الاتحاد

تقارير

تأميم البنوك الأميركية··· مخرج من الأزمة الاقتصادية

إنقاذ البنوك محور رئيسي للهروب من الكساد

إنقاذ البنوك محور رئيسي للهروب من الكساد

أصبح شبه مستحيل الآن إيجاد حل للأزمة التي يواجهها النظام المصرفي الأميركي· وإن لم نرد لبلادنا أن تصير مثالاً آخر ليابان عقد تسعينيات القرن الماضي، أو لأميركا نفسها أيام أزمة عقد الثلاثينيات الخانقة، فإن السبيل الوحيد لتفادي هذا المصير الاقتصادي الكارثي هو تأميم النظام المصرفي· وبصفتنا أستاذين جامعيين متخصصين في تدريس الاقتصاد الحر بكلية لعلوم الاستثمار تقع في قلب نيويورك، العاصمة المالية للعالم بأسره، فإننا نشعر بأسف عميق لتقديمنا اقتراحاً كهذا، يدعو إلى استحواذ الحكومة الفيدرالية الكامل على النظام المصرفي وتأميمه· غير أن الحقيقة أن نظامنا المالي بلغ حداً من السوء والخطر، لم تتبق معه أي خيارات أخرى متاحة لحل مشكلاته· وفي حين تقدم وزير الخزانة تيموثي جايثنر بخطة لإنقاذ النظام المالي مؤخراً، تحتوي على الكثير من العناصر الإيجابية، إلا إنه يلزم القول إنها تأخرت عن موعدها كثيراً·
فلا تزال أزمة القطاع العقاري قائمة، ولم يكن مبلغ الـ1,2 تريليون دولار الذي تضمنته، سوى بداية لاتساع دائرة الفوضى المالية· فإلى جانبه هناك 7 تريليونات دولار أخرى لا تزال مهددة باحتمال خسارة قيمتها، مع العلم أن هذا المبلغ يتضمن كلاً من: قروض العقارات التجارية، وقروض البطاقات الائتمانية الاستهلاكية، والسندات المالية ذات العائدات المرتفعة، وغيرها من القروض الممولة من قبل البنوك· ثم هناك بضعة تريليونات إضافية أخرى تتضمنها السندات المالية الكبيرة المملوكة للشركات، وقروض الشركات والرهون العقارية الضخمة· ويتوقع لهذه التريليونات أن تفقد نسبة كبيرة من قيمتها الحقيقية، كلما تعمق الكساد الاقتصادي، وكلما ازداد عجز الأفراد والشركات عن سداد القروض والرهون العقارية الواجبة عليها·
في العام الماضي كنا قد تنبأنا بأن تصل خسارة المؤسسات المالية الأميركية إلى نحو تريليون أو تريليوني دولار· وكان الكثيرون قد اتهمونا حينها بالمبالغة في التقدير· ولكن الذي حدث منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم، هو تجاوز خسائر المؤسسات المالية لسقف التريليون دولار، بل إذا ما بدا تقدير تلك الخسائر بنحو تريليوني دولار رقماً مبالغاً فيه حينها، فإن تقديراتنا الجديدة عبر موقع RGM Monitor الإلكتروني الذي نشارك في إدارته، تصل إلى احتمال خسارة المؤسسات المالية من قيمة القروض التي مولتها، ونتيجة لانخفاض قيمة الأصول المملوكة لتلك المؤسسات نفسها بسبب الانخفاض العام الذي حدث في أصول السوق، إلى حوالي 3,6 تريليون دولار· ورأينا أن نصيب النظـــام المصرفي من هـــذه الخســـارة سيصـــل إلى نصف هـــذا الرقم، أي إلى حوالي 1,8 تريليون دولار· وحتى بحساب الأرصدة المالية المقترحة لخطة الانقاذ الاقتصادي الأصليـــة في خريف العام الماضي، كان النصيب المخصص منها لدعم الأصول المصرفية هو 1,4 تريليون دولار، وهو مـا يترك النظـــام المصرفي أمـــام عجز في خطة إنقاذه تصل جملته الى نحو 400 مليار دولار·
