الاتحاد

الاقتصادي

«جنرال موتورز» تعاني «ندرة الدولار» وتزيد أوجاع الاقتصاد المصري

عامل في مصنع تابع لشركة جنرال موتورز  (أرشيفية)

عامل في مصنع تابع لشركة جنرال موتورز (أرشيفية)

عبدالرحمن إسماعيل (القاهرة)

أثار قرار الوحدة المصرية لشركة جنرال موتورز الأميركية لصناعة السيارات، بتعليق إنتاج مصنعها في مدينة السادس من أكتوبر مؤقتاً، بسبب عجزها عن تدبير الدولار لاستيراد مستلزمات الإنتاج، جدلاً في الأوساط الاقتصادية حول أزمة «ندرة الدولار» والتي تزيد من أوجاع الاقتصاد المصري، ويخشى أن تدفع شركات أجنبية للخروج من مصر.
وجاء قرار الشركة الأميركية التي تستحوذ على 20% من مبيعات السيارات في مصر، بعد يوم واحد من خبر بثته وكالة «رويترز»، وأشعل الساحة الاقتصادية المصرية، يتعلق باعتزام الحكومة المصرية احتساب الدولار في ميزانيتها للعام المالي الجديد 2016-2017 على أساس سعر 8,25 جنيه، مقارنة مع السعر الرسمي الحالي 7.83 جنيه.
وتعاني مصر طيلة خمس سنوات مضت، عقب أحداث يناير 2011 من تراجع حصيلتها من النقد الأجنبي إلى 16,4 مليار دولار، مقارنة مع 36 مليار دولار قبل خمس سنوات، وهو ما لا يكفي لتغطية واردات البلاد لمدة ثلاثة أشهر فقط، إذ تقدر فاتورة الواردات بنحو 80 مليار دولار سنوياً.

حلول حكومية
وتحاول حكومة المهندس شريف إسماعيل منذ مجيئها في سبتمبر من العام الماضي، وقف تآكل الاحتياطي النقدي للبلاد، والذي كان قد تراجع بنحو 3,7 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر من أغسطس حتى أكتوبر الماضي، وذلك باقتراض نحو 4,4 مليار دولار من كل من البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية، تسلمت منها 1,5 مليار دولار، إلا أن هذه المبالغ لم تلب الطلب المتنامي على العملة الأميركية، التي سجلت قفزات جديدة في السوق الموازي وصلت إلى 8,83 جنيه بزيادة جنيه عن السعر الرسمي في البنوك البالغ 7,83 جنيه، عقب الإعلان عن قرار توقف «جنرال موتورز» عن الإنتاج.
وأبلغ مسؤول في مصنع جنرال موتورز بمدينة السادس من أكتوبر، رفض الكشف عن اسمه في اتصال مع «الاتحاد»، بأن الشركة ستعاود الإنتاج اليوم الأحد، بعدما جرت عدة اتصالات مع السلطات الحكومية بشأن تلبية حاجتها من الدولار، للإفراج عن مستلزمات الإنتاج في الموانئ، مشيراً إلى أن شركته عاجزة منذ شهور عن تدبير حاجتها من النقد الأجنبي من البنوك، بسبب كثرة طلبات المستوردين والتي تقف البنوك عاجزة عن تلبيتها بالكميات المطلوبة.
وأضاف أن الشركة التي تعمل في مصر منذ أوائل الثمانينيات تعتبر السوق المصري من أهم أسواقها في القارة الإفريقية، وأن استثمارها في مصر واعد ومبشر خلال السنوات المقبلة، لكنها تواجه منذ فترة صعوبات بالغة في تدبير الدولار سواء من البنوك أو الأسواق، لاستيراد مستلزمات الإنتاج وقطع غيار السيارات.
وقالت الشركة في بيان أصدرته، إنها تثق في الاقتصاد المصري الواعد الذي طالما آمنت بقدراته بداية من عام 1983، حيث كانت من أوائل الشركات التي قامت بإنشاء مصنعاً لها بالمنطقة الصناعية بالسادس من أكتوبر. وأكدت حرصها على استمرارها في السوق المصري، والتزامها تجاه الصناعة والاقتصاد المصري الذي تمثل صناعة السيارات والصناعات المغذية لها إحدى ركائزه الهامة.
وقال طارق عامر محافظ البنك المركزي المصري، في تصريحات صحفية رداً على قرار توقف جنرال موتورز عن الإنتاج، إن الشركة الأميركية استفادت كثيراً من تواجدها في السوق المصري، إذ بلغت قيمة مبيعاتها من السيارات العام الماضي نحو 8,8 مليار جنيه، وحققت أرباحاً على رأسمالها البالغ 200 مليون جنيه، نحو 420 مليون جنيه. وقال عامر إن الوحدة المصرية للشركة الأميركية اقترضت من البنوك المصرية نحو 1,6 مليار جنيه، في حين حصلت على تسهيلات من شركتها الأم بقيمة 60 مليون دولار فقط.
وليست «جنرال موتورز» فقط التي توقفت لأيام عن الإنتاج بسبب ندرة الدولار، فقد سبقتها شركات عدة تعمل في أنشطة اقتصادية مختلفة، أبرزها شركة «جي بي أوتو غبور» للسيارات، التي توقفت عن الإنتاج لمدة ثلاثة أسابيع خلال شهر سبتمبر الماضي لذات السبب، على الرغم من المساعي التي يبذلها البنك المركزي من خلال عطاءاته الدولارية الثلاثة أسبوعيا بقيمة 40 مليون دولار لكل عطاء، لتلبية احتياجات المستوردين والشركات الأجنبية، وشركات الصناعة من النقد الأجنبي، إذ ضخ المركزي المصري في الأسواق نحو 14 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر، وفقا لبيان أصدرته الحكومة المصرية الخميس الماضي.
ورفع البنك المركزي الشهر الماضي الحد الأقصى للإيداعات الدولارية للشركات من 50 ألف دولار شهرياً إلى 250 ألف دولار، متزامنة مع حزمة إجراءات اتخذتها وزارة التجارة والصناعة، اشتملت على رفع الرسوم الجمركية بنسب تراوحت بين 5-40% على أكثر من 600 سلعة مستوردة، بهدف الحد من الاستيراد العشوائي الذي يتسبب في التهافت على الدولار.

