الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الرجل النبيل وحيداً..
الرجل النبيل وحيداً..
29 يونيو 2011 19:48

كانت مشكلة الذي اقترب من السادسة والثلاثين، بلا طموح ولا أحلام، والتي لم تفارقه قط، منذ أن عرف الدنيا وعرفته، هي تعاطفه الشديد مع أي كان، عنوانه كاملاً، حتى إذا ما احتاج إليه أحد، لبى النداء بلا تردد. هكذا يرسم أمير تاج السر شخصية بطل روايته “تعاطف”، الذي حين شاهد حيدر باخريف، بطل كمال الأجسام في آخر أيامه بعد أن تجاوز السبعين، يلعب لعبة القوة في حارة قذرة وينهزم من قبضة مراهق شاهده وهو يتحرج منكس الرأس، وقد سقطت من جيب قميصه عدد من المحاقن، التي تستخدم في حقن الأنسولين في الدم. بكى بصدق، واعترض طريق البطل القديم، لمّ محاقنه عن الأرض وقال من كل قلبه: هاك قبضتي يا شمشون الأفارقة، اهزمني أنا. ولم يكن باخريف كما وصفه المؤلف بحاجة إلى تعاطف من ذلك النوع على الإطلاق، بقدر حاجته إلى سبعة وسبعين جنيهاً، ينطلق بها إلى أقرب صيدلية، لشراء قناني الأنسولين من أجل دمه. كان قسم السيد محارب، بطل الرواية في أوقات فراغه، وحتى تأدية وظيفته حارساً للأمن في فندق سواري، ينقّب في الوجوه الواثقة التي يصادفها، بحثاً عن ذرة ضعف ينفذ من خلالها، يفتش الحقائب اليدوية، وصناديق الأمتعة، المحشوة خيراً وشراً، بلا مزاج أمني، ويسمح للسيدات الأنيقات أن يبتسمن ويضحكن، ويسخرن من أي الرسمي الأزرق. لم يكن سواري فندقاً شديد الرقي أبداً، وما كانت في البلاد أصلاً فنادق كثيرة تصنف راقية، وتحمل نجوماً على أكتافها. لقد تعاطف محارب مع نزيل صيني يدعى جيانج، ومع كثيرين غيره من الحالمين بغزو أرض سمّها بكر، ولا يعلمون أنها بكر ملغومة، يشاهدهم يتابعون تغيرات العملة اليومية على شاشة وضعت في وسط البهو وهم واجمون، يحسهم يتوترون حين يسمعون نبأ مظاهرة تحتج على الغلاء وشح السلع، تصدى لها الأمن وفتتها، وحافلة ركاب سقطت في النيل، من جسر بلا حواجز واقية. في ذلك اليوم تعاطف مع المستثمر المنهزم بدرجة أرهقته، حولته إلى مجرد ظل بلا فراسة، أمام بوابة لا تحتمل غباء الحراس، أو شرود أذهانهم. كاد في قمة تعاطفه، أن يسمي الصيني: أخي جيانج، كاد أن يلبسه ثوباً وعمامة، وأن يصحبه في يوم عطلته الأسبوعية، إلى بيت الكونتيسة، وهو بيت للشبق السري مختبئاً في أحد الأحياء وكانت تديره واحدة تسمت بذلك الاسم، ولا يعرف اسمها الحقيقي، وكان محارب يتردد عليه أحياناً، ويخرج بلا أحلام. إنها واحدة من مسائل تدبير الأمور، كما يعرضها علينا المؤلف. الشفرة التي تعب الصيني في محاولة فكها، ولم يفلح، وفي اليوم الذي عثر فيه عليه، بلا رأس في مزرعة مهجورة في الضواحي، وتعرفوا إليه من رائحة إبطيه، تعب السيد كثيراً، استدعى توتراته كلها، وتوتر بها، وكان من الذين شهدوا حرقه، وذره رماداً في النيل. إنها فرصة تعاطف بلا شك، تلك التي استغلها قسم السيد بجدارة، وبلا وعي، ولا إحساس بالخطر. سماها مهمة إغاثة امرأة ضائعة، وغرق فيها حتى النهاية. فقد نفدت، وبعد أكثر من شهرين من إقامتها في فندق سواري، بلا معنى، مصاريف سميتا باكار الغانّية، صاحبة الجنّي، التي زرعت نفسها في البلاد، ولا تستطيع اقتلاعها. كان بقاؤها في سواري، مرهوناً بتسديد أجرة السكن كاملة، وثمن الأكل والشرب الذي كان مضاعفاً، بسبب الجنّي الذي عليها إطعامه أيضاً. طبق سلطة خضراء لها، طبق للجنّي، حساء لها، وآخر للجني ولا تحبها، وتأكلها إرضاء له. كان جزءاً من مهمات قسم السيد، أن يبدو حارس أمن حقيقياً، عابساً وفظاً، ومستهتراً أحياناً، يحمل حقيبة سميتا، يلقيها خارجاً، يشد النزيلة من يدها، أو يدفعها من ظهرها إلى الطريق. نادوه لتلك المهمة، وقام بها كاملة كما ينبغي حتى تنتهي نوبة عمله، وسيعثر لها على حل. كان في قمة تعاطفه في تلك اللحظة، يحس بفوران حامض المعدة في صدره، وتهيج الدم الذي يداهمه دائماً في لحظات التعاطف الخطر، وأبى أن يتذكر عامداً، وبعناد شديد، ما جرى منذ خمسة عشر عاماً، حين دخل السجن خمسة أيام، من جراء تعاطفه المريض مع رجل أجنبي تعرّف إليه مصادفة وصادقه، واتضح بعد ذلك أنه كان من أصل لاتيني مطلوب دولي في قضايا إرهاب وتفجيرات، واختطاف زعماء. ثلاث معضلات كبيرة تشكّلت فجأة. إحداها انطلقت من فندق سواري، وتخص الدولة كلها، حكومة وشعباً، وموارد وما شابه ذلك. فقد جاءت إلى الفندق بغتة في أحد الصباحات امرأة صينية في منتصف الثلاثينات. تقليدية في الوجه والعنق وضيق العينين، وقصر القامة كان اسمها “لو لي لوا” معالجة متمرسة بالإبر الصينية، وزوجة للصيني الراحل، لي جيانج الذي اغتالته أياد مجهولة في إحدى المزارع المهجورة. لقد عرفت بموت زوجها المخلص كما تقول، من زملاء له في مشاريع الوهم التي كان يطاردها في البلاد البعيدة، وأودت بحياته. لم تصدق أنه كان يسعى لخيانتها مع نساء لا يشبهن ميوله على الإطلاق، ولا يجدن ما تجيده، وقد وفرت له طوال وجوده في حياتها، كل خصائص المرأة العاطفية المخلصة، التي تساهم حتى في وضع بويضاتها مستثارة بواسطة الهرمونات، لتحصل على إخصاب جيد. وكونها معالجة بالإبر الصينية، وذات خبرة واسعة في هذا المجال، لم تجعله يشكو أبداً من أي غدة من غدده التي تنتج. كان يصحبها مترجم من الصينيين الذين يتباهون بإجادتهم للغة العرب أكثر من أهلها، وظهر ذلك جلياً في ترجمته لهيجان المرأة، حين افتتحها ببيت الشعر المعروف لشاعر العرب الصعلوك عمر بن أبي ربيعة: من اللاّئي لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفلا. ناسياً أنه ليس في قاعة درس لطلاب اللغة العربية، وأن عليه أن يترجم بأمانة ما تريده الزوجة المكلومة فقط، بعد هذه الرحلة الطويلة، وكانت للأسف الشديد تريد رماد زوجها الذي استعجل زملاؤه الصينيون، ذره في النيل. انطلقت المرأة من سواري إلى معظم دواوين الحكومة التي تعاطت مع الصيني حياً ميتاً، مثل إدارة الهجرة والجوازات، ووزارات الاستثمار والداخلية والخارجية، وبعض أكشاك السجائر التي تبيع المارلبورو، والصيدليات وغيرها ووصلت إلى المزرعة المهجورة التي عثر عليه فيها بلا رأس، ولم تقتنع أبداً بأن النيل لا يمكن أن يرد غباراً ابتلعه، تجلس باكية تتوسل إلى النيل أن يستفرغ، ويرد رماداً غير ممكن رده. كان كل شيء يمضي عادياً الثورات المتأججة في بلاد العرب، حصدت وتحصد ثمارها بجدارة، والآن ليبيا القذافي المعزولة داخل كتابه الأخضر تسعى لتعتق. العالم يراقب نقاط الغليان بعيون واسعة، وقلوب ترتعد. لا شيء في الصحف غير الزلزلة وهتاف الحناجر، وفندق سواري يمتلئ بمراقبين دوليين، وحكماء من أفريقيا، ونزلاء متشابهين، لا يعرف أحد وظائفهم بالتحديد. يقف قسم السيد محارب في بوابة الدخول، كما يقف منذ سنوات طويلة، يفتش الحقائب بلا مزاج امني، يسمي القادمين أعمامي وخالاتي، وأبنائي الصغار، ويبكي لو مرت حافلة تنبعث من مذياعها أغنية هجر. أتحفنا الروائي السوداني أمير تاج السر في روايته “تعاطف”، بالمواقف والكلمات المعبّرة، في زمن اهتزت فيه المقاييس، واختلت الموازين، لقد كان يبحث عن المعلومة ويطاردها في أحاديث الناس، ليختار منها الصفوة، فتأتي كتابته صافية صادقة، واضحة المعاني والمفاهيم، فهو لم يحتفظ بها لنفسه ولم يدّخرها بعيداً عن أهل العلم والمعرفة، بل كتبها ونشرها لكل طالب معرفة فكان فيها رسولي التوجّه، ليعمم المفيد.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©