هذا ويلاحظ على خطة جايثنر احتواؤها على عنصرين إيجابيين للغاية هما: التشديد على اختبار البنوك ومدى جديتها ومسؤولية أدائها، بهدف التمييز والفصل بين المؤسســـات المصرفية القادرة على البقاء، وتلك التي أصبحت على حافــــة الإفلاس أو أعلنت إفلاسها بالفعل· أما العنصر الثاني فيها، فيتمثل في إنشاء صندوق استثماري يخصص لتمويل شراء الأصول المتعسرة من الأموال الخاصة والحكومية على حد سواء·
بهذا نصل إلى أن تأميم النظام المصرفي هو السبيل الوحيد الذي يمكننا من حل المشكلة الراهنة، التي تتسبب بها الأصول المتعسرة المسمومة، على نحو أكثر كفاءة وفعالية، بما يسمح باستعادة قدرة النظام المصرفي على استئناف الإقراض وحفز القدرة الاستهلاكية للمواطنين· لن تعالج هذه الخطوة بالطبع كل المشكلات الاقتصادية التي نواجهها اليوم، إلا إن اقتصادنا سيكف عن الانزلاق نحو هاوية الكساد العميقة، بالسرعة التي يتدهور بها الآن· وفيما لو قررت الحكومة السير في طريق التأميم في نهاية الأمر، فإن هناك أربعة مبادئ لا بد من الأخذ بها في الاعتبار·
أولها: تحديد البنوك التي يمكن حل أزمتها ومشكلتها المالية، وهنا يكتسب تمسك جايثنر باختبار مدى جدية البنوك ومسؤولية أدائها، أهمية كبيرة في هذه الخطوة التي تعتبر الأشد حزماً بين جميع الخطوات والمبادئ الأربعة التي يجب الأخذ بها عند التأميم· وعلى الحكومة أن تبدأ بالبنوك الكبيرة ذات الديون الخارجية، كي تحدد ما إذا كان ممكناً حل مشكلتها من خلافه·
ثانيها: الاسراع بتأميم المؤسسات والبنوك التي يستحيل حل مشكلتها· أما المبدأ الثالث فيتلخص في الاسراع بفرز الأصول الصالحة من المعسرة لتلك المؤسسات التي يتم الاستحواذ عليها -أو تأميمها- من قبل الحكومة· ومن الواجب تحديد قيمة الأصول المعسرة بالسعر الجاري حالياً· وكما ورد في خطة جايثنر، فإن في وسع رأس المال الخاص شراء جزء من هذه الأصول المعسرة· أما الأصول الصالحة فيمكن تحويلها للقطاع الخاص، أو بيعها لمشتر استراتيجي·
رابع المبادئ وآخرها: دمج كافة الأصول المعسرة المتبقية في نشاط استثماري واحد· ويمكن الاحتفاظ بهذه الأصول إلى حين حلول أجل سداد قيمتها، أو بيعها قبل ذلك على أساس احتمالات الربح والخسارة التي يتحملها دافع الضرائب·
يجب القول أخيراً إن خطوة تأميم البنوك ليست جديدة، لا تتوفر سابقة لها في التاريخ المالي الاقتصادي· فقد سبق للحكومة السويدية أن أممت بنوكها الخاسرة في عام ،1922 ثم أعادت خصخصتها مرة أخرى بعد أن رتبت أوضاعها وخلصتها من الأصول المسمومة التي كانت تهدد بفنائها· وعلينا أن نحذو حذو السويد هذه المرة، في مواجهة السموم التي ضربت نظامنا المصرفي·

ماثيو ريتشاردسون ونوريل روبيني
أستاذان بكلية ستيرن للاستثمار بجامعة نيويورك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا