الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
جسران للتواصل بين القاهرة واستانبول
جسران للتواصل بين القاهرة واستانبول
29 يونيو 2011 19:46

صدر هذا الكتاب من قبل في استانبول، وصدرت طبعته المصرية مؤخراً “الأتراك في مصر وتراثهم الثقافي” موضوع شائق وشائك ومن يعرف مؤلفه أكمل الدين إحسان أوغلي يتصور أنه مصري، فالرجل وإن كان تركياً، فقد عاش في مصر فترة من عمره، حيث درس بكلية العلوم جامعة عين شمس بين عامي 1962 ـ 1966 وعمل فترة بدار الكتب المصرية، ومن ثم فقد أقبل على هذا الكتاب ليس بمنطق الباحث المهموم فقط، لكن ايضاً بقلب المحب لوطنه تركيا وتاريخ بلاده، وكذلك مصر التي تعلم فيها وتشرب ثقافتها، وعاش بها، حيث كان والده يعيش بها ايضاً، ويأتي هذا الكتاب وفاء لقيم وأفكار عديدة آمن بها، وهو يرى أن التأثيرات الاجتماعية والثقافية التي وقعت بين الأتراك الذين وفدوا على مصر واستوطنوها على مدى السنين والمصريين، قد ترسخت في مصر حتى اصبحت وكأنها جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري. تاريخياً فإن احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية كان تركياً، ومن بعده تردد إلى مصر حكام من اصول تركية، أو من الذين تأثروا بالدولة والثقافة التركية، هكذا كان المماليك، فضلاً عن العصر العثماني كله، الفترة الاستثنائية التي لم يكن هناك تفاعل فيها بين مصر وتركيا كانت عصر الدولة الفاطمية، فقد جاء الفاطميون من المغرب “شمال افريقيا” وكانوا من أصول عربية. عهد محمد علي يهتم هذا الكتاب بفترة تاريخية محددة هي فترة حكم محمد علي وأولاده من بعده، حتى عام 1952 كان محمد علي ضابطاً في الجيش العثماني ولد في قولة باليونان، ووقتها كانت إقليماً عثمانياً، أي تركياً، ولذا يعتبره اكمل الدين تركياً، وفي عهد خلفاء محمد علي صارت كلمة تركي تحمل معنى مختلفاً، قبل ذلك كانت تحمل معنى الاصل، أي انه جاء من تركيا، لكنها صارت تحمل معنى ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، أي أن يكون من تطلق عليه هذه الصفة من الطبقة الارستقراطية ورجال الحكم، وهي الى اليوم عند المصريين تحمل معنى التصلب في الرأي والفكر، وترددها بعض الفتيات، يردن القول إنهن من اصول اجتماعية وثقافية متميزة، ويذهب المؤلف الى أن تجربة التحديث التي بدأها محمد علي في مصر منذ توليه الحكم كان يحاكي فيها التجربة العثمانية، حتى وإن أعطاها مذاقاً مصرياً خالصاً، وهو رأي قد يصطدم بآراء أخرى مغايرة، والمهم في حالة محمد علي أن تحديثه للجيش المصري اعتمد اللغة التركية، حيث كانت العلوم العسكرية تدرس بها، وكانت هي ايضا لغة البلاط في قصر محمد علي وورثته، وهذا أدى الى انتشار الثقافة التركية بين افراد الطبقة العليا، ويمكن أن نضيف كذلك أن أفراد هذه الطبقة كانوا يزورون سنوياً العاصمة التركية لقضاء عطلة الصيف، وبعضهم كان يحرص على امتلاك القصور والبيوت بعاصمة دولة الخلافة ليكونوا بالقرب من مقر السلطنة العثمانية وحاشيتها، وكان الطلبة الأتراك يفدون الى الأزهر الشريف لتعلم العربية ويدرسون علوم الدين الإسلامي، ولم تكن صلة هؤلاء تنقطع بمصر حتى بعد انتهاء فترة الدراسة. التأثير الثقافي كان أعمق، ذلك أن التركية كانت لغة الإدارة ومع اتساع الجهاز