الاتحاد

الاقتصادي

إدارة ترامب تسعى لتشكيل هيئة جديدة تستثمر 60 مليار دولار في البنى التحتية بالعالم

 أميركا تحاول مواجهة تنامي  نفوذ الصين الاقتصادي باستثمار مليارات في الخارج

أميركا تحاول مواجهة تنامي نفوذ الصين الاقتصادي باستثمار مليارات في الخارج

تخطط الولايات المتحدة لوضع اللمسات الأخيرة على خطط لمضاعفة التمويل لمشاريع البنية التحتية الكبرى في جميع أنحاء العالم، سعياً لمواجهة النفوذ المتنامي للصين. ويعمل الكونجرس على حل آخر العوائق التي تحول دون إقرار مشروع قانون يعزز دور الولايات المتحدة في التنمية الدولية.
وسيعمل هذا القانون في حالة إقراره على دمج جهود عدد من الوكالات الحكومية غير المعروفة، لتشكيل هيئة جديدة تتولى التخطيط والإشراف على الاستثمارات الأميركية في الخارج، وتفويضها للقيام بتمويل تطوير المشروعات في دول عدة بأنحاء العالم بقيمة 60 مليار دولار، أي أكثر من ضعف الحد الأقصى للوكالة الحالية التي تتولى هذه المهمة التي يطلق عليها اسم «مؤسسة الاستثمار الخاص في الخارج».
ويأتي هذا التوجه، بدعم من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومر مشروع القانون الجديد بسهولة خلال مناقشته في مجلس النواب هذا الصيف، إلا أنه سيواجه أكبر اختبار له عند طرحه أمام مجلس الشيوخ. وستكون لدى الوكالة الجديدة سلطة واسعة لتنافس الصين في الاستثمارات الخارجية لتقديم التمويل اللازم لمشاريع البنية التحتية والتنمية الرئيسة في أي بلد في العالم.
ويعكس زخم مشروع القانون تزايد القلق بين الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، في واشنطن بشأن حجم طموحات الصين لإعادة هيكلة طرق التجارة العالمية، بحيث تؤدي كل الطرق إلى بكين. وقد أصبح أعضاء مجلس الشيوخ مهتمين بشكل خاص بخطة الصين الاستثمارية العالمية المعروفة باسم مبادرة «حزام واحد، طريق واحد».
ويعتقد أن الصين التي استعرضت عضلات التنمية في كل أنحاء العالم منذ إعلانها عن خطتها في عام 2013، مستعدة لإنفاق وإقراض تريليونات الدولارات في مشروعات، مثل الطرق السريعة والسكك الحديدية والمرافئ والموانئ.
وقال النائب الجمهوري تيد يوهو عن ولاية فلوريدا: «الناس يستيقظون على ما تفعله الصين ويرون أن علينا مواجهة ذلك»، وتيد يوهو أحد أعضاء مجلس النواب المشاركين في إعداد وصياغة مشروع القانون، الذي تم تقديمه برعاية الحزبين الجمهوري والديمقراطي في كلا المجلسين، وشارك في إعداد مشروع القانون أيضاً السيناتور الجمهوري بوب كوركير عن ولاية تينيسي والسيناتور الديمقراطي في مجلس الشيوخ كريس كوونز عن ولاية ديلاوير، وآدم سميث عن ولاية واشنطن.
وقال كوونز في مقابلة خلال الشهر الماضي: «إقرار مشروع القانون يبدو قريباً للغاية»، و«أمامنا فقط بضع ملاحظات من أعضاء مجلس الشيوخ، ولا زلت متفائلاً، خاصة في ضوء مشاركة البيت الأبيض والعمل الدؤوب الذي تقوم به الإدارة الأميركية، وسننجح في ذلك».
