الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
«حمدوس» العاقل.. مجنون
«حمدوس» العاقل.. مجنون
29 يونيو 2011 19:48

شرعت الهيئة العربية للمسرح مؤخراً بإصدار سلسلة “نصوص مسرحية” التي تُعنى بنشر النصوص الأدبية المسرحية عربياً. كانت باكورتها ثمانية نصوص مسرحية من الإمارات صدرت في جزأين، ضمّ كل منهما أربعة أعمال لم يسبق نشرها كما لم يجرِ عرضها كلها على الخشبة من قبل، سواء مأخوذةً كما هي أو تمّ إعدادها. هنا يواصل “الاتحاد الثقافي”، تباعا، نشر متابعات نقدية وقراءات في هذه المسرحيات. ما يلي قراءة في النص الأدبي المسرحي الذي يحمل العنوان: “حمدوس” للكاتب ماجد بو شليبي... لا يوحي وصف الشخصيات المسرحية في “حمدوس” بأي خروج عن مألوف العادة في تسمية الشخصيات في النصوص الأدبية للمسرح الإماراتي، من حيث أنها أسماء قد لا تشي لقارئها بوجود خلل ما في هذه الشخصية تبعا للاسم فقط، وقبل الولوج إلى الحدث المسرحي وتفاصيله وحيثياته كما في النص الأدبي المسرحي المكتوب، فهي أسماء تكاد تكون باردة ومحايدة. هناك فقط حمدوس وبشار وعباس من بين الشخصيات التسع التي من المفترض ظهورها على الخشبة وتحمل هذه الأسماء الثلاثة التي يوحي الأول منها باسم الدلال للاسم حمد من باب التحبب فيما لا يعني الاسمان بشار وعباس خارج الاصطلاح “التاريخي” للاسم المجرد أو حتى الاسم الاشتقاقي من اللغة ذاتها، فهل يعني ذلك أن أحدهما عابس فيما الآخر يجلب معه البشرى بكثرة؟. لا توحي الأسماء بأكثر من ذلك وقابليتها للقسمة على أكثر من تأويل غير مانحة. في الوقت نفسه فإن الأسماء الغامضة هي الأكثر، فالصوت لن يظهر بالتأكيد وسيبقى صوتا يتناهى إلى الشخصية فالقارئ فحسب، أما المسافر 1 والمسافر 2 وحلم والمرأة فيشير الاسمان الأولان من بينهما إلى التنقل والرحيل أما الحلم والمرأة فهما دلالة حضور نسائي من غير الممكن اكتشاف أثره بعيدا عن وقائع وأحداث العمل وتوتراته الدرامية وخطوط الصراع بين الشخصيات. لكن الاسم “حلم” وحده غالبا ما يذكّر قارئ الإبداع العربي الحديث إجمالاً بالمرأة ـ الطيف، غير أن التأويل المباشر الذي يكون نتاج وهلة أولى غالبا ما خذل صاحبه وفضح تأويله المتسرع القادم من جهة قراءة عجولة وسطحية لا تسعى إلى كشف المعنى وكشف ظلاله، ذلك أن قاعدة أن الأسماء كالعيون تفضح هوية صاحبها قاعدة اعتباطية وربما شاذة فيما القاعدة هي العكس. تأويل المكان وعوضا عن الإفراط في تأويل الشخصيات بدءا من أسمائها أو عتباتها الأولى فإن قراءة توصيف المكان قد تدفع بالتأويل إلى منطقة أعمق، وهذا ما لا يمنحه الكاتب ماجد بو شليبي لقارئه، بل يحفز فيه الفضول للدخول أكثر في التفاصيل. فيلاحظ المرء أن المكان يتسم بالتقشف سواء لجهة مساحته أم لجهة عناصر الديكور المتوافرة فيه فقد يكون ساحة خلفية أو موقف سيارات فارغ، وقد يكون سوى ذلك أيضاً. غير أن الكاتب بدلا من أن يسمي المكان يترك لشخصية “حمدوس” أن تكشف عن هويته، إذ إنه منذ الكلمات الأولى يكتشف القارئ أنه يتابع حدثا مسرحيا في مركز حدودي ناء. إنه مكان بائس وفقير ويقع في الهامش البعيد عن الحياة والمجتمع والعالم. وفي صفحات تالية يتكشف أن قسوة المكان قد طبعت بطابعها الشخصيات ذاتها سواء التزمت صمتا أم أوغلت في الثرثرة حيث يصير الحوار ديالوغا أو ما هو أقرب إلى ذلك. إن شخصية حمدوس التي تستقبل المسافرين لا يعني التاريخ لها شيئا ولا الزمن ومروره على المكان والشخصيات بما يشير إلى عبثية ما في هذه الشخصية الرثّة التي يرسمها صاحبها بو شليبي بحيث لا تستدر من القارئ أي قَدْر من التعاطف معها. إنها شخصية تتقن فن تجاهل الحياة وكل ما يحيط بها من أحداث... إنما هل حدث ذلك من فرط تجاهل المجتمع والكيان الاجتماعي ـ أي الدولة ـ لمثل هذه الشخصية لتعيش عزلة قسرية تطبق على صاحبها كما العتمة؟ قد تكون الإجابة بنعم أو لا، لكن ما هو واضح أن القارئ يدخل منذ السطور الأولى إلى صراع الشخصيات الذي يبدأ صراعا مع ذواتها بدءا وليس مع بعضها البعض. وقبل محاولة سبر أغوار شخصية حمدوس الرئيسية في العمل، حيث الشخصيات الأخرى تبقى ذات حضور طفيف إلى هذا الحد أو ذاك، فإن تكشُّف جوانب أخرى من العمل بدلالة الحوار بالدرجة الأولى وبما تمنحه مخيلة القراءة من إدارة للخشبة المتخيَّلة، فإن النظر إلى العمل من الأعلى والبعيد قد يكون أكثر جدوى للكشف ما أمكن عن الجوانب الخفية في الشخصية الرئيسية وما يليها من شخصيات. بمعنى ما، المكان يتكشف عن مستشفى مجانين بالفعل تحت مسمى مركز حدودي ناء في الصحراء وسط الرمال الحارّة، إن الجنون هو الذي يدفع بشخصية “حمدوس” إلى الغليان وليس الصحراء. من هنا فالعمل ليس عبثيا ـ أي ينتمي إلى مسرح العبث ـ بل هو واقعي تماما وأكثر قربا إلى مسرح القسوة لكن ليس على طريقة الفرنسي انطونين آرتو الذي ارتبط اسمه بهذا النوع من المسرح بل هي القسوة التي تهب على الشخصيات من فرط أن المكان متجهم ولا يمنح إلا البؤس الإنساني وشظف العيش والتقشف في المشاعر الإنسانية التي لا تظهر إلا على نحو سلبي. حتى العالم الذي يبدو كما لو أنه كوكب آخر بعيد تتناهى صورته إلى المكان مشوهة وغير سويّة أو عقلانية، بل كابوسية إذا صحّ التوصيف، فالخليج الذي ستجف ماؤه بعد عشرة ملايين من السنين يجفّ بغتة وتماما لكن لا يوجد فيه آثار لأسماك ميتة أو حتى متحجرة بل “طارت”؛ غادرت موطنها الأول وطارت، ولم يعد من وجود إلا للجرف الذي خلّفه البحر وراءه هو الذي بدوره كما لو أنه طار. يجسِّد ماجد بو شليبي هذا اللامعقول في هذه الاقتطاعة من الحوار بعد أن تكف شخصية “المسافر 1” عن الصمت: “المسافر1: ما هي أخبار العالم؟ حمدوس: ومن أنت حتى تسأل عن أخبار العالم؟ لكن لا بأس.. سأتناقش معك بالأمور المهمة.. أتعلم؟ المسافر1: (يتجشأ ويستند إلى الطاولة) نعم؟! حمدوس: الصحف مسألة مهمة لتوثيق الأخبار.. خذ.. مثلا.. هنا خبر يقول أنهم يقولون أن مياه الخليج سوف تجف بعد عشرة ملايين سنة. المسافر1: أوتصدق خبرا مثل هذا؟! حمدوس: اسمع.. أنا لهذا أحتفظ بالجريدة لأتبين مدى صدق الخبر عندما يقع.. ثم أنت.. يجب أن لا تأخذ الأمور على علّاتها.. بل الأهم أن تقرأ ما بين السطور”. إذا كان هذا الحوار منطقي تماما أو قائما على منطقه الخاص به، فهو ليس عبثيا إنما حصيلة جنون سبق له وأن دمر الفرد والمجتمع معا وجعل من “حمدوس” ومجتمعه اختزالا وتكثيفا لفكرة الدولة والمواطَنة والمجتمع وموقع الفرد منها جميعا، فكما لو ان المقولة الكبرى للعمل بجوهره هو إدانة لكل الخراب الذي يحيط بحياتنا التي صار الجنون فيها أمرا معقولا ومقبولا وقاعدة وليس استثناء. بمعنى أن مستشفى المجانين تلك، وقد أخذت هيئة مركز حدودي، تمثل الهيبة الهشة والمخرَّبة لفكرة الدولة على ما هي عليه وقد انتقل بلاؤها من المجتمع إلى الفرد. العقلانية المجنونة إنها مجتمعات مريضة بعقلانيتها المجنونة كما تبدو في “محدوس” ويأخذ الجنون بيد المرض ليقوده إلى أبعد احتمالاته: استطالة في شَعر رؤوس الشخصيات وفي الأذنين ثم الموت المحتم الذي لا رادَّ له وحيث ما من ينجو، أي أننا جميعا أبناء هذه المجتمعات نعيش في جنوننا الذي ليس بوسع أحد ان يدّعي أن له جنونه الخاص بل كلنا يعصف بنا الجنون. لا يقدم الكاتب ماجد بو شليبي ما يشير إلى لماذا يحدث ما يحدث إنما بوسع أيٍّ منا أن يتحسس رأسه ليكتشف أن اذناه تطولان وشعره يطول، وانه يغادر هيئته الإنسانية التي تميز سائر البشر لينحطّ إلى هيئة أخرى. وبالتأكيد فهذه القراءة هي احتمال من احتمالات عديدة للمعنى الذي تقوله المسرحية حيث لأي منا أن يقرأها مثلما يشاء ويصل إلى أي نتيجة يشاء. ومهما يكن من أمر، وعودة إلى شخصية حمدوس المحركة لقوانين اللعبة المسرحية، فهي شخصية انتهازية وقائمة في جوهرها على قَدْر كبير من الخسة والنذالة، لذلك فهو منافق وكذّاب ولا يتورع عن فعل شيء، إذ يترك امرأة تنام وحدها في العراء ثم يتودد إليها في اليوم التالي، أو يبيع ما يصل إليه من تموين للمسافرين في حين يشكو قلة هذا التموين، فضلا عن أنه ثرثار ومتسلط. إن جملة هذه المواصفات، التي تحتاج من المؤلف إلى تقصُّد القسوة على الشخصية في إبرازها أو الإيحاء بها، تحتاج من ممثل ما أيضا إلى إدراك الأبعاد النفسية لهذه الشخصية ومعرفة بتفاصيل حياتها السابقة على العرض، فهو الذي هجرته زوجته ويدّعي أنه قد طلّقها ثم جيءَ به إلى هذا القفر بسبب الوشايات، لكنها في الأساس شخصية تحتاج إلى صياغة “كاراكتر” خاص بها يقوم بالدرجة الأولى على الداء المعبِّر والمقنع، إذ يحسب القارئ أن الشخصيات الأخرى لم تكن لتوجد إلا لحاجة هذه الشخصية إليها كي تبرز أكثر بوصفها محور العمل بما يتضمنه من مقولات، حيث هذه المقولات هي أساس “حمدوس” بكل ما تنطوي عليه من جرأة. فإذا كان المؤلف قد أوجد المبررات الفنية على مستوى الملفوظ لإبرازها فجعل من شخصية حمدوس ذريعته في توجيه هذا النقد الاجتماعي اللاذع للمجتمع برمته، فإن على مخرج ما مفترض ولا يزال في طيّ الافتراض ان يجد المعادل البصري لهذه المقولات من خلال ممثل قادر على تقمص شخصية ليست سهلة أبدا كما هي “حمدوس” هنا في هذا النص الأدبي. كذلك لا يخفى على المرء أن العمل ينطوي على جانب كوميدي، أو ذلك على الحسّ بالسخرية المرّة، من ذلك النوع الذي يمكن لمخرج أن يجعل منه عرضا كوميديا ساخرا لا يخلو من السوداوية في الوقت نفسه، الذي لا يخلو فيه النص الأدبي للعمل من بساطة قد تقود إلى نوع من التسطيح للعرض إذا تمّ التعامل معه باستعجال ودون رؤية إخراجية قادرة على تأويل العمل، بشخصياته ومقولاته، إلى نص بصري متكامل ولعل هذه البساطة هي أصعب ما فيه. غير أن الملاحظة التي من الممكن أن تؤخذ على العمل هي كثرة الشخصيات وعدم الميل إلى الاختزال والتكثيف في الشخصيات، إذ من الممكن أن تكون شخصيتا “المسافر 1 و2” شخصية واحدة كذلك “الحلم” و”المرأة” هما شخصية “فردوس” وشخصيتا عباس وبشار شخصية واحدة هي شخصية ساعي البريد، فهذه الشخصيات التي من الممكن اختزالها أو دمجها لا تلتقي معا على الخشبة تقريبا أو تقوم الواحدة منهما بأداء دور لا يؤثر على طبيعة الدور الآخر. لقد بات الاتجاه الحديث في المسرح لدى الكتّاب والمخرجين أكثر ميلا إلى تقديم أعمال مسرحية ذات مقولات كبرى قابلة للتعدد في القراءة بأقل عدد من الممثلين بحيث من الممكن الاستغناء عن دور أي واحد منهم بسبب طبيعة الصراع الدرامي وما يود المخرج والمؤلف. لنتخيل مثلا أن مسرحية كلاسيكية من طراز “هاملت” لشكسبير يتم تقديم كل المقولات الإنسانية فيها عبر شخصيتي “هوراشيو” الحارس الشخصي لهاملت وصديقه وشخصية أخرى لأحد حرّاس القصر أثناء رحلتهما إلى الدنمارك لإيصال رسالة، ما يبرز المقدرة التخييلية اللافتة لدى كل من أعاد كتابة نص المسرحية والمخرج المسرحي أيضا.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©