الأزمة تشتد
غير أن صناعيين ورجال أعمال قالوا لـ «الاتحاد»، إن القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة ممثلة في البنك المركزي ووزارة التجارة والصناعة، بشأن تقييد الاستيراد العشوائي، لم تفلح في توفير الدولار في الأسواق، بل على العكس أعطت انطباعاً بأن أزمة الدولار تشتد حدتها، وأن الحكومة في طريقها إلى خفض جديد في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، الأمر الذي دفع حائزي العملة الأميركية من الأفراد إلى الامتناع عن بيعها، ودفع، في نفس الوقت، شركات الصرافة إلى رفع سعر البيع للشركات الراغبة في الحصول على الدولار لتدبير أمورها سواء باستيراد السلع أو مستلزمات الإنتاج.
وقال محمد السويدي، رئيس اتحاد الصناعات الذي التقى رئيس شركة جنرال موتورز مصر، إن الشركة أوقفت إنتاجها ليومين أو ثلاثة أيام فقط، بسبب احتجاز مواد خام لها في الجمارك، سيتم الإفراج عنها، بعد تدخل السلطات الحكومية لحل المشكلة.
وأضاف أن البنك المركزي ومنذ مجيء المحافظ الجديد طارق عامر يحاول إيجاد مخرج لأزمة الدولار، مشيراً إلى استجابة البنك المركزي لمطالب الصناعيين بتوفير العملة الأجنبية للإفراج عن السلع المحجوزة في الموانئ. وأوضح أن الاستيراد العشوائي طيلة الفترة الماضية، هو الذي تسبب في القفزات الكبيرة في سعر الدولار في السوق الموازي، متوقعاً أن تساهم القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة بتقنين السلع المستوردة، في استقرار الأسواق، ودعم الصناعة الوطنية.
وتدعم الحكومة المصرية الصادرات الوطنية بنحو 3,7 مليار جنيه في العام المالي الحالي 2015-2016. ويتوقع أن يرتفع هذا الدعم في العام المالي المقبل 2016-2017 إلى 5 مليارات جنيه، حسب السويدي.

ندرة الدولار
وقال رجل الأعمال محمد جنيدي إن ندرة الدولار في الأسواق، يسبب مشاكل عدة لكافة الشركات سواء الصناعية التي تتعامل مع الخارج في استيراد مستلزمات الخام وقطع الغيار أو شركات الاستيراد التي تستورد السلع الأساسية للسوق المصرية، مضيفاً أن الحكومة تحاول إيجاد حلول محصورة على الاقتراض من الخارج، بعدما تراجعت الحصيلة المتأتية من السياحة.
وتعتمد مصر في تدبير مواردها من العملة الأجنبية على أربعة مصادر رئيسة تراجعت جميعها منذ العام 2015، وتتمثل في السياحة التي تأثرت بشدة عقب سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء نهاية أكتوبر الماضي، والصادرات المصرية التي تراجعت بنحو 20%، فضلاً عن رسوم عبور قناة السويس والتي تسجل تراجعاً منذ أغسطس الماضي، إلى جانب تحويلات المصريين في الخارج.
وأضاف جنيدي أن شركته التي تعمل في مجال تصنيع السلع المعمرة، تجد صعوبة في الحصول على حاجتها من الدولار عن طريق البنوك، بسبب طول فترة الانتظار، الأمر الذي يعرقل خطوط الإنتاج.

اقرأ أيضا