الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
تجاوزات الشكل والمضمون
تجاوزات الشكل والمضمون
29 يونيو 2011 19:48

بعد رحلة مع الشعر استمرت أكثر من خمسين عاما صدرت أخيرا الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر السوري علي كنعان، التي احتوت على أعماله التسعة التي صدرت حتى الآن، وقد توزعت على جزئين ضم الجزء الأول أربعة أعمال صدرت بين أعوام 1966 و1992، بينما تغطي أعمال الجزء الثاني المرحلة التالية حتى 2009. يمثل الشاعر أحد رموز تجربة الحداثة في الشعر السوري المعاصر إلى جانب الشعراء علي الجندي وممدوح عدوان ومحمد عمران وخليل خوري وفايز خضور. ظهرت قصائده الأولى في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي في مجلة الآداب اللبنانية، في حين صدر ديوانه الأول الذي حمل عنوان درب الواحة في عام 1966. كتب الناقد السوري المعروف صبحي حديدي مقدمة مطولة للأعمال الشعرية تناول فيها بالدراسة والتحليل ملامح تلك التجربة وتحولاتها ودلالاتها وأهم ماتتميز به بالنسبة إلى تجارب أبناء جيله. في البداية يركز الناقد على الأهمية الخاصة التي شكلها صدور الديوان الأول درب الواحة انطلاقا مما قدمته قصائده من مقترح شعري يتجاوز مسألة الشكل والمضمون إلى التمثل الحداثي للإرث الشعري لشعراء الحقبة السابقة في المشهد الشعري السوري السابق وتطويرها على الرغم من الضغوطات التي كانت تمارسها القصيدة العامودية على الذائقة العامة. ولعل الملاحظة الأولى التي يمكن تسجيلها على هذه الدراسة التي ركزت على دراسة التجربة في سياقها التاريخي والإبداعي هي دراسة تجربة الشاعر في هذا الديوان خاصة، وفي شعره وشعراء أبناء جيله عامة في إطار السياق الشعري السوري الخاص وتحولاته دون الإشارة إلى مدى تفاعل تلك التجربة مع التجربة الشعرية العربية الحداثية لاسيما في العراق ولبنان، خاصة وأن قراءة تجربة الشاعر توضح حالة التأثير التي مارستها عليه تجربتا الشاعرين بدر شاكر السياب وخليل حاوي، إلى جانب علاقة الاتصال والتفاعل التي كانت تعيشها تجربة الحداثة في الشعر السوري مع تجربة الحداثة الشعرية ومنجزاتها وأطروحاتها الفكرية والجمالية، وهي التجربة التي وجدت في مجلة الآداب اللبنانية منبرا لها إلى جانب التجارب العربية الأخرى. يتناول الناقد الخيارات الأسلوبية في هذه التجربة كما تمثلت في الالتزام بنظام التفعيلة ضمن تنويعات مفتوحة من حيث أنواع التفاعيل وأنساقها، وما تنتظم فيه من تشكيلات إيقاعية سواء على مستوى التجربة عموما أو القصيدة الواحدة، إلى جانب التنويع في التقفية بحيث يضفي ذلك طابعا انسيابيا على حركة التفاعيل. أما على مستوى المضمون والرؤية الشعرية فيركز على الشخصية البدوية للشاعر وعلاقتها بالمدينة وما استدعته من رموز وشخوص وأساطير تغذي رؤاه المتعاقبة مثل كاليغولا وشمرا ونيرون وهيلين والأخضر العربي وزنوبيا والسندباد وأوديب... ضمن مشهديات تحتفي بكادحين وثوار وفقراء. إن تلك الخصائص لتجربة الشاعر تتواصل كما يرى الناقد مع قصائد المجموعة الثانية أنهار من زبد مؤكدة على جدل تطوير مقترحها الشعري حيث يبرز شخصه البدوي المغترب عن أخلاقيات المدية وهذه إحدى السمات المشتركة برأينا بين تجربة الشاعر والشاعرين السياب وحاوي، الأمر الذي جعل الشاعر يبقى على هامش عالم المدينة