ويمثل التشريع منعرجاً مهماً للوكالة التي تروج حالياً للاستثمار الأميركي في الخارج، وهي مؤسسة الاستثمار الخاصة عبر البحار. يذكر أنه في أول ميزانية يقرها الرئيس دونالد ترامب عام 2017، تم اقتراح إلغاء هذه المؤسسة، حيث قال البيت الأبيض، إنها قامت «بتدخلات في صميم العمل الفيدرالي لم تكن ضرورية، ما ألحق ضرراً بالسوق الحرة». ومع تصاعد التوترات التجارية مع الصين، فإن التركيز ينصب حالياً على متابعة مدى انفتاح الصين على دعم الاستثمار في البنى التحتية للدول الأخرى.
ولم تتمكن حكومة سريلانكا مثلاً من سداد مدفوعاتها في ميناء حديث قامت الصين بتمويله بالكامل، وانتهى الأمر بحكومة سريلانكا بمنح الصين عقد إيجار لتشغيل الميناء الذي يتوقع أن يدر أرباحاً تبلغ ملايين الدولارات سنوياً، وذلك لمدة 99 سنة، الأمر الذي منح بكين موطئ قدم رئيساً على المحيط الهندي.
وفي الوقت نفسه، تبلغ تكلفة مشروعات البنية التحتية الخاصة بمشروعات الحزام والطريق في باكستان وتتبناها الصين، 62 مليار دولار، وتبحث باكستان في عدد من الخيارات لإدارة مدفوعاتها وإلا ستواجه حلاً يشابه ما اتخذته سريلانكا.
وقد قرر المسؤولون في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض وفي مكتب الإدارة والميزانية، إسناد دعم البيت الأبيض إلى وكالة جديدة للتنمية، ووضعت ميزانية الرئيس التي صدرت في فبراير 2018 اقتراحاً بدمج التمويل الإنمائي للولايات المتحدة وتعزيزه.
وسيكون ضمن الهيئة الرئيسة للوكالة الجديدة، الهيئة المعروفة باسم «أو بي إي سي»، التي أسسها الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون عام 1971 لمساعدة الشركات الأميركية على الاستثمار في الأسواق النامية والناشئة لزيادة أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وستتولى الوكالة الجديدة برامج عديدة تديرها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي تُعرف أكبر هيئة فيها باسم هيئة ائتمان التنمية.
ومثل العديد من مقترحات ميزانية البيت الأبيض التكنوقراطية، والتي غالباً ما لا تذهب إلى أي مكان، بدت احتمالات تمرير تلك الميزانية بعيدة. إلا أن التشريع يحتوي على ميزات عدة، نظراً لأنه يجمع بين عدة وكالات حكومية في واحدة تسمى «مؤسسة التمويل الإنمائي الدولية الأميركية»، ليجذب أولئك الذين يفضلون تبسيط البرامج الحكومية، وعدم إخضاعها للإجراءات البيروقراطية المعقدة.
وهناك مصدر آخر لشعبية مشروع القانون وهو تاريخ هيئة «أو بي إي سي» الذي حقق في السابق أرباحاً سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وذلك كل عام على مدار الأربعين عاماً الماضية، كما ساهم أيضاً بمبلغ 8.5 مليار دولار في خفض العجز في ميزانيات الولايات المتحدة منذ إنشائه.
ولدى هيئة «أو بي إي سي» محفظة بقيمة 23 مليار دولار، ويتكون عملها من ضمانات قروض وإقراض مباشر وتأمين ضد المخاطر السياسية. وتشمل المشروعات التي مولتها أو المؤمن عليها، مد طرق في كولومبيا، ومحطة للطاقة الحرارية الأرضية في هندوراس، وأبراج الهواتف المحمولة في أوغندا، ومرفق لتخزين الوقود النووي في أوكرانيا وغيرها.
