الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
السياسي الصيّاد
السياسي الصيّاد
29 يونيو 2011 19:45

يروي الدكتور زيدان كرم، طبيب القلب في كتابه الجديد “كميل شمعون بقلم طبيبه” قصة حياة الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون، ويكشف كيف أن حياته السياسية لم تتوقف مع نهاية ولايته، وقد ظلّ، حتى آخر لحظة من حياته، محوراً أساسياً في السياسة اللبنانية عبر حزبه وكتلته في مجلس النواب، ثم على رأس الجبهة اللبنانية بوجه الوجود الفلسطيني والتدخل السوري. طبيب العمر يعرض المؤلف في كتابه كيف كان لقاؤه الأول مع شمعون، ذات يوم من شهر سبتمبر 1976، في العاشرة مساء: “كانت منطقة الأشرفية غارقة في سواد حالك لا يعكّره، بين الحين والآخر، سوى دويّ انفجارات قنابل تنهمر على رؤوسنا من كل حدب وصوب. وإذ بي أسمع طرقاً عنيفاً على بابي: “دكتور، دكتور، الرئيس كميل شمعون مصاب بوعكة صحية خطيرة”. لم يكن منزل الرئيس يبعد عن منزلي نحو خمسمئة متر، وصلت لأجد الرئيس ممدداً في فراشه، والى جانبه مدبرة المنزل (جانيت)، منكبّة على تغيير المناشف لتمسح بها العرق المتصبّب بغزارة من جسمه. كان شاحباً، بالكاد واعياً، رمقني بنظرة العارف من رأسي الى أخمص قدميّ، وأوما برأسه استجابة لتحيتي: “مساء الخير يافخامة الرئيس، سوف أبذل جهدي...”. لم تمض بضع دقائق على هذه الشكليات، حتى شرعت في العمل بسرعة وبدقة وهدوء لمعالجة الطارئ وتفادي أي خطأ. وفي أقل من خمس دقائق، كنت قد أنهيت فحصاً سريرياً شاملاً كالذي كنا ننجزه خلال فترة التمرين في حضرة الطبيب الفاحص. ثم تمتمت على مسمع المريض، بغية طمأنته، خلاصة تشخيصي لحالته الصحية، قبل أن أتوجه إليه بالقول بصوت عال: “اطمئن يا فخامة الرئيس، ليس في حالتك ما يدعو الى القلق: ضغط الدم 12/7 النبض 80 في الدقيقة، جميع الشرايين سليمة، لا إصابات، لا في المعدة ولا في الرئتين، وردود فعل الجسم العصبية كلها طبيعية”. وعلى الأثر انتقلت لإجراء تخطيط للقلب، وبنبرة واثقة وهادئة، توجهت من جديد الى الرئيس المنتظِر لأزف إليه الخبر السعيد: “فخامة الرئيس، ما من جرحة قلبية”. بعد بضع ساعات، أدركت أن أكثر ما كان يخشاه الرئيس هي إصابات القلب، وكان قد تعرض في العام 1948 لنوبة قلبية حين كان يدافع عن القضية الفلسطينية من على منبر الأمم المتحدة (...). يضيف الطبيب المؤلف: طلبت كوب ماء مع السكر، وإذا بجانيت، مدبرة المنزل، التي كانت متربصة وتراقب بقلق تطور الأمور، تقترب مني وتهمس في أذني: “أنت على حق يا دكتور، كان الرئيس في السعديات يصاب بين الحين والآخر بنوبات بسيطة كهذه سرعان ما يتجاوزها بتناول كوب محلى بالسكر كانت السيدة زلفا تعدّه له”. مما لا شك فيه أن تلك النوبة لم تكن عارضاً بسيطاً، كما في السابق، بل في غاية الخطورة. لكن السعادة غمرتني بعد أن وجدت مفتاح الحل. جرعة تلو الأخرى. كان التعرق يتلاشى رويداً، والرئيس يستعيد وعيه. تشجعت وتعززت ثقتي بنفسي، ففتحت حقيبة الطوارئ، وتناولت منها إبرة كبيرة، ثم حقنت الرئيس بهدوء في أحد أوردة ذراعه بالمحلول “السكّري المكثف”، لأكمل بذلك المشهد نفسه، وأرفع الى الذروة درجة ذهول الرئيس، ناهيك بالحاضرين حوله، الذين راحوا يترقبون حابسين الانفاس، حركات يديّ، وأنا أحقن السائل في وريد الرئيس. النشأة والعائلة ولد كميل شمعون في 3 نيسان من العام 1900 في بلدة دير القمر، مسقط رأس والديه، في عائلة ضمت خمسة أبناء: جوزف، كميل، فؤاد، شارل وإميل. أمه انطوانيت أديب نعمه شقيقة أوغست باشا أديب رئيس الحكومة الأولى في دولة لبنان الكبير (1926 ـ 1927)، أما الوالد فهو نمر شمعون. سنة 1908، دخل كميل مدرسة ابتدائية في دير القمر تابعة لإخوة المدارس المسيحية “الفرير”، وكانت داخل بيت تاريخي تعود ملكيته الى الأمير فخر الدين. ثم انتقلت هذه المدرسة، في سنة 1909، الى مطرانية الطائفة الكاثوليكية، حيث كان المكان واسعاً، والتلاميذ أكثر عدداً. في السادسة من عمره، بدأ الفتى يتدرب على الصيد، وكان والده يشجعه على هذه الهواية التي أحبها كثيراً. في سن التاسعة، أرسل الشقيقان