا في فاس أخوةً منحوهم منازل، واستقروا في تجارات المدينة، واستقروا.
وأضاف العزوزي أن مهرجان فاس للموسيقى الروحية يكرس منذ 25 سنة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين واليهود، انطلاقاً من الفن . واختتم مداخلته مؤكداً ضرورة نقل الأخوّة الإنسانية كسياسة عمومية محلية إلى سياسة عمومية دولية.

اقرأ أيضا

محمد بن زايد يبحث التعاون الدفاعي والعسكري مع أميركا