ويقول مسؤولون في إدارة ترامب، إنهم سمعوا، مراراً وتكراراً، أن الدول التي تحتاج إلى بنية تحتية تفضل عادة أن تذهب إلى التمويل الذي توفره الولايات المتحدة، لكن دائماً تكون الصين هي التي تقدم العروض المناسبة، ما يدفع تلك الدول إلى المضي قدماً ومنح الصين الحق في الاستثمار في دعم البنية التحتية لها.
وذلك لأن هيئة «أو بي إي سي» كانت محدودة في تحركاتها بسبب السقف الذي يفرضه الكونجرس الأميركي على حجم محفظتها وحظر امتلاك حصص الأسهم في المشروعات، وهي قضايا يسعى التشريع الجديد الذي تأمل إدارة ترامب أن يتم تمريره، في تخطيها وإطلاق العنان أمام الوكالة الجديدة المعنية بالاستثمارات عبر البحار، لمواجهة التفوق الصيني الواضح في هذا المجال، ومواجهة الاستثمارات الصينية التي تمتد حالياً في كل الاتجاهات.
وفي مقابل القيود الحالية المفروضة من قبل الهيئات التشريعية الأميركية فيما يتعلق بالاستثمارات الخارجية، فإن الاستثمارات الصينية في الخارج لا تواجه أي عقبات مشابهة تعوق توسيع استثماراتها بوتيرة قد يعتبرها البعض متهورة.
ويتولى راي واشبورن رئاسة هيئة «أو بي إي سي»، وهو من أعضاء حملة الرئيس دونالد ترامب السابقة، ويقول بعض مؤيدي الرئيس الحالي من أعضاء الكونجرس إن هذه الهيئة مهمة للغاية في جعل الولايات المتحدة قادرة على المنافسة في اقتصاد السوق، و«إن ما تقوم به الصين ليس استثماراً بالمعنى المعروف، بل هو نموذج للإقراض المباشر».
وينظر واشبورن إلى طريقة عمل الهيئة التي يديرها على أنها تختلف تماماً عما تقدم عليه الصين. وقال موضحاً وجهة نظره: «إننا نأتي بمشروعات منطقية من الناحية الاقتصادية، لأننا لسنا منظمة معونة»، بل «نحن نعمل من أجل التجارة الحرة للبضائع. نحن نعمل من أجل الشركات الخاصة».
والعقبة الرئيسة أمام الوكالة الجديدة هي في مجلس الشيوخ، حيث يقضي زعيم الأغلبية الجمهوري ميتش ماكونيل وقته في تأكيد المواقف في المجلس وسباق أعضائه لتمرير فواتير الإنفاق من أجل تفادي إغلاق جزئي للحكومة في نهاية سبتمبر.
وبسبب القواعد الإجرائية لمجلس الشيوخ، يمكن أن يستغرق كل تصويت من هذا القبيل أياماً، ما يعني أن التشريع الذي يجب أن يتم تمريره في أقرب وقت لمجابهة التوسع الاستثماري الصيني، لا يمثل أولوية قصوى ضمن الجدول الزمني المزدحم حالياً لمجلس الشيوخ.
وأسرع طريق في مجلس الشيوخ هو عن طريق الموافقة بالإجماع، وهي عملية تسمح بتمرير مشروع القانون على أساس سريع طالما يتفق جميع أعضاء مجلس الشيوخ. ولكن إذا اعترض عضو واحد في مجلس الشيوخ، فلا يمكن للمجلس استخدام طريقة التتبع السريع هذه.
وعلى الأقل، فإن السناتور الجمهوري جون باراسو من وايومنغ يمكن أن يقلب مثل هذه العملية، حيث كان أبدى اعتراضات مبدئية سابقه على إقراره. وكان باراسو هو العضو الوحيد في مجلس الشيوخ الذي صوت ضد مشروع القانون في يونيو الماضي، عندما وافقت عليه لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بإجماع 20 عضواً واعتراض عضو واحد.

بقلم : جوش زومبرون وسيوبهان هيوز

 

 

اقرأ أيضا

«موانئ دبي» تفتتح منصة كيجالي اللوجستية