الإداري للدولة على عهد محمد علي باشا انتشرت اللغة التركية بين العاملين بالجهاز الاداري، أو من يريدون ويعدون انفسهم للالتحاق به، وفي القرن التاسع عشر انتشرت الطباعة وظهرت الصحف، ونذكر جميعاً أن “الوقائع المصرية” التي اسسها محمد علي كانت في بدايتها باللغة التركية، ولما تولى رفاعة الطهطاوي تحريرها بدأ ادخال اللغة العربية إليها، وظهر العديد من الصحف باللغة التركية في مصر كان يصدرها اتراك من المقيمين بها، وكان لهذه الصحف جمهور واسع من الذين يمكنهم القراءة بالتركية. ونشطت حركة الترجمة في مصر من العربية الى التركية، وكذلك من التركية الى العربية، أما الترجمة الى التركية، فقد كان الهدف منها أن تترجم الكتب التي يجب ان يقرأها الباشا محمد علي وأولاده خاصة في مراحل تعليمهم، ومن الكتب التي ترجمت كي يقرأها محمد علي كتاب رفاعة الطهطاوي “تخليص الابريز”، فقد صدرت طبعته العربية عام 1834 وظهرت ترجمته بعدها بخمس سنوات، وهكذا فإن كثيراً من الكتب التي وضعها كتاب وعلماء مصريون نقلت الى التركية، فضلًا عن بعض كتب التراث الاسلامي، وكان محمد علي يشرف بنفسه عليها، وهناك كتب ترجمت الى اللغة التركية كي يتابعها السلاطين والمسؤولون في العاصمة العثمانية مثل كتاب عبدالرحمن الجبرتي “التراجم والاخبار” والذي استقبل باهتمام شديد في دار الخلافة. الترجمة والتعليم أما الترجمة من التركية، فقد كانت مهمة كي يتابع المهتمون في مصر اهم ما يصدر في دولة الخلافة، خاصة الكتب التي تصدر حول التجربة العثمانية، وقد قام بهذه المهمة مترجمون من الذين درسوا بمدرسة الالسن التي قام عليها رفاعة الطهطاوي، فقد كانت المدرسة تقوم بتدريس اللغة العربية، ثم التركية واخيراً الفرنسية، وكان بعض الكتب التي يطلبها محمد علي تترجم من الفرنسية الى العربية، ومنها الى التركية نظراً لأنه لم يكن هناك من يمكنه أن يترجم مباشرة عن الفرنسية الى التركية، وكان محمد علي يهمه متابعة الكتب الفرنسية التي تصدر في بعض المجالات. واذا كان الأمر على هذا النحو، فقد كان لابد من وجود مطابع يمكنها أن تطبع باللغة التركية، وكانت مطبعة بولاق تتولى هذه المهمة، وكذلك مطبعة ديوان الجهادية، وهناك مطبعة ثالثة بالاسكندرية، وقد فرض ذلك توافر عمال طباعة يجيدون الحرف التركي، فضلاً عن مراجعين ومصححين لبروفات الطبع، وقد استفاد محمد علي من طلاب المدارس الذين يتعلمون اللغة التركية. وكان مستوى مطبوعات بولاق سواء بالعربية أو بالتركية متميزاً، لذا كان الإقبال شديداً على تلك المطبوعات في استانبول نفسها، ومازال بعض هذه الكتب موجوداً في المجموعات الخاصة بالمكتبات التركية حتى يومنا هذا. قدم لهذه الطبعة رجب طيب اردوغان رئيس وزراء تركيا الذي يقول “تتبوأ العلاقات التركية المصرية مكانة متميزة، فقد عاش هذان الشعبان جنباً الى جنب سنوات طوالًا، وكأن القدر قد جمعهما على نفس القيم الإنسانية الرفيعة” ثم يقول: “وقد استطاعت الرابطة بين القاهرة واستانبول أن تواصل بقاءها حتى اوائل القرن العشرين” ويرى اردوغان أن هناك خطاً متصلاً يتجاوز الزمان والمكان يربط بين الشعبين المصري والتركي، وهذا الخط له أهمية كبيرة في حاضر العلاقات بين المجتمعين التركي والمصري.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©