حاملا سخطه وسخريته من أخلاقيات المدينة وقيمها التي يحاول أن يمزق أقنعتها ويعري هزائم أبناء جيله. لقد تميزت قصائد الديوان الطويلة ببنيتها الدرامية الحوارية بين أصوات وشخوص. في المجموعات الثلاث التالية يبرز وعي الشاعر الحاد والجارح والساخر بالروابط القوية بين القضايا السورية والعربية والقضايا الطبقية والإنسانية، لكن الأبرز فيها كما يقول الناقد يظهر في ما عكسته تلك التجربة من ميل معقد إلى إضفاء “صيغة شكّ عميق على أنماط الاغتراب الوجداني والتوجع الرومانتيكي التي طبعت معظم قصائده لأسباب تتصل على الأرجح باتضاع وعيه الحاد بالروابط بين الذات والآخر، النفس والعالم، الخاص والعام وبين خدر الحلم وكابوس التاريخ”. ويجمل الحديدي السمات التي تميزت بها الأعمال التالية في الغنائية شجية والشفيفة إلى جانب هيمنة شعور بالتيه وبالتهويم وبعالم أشبه بواحة من سراب يعكس فيها خيبته المريرة وأحزان عمره الذي كان يعيشه في منفاه الاختياري بعد خيبة أبناء جيله القاسية بالثورة والنهوض والحرية. ومع المجموعة الأخيرة التي حملت عنوان “أبجدية الينابيع” يؤكد الناقد أن تجربة هذا العمل تعيدنا منذ العنوان إلى الإرث الرعوي العتيق للشاعر كما أنها تعكس حصيلة تجربته الشعرية المضطرمة على الرغم مما تتميز به من فوارق جوهرية كبرى لم تعد معها القصيدة ساحة اصطراع وتصارع بين مفارقات الانتماء وتناقضات الاغتراب في مستوى اللغة والشكل والمعنى واجتماع تلك الانساق وامتزاجها في حاضنة جمالية وفنية. ويخلص الناقد من دراسة تجربة الشاعر إلى جملة استنتاجات تتمثل في ما اتسمت به تجربة الشاعر من قدرة على الارتقاء والتطور ضمن معادلة كبرى كان الشاعر فيها حامل “براءة رعوية مديدة ثاقبة الرؤية والحس والحساسية، وباصرة تصويرية وتشكيلية خارقة، وانتماء نبيل في أتون اغتراب لا يقل نبلا... لم ينهض امتيازها على أوهام نخبوية جوفاء أو ألعاب مجانية عزلاء”. إن أهمية صدور هذه الأعمال تتمثل في كونها تعكس المناخ الشعري والرؤيوي الذي هيمن على تجربة جيل شعري بصورة عامة، وتجربة الشاعر بصفة خاصة كانت تشكل امتدادا لتجربة شعر الحداثة عند جيل الرواد والجيل التالي، حيث كان أغلب شعراء تلك التجربة من أبناء الريف ما دل على التحول الذي كان يطرأ على المستوى الاجتماعي والثقافي في تلك المرحلة، وعلاقة الريف بالمدينة، والتحولات التي كانت تسم طبيعة الحركات السياسية والإيدولوجية التي سيطرت على المشهد السياسي فيما بعد والتي تركت تأثيرها سلبا وإيجابا على تجارب جيل الستينيات بصورة خاصة، مما أفضى إلى بروز نغمة الغضب والهجاء والحزن التي عبرت عن خيبة الأمل وسقوطه، وعن حالة الضياع والتردي التي حكمت الواقع العربي، لاسيما على مستوى مشروع الحداثة والتحديث التي شكلت تجربة الحداثة في الشعر العربي المعاصر تعبيرها الأسمى والأصدق والأمثل لغة وتشكيلا وحلما ورؤية سيطر عليه الطابع الرومنيتي الغنائي الطاغي، في حين كانت مشاريع التحديث والنهوض القومي العربي على المستوى الاجتماعي والسياسي تتكشف عن عجز وغياب لقيم الحرية وتعميق لتحولات الواقع وتطوره، ما ذلك الحلم ونزعة التبشير والقيامة التموزية تنتهي إلى لغة جنائزية حزينة تعكس مدى الخيبة المريرة وقسوة الانكسار الفاجع لأحلام جيل واسع.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©