جوزف وكميل الى مدرسة القلب الأقدس الفرنسية في بيروت التي يتولى إدارتها إخوة المدارس المسيحية، حيث ارتأى الوالد أن مستوى الدراسة في دير القمر لم يعد كافياً لتعليم أبنائه. اكتشف الشقيقان المدينة بما فيها من صالات للسينما وترامواي وأساليب حديثة للإنارة بالغاز والكهرباء. وكأنهما يقومان برحلة في عالم الأعاجيب والروائع، مما أسهم في طبع روحهما الطفولية بشعور التفوق إزاء رفاقهما في دير القمر. هكذا، أمضى الشقيقان في مدرسة القلب الأقدس الفرنسية خمسة أعوام مفعمة بالسعادة. في هذه الأثناء، كان الوالد نمر شمعون قد اشترى منزلاً صغيراً في منطقة الحدث. ففي سنة 1914 اعتقل والده بعد إقدام بعض الوشاة على رفع تقرير الى الأتراك يتهمونه برفع علم فرنسي فوق منارة سرايا دير القمر، بمناسبة زيارة النائب الفرنسي موريس باريس، فاعتقل في سجن في عاليه. وبعدها بقرار صادر عن جمال باشا قضي بإبعاده للإقامة الجبرية في القدس، استمرت لمدة سبعة أشهر، وفي العام 1916 تم نفيهم الى منطقة في الأناضول، مع عائلات أخرى من موظفي المتصرفية، وبعد ثلاثة أعوام من النفي عادوا الى منزلهم العائلي في الحدث. في شهر تشرين الأول من العام 1920، قبل كميل في كلية الحقوق، وقد منحته الحياة الطلابية أوقات فراغ واسعة، فعاد يمارس هواية الصيد، ويكرس ما تبقى له من وقت للمشاركة في النقاشات السياسية والأدبية والتاريخية. سنة 1923 حاز إجازة في الحقوق. وبدأ تدرجه في مكتب المحامي اميل اده، وبعد وفاة والده قرر كميل تأسيس عائلة خاصة به. وهكذا في سن الـ25، عقد خطوبته الأولى التي لم تستمر. وفي صيف 1930 أغرم كميل بزلفا تابت وقررا الارتباط بسر الزواج حتى آخر يوم من حياتهما. في ذلك الوقت كان يحق للرجال الذين بلغوا الواحدة والعشرين أن ينتخبوا ممثليهم، وخاض اول تجربة انتخابية له في دير القمر، وأعلنت النتائج وعمت الفرحة احتفالاً بفوزه. فلقد ولد كميل شمعون لكي يكون رئيساً للجمهورية، ولم يكن سوى ماسة نادرة، كما يقول طبيبه، تشع من كل جوانبها، كيفما نظرنا إليها يبهرنا لمعانها وصفاؤها وانعكاساتها الفريدة والمتنوعة. سيرة غنية ويتطرق الكتاب للرئيس شمعون وسيرة حياته الغنية متشعبة الفصول والمحطات، وقد حملت العناوين التالية: الولد المعتمر قبعته والمتمختر على دراجته في أحياء دير القمر. الصبي ابن الأعوام التسعة، تلميذ مدرسة الفرير للمدارس المسيحية. المراهق ابن السادسة عشرة. طبيب التخدير اليافع في مستشفى “كير شيهير” في الأناضول. الشاب العشريني الطالب في الحقوق. خريج الحقوق في الثالثة والعشرين. المنتسب الى نقابة المحامين في بيروت في الرابعة والعشرين. المحرر في صحيفة “لو ريفيي” في السادسة والعشرين. النائب المنتخب خمس مرات والوزير مرتين دون الرابعة والثلاثين. المعتقل مع رجالات الاستقلال في راشيا 1943 بعمر الثالثة والأربعين. وزير مفوض فوق العادة في لندن 1944. ممثل لبنان لدى الأمم المتحدة 1948. رئيس الجمهورية اللبنانية 1952. الرئيس اللبناني السابق والزعيم الدائم 1958. نائب عن المتن 1960. المرشح الخاسر في انتخابات 1964 بتضافر التدخل والقمع ضده. المشارك في تأسيس الحلف الثلاثي 1968 مع بيار الجميل وريمون إده. العنصر الفاعل في انتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية في 17 آب 1970. وفاة الست زلفا في آب خسارة فادحة لشمعون ولبنان. المصالحة مع رشيد كرامي حزيران 1975 ومشاركته في حكومته، بالتوافق مع بيار الجميل. وغيرها من المحطات والإنجازات التي تحققت خلال ولايته او استكملت في عهد الرئيس فؤاد شهاب. ويحفل الكتاب بالمواقف الإنسانية التي تحدث عنها الكاتب بلغة أدبية تحمل المشاعر والأحاسيس الشخصية، كما في الحديث عن وفاته: “وفي 7 آب 1987 وافته المنية لتطوى معه صفحة نضال طويل لم يعرف إلا المجد ولم يكلل إلا بالغار. وبناء على وصيته دفن الى جانب زوجته الحبيبة السيدة زلفا، فكان جمع شمل بعد 16 سنة على غيابها. إذ سبقته في 15 آب 1971 يوم عيد انتقال السيدة العذراء وهاهو يوافيها في 9 آب 1987 .

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©