الاتحاد

الإمارات

الجلسة الثانية من منتدى الاتحاد الـ14: مبادرة «بيت العائلة الإبراهيمية».. نقلة نوعية لتعزيز المشترك الإنساني

من اليسار: محمد البشاري، وعلي العمودي ورشيد الخيون وهيلة المشوح والسيد ولد أباه، خلال الجلسة الثانية (تصوير: عمران شاهد)

من اليسار: محمد البشاري، وعلي العمودي ورشيد الخيون وهيلة المشوح والسيد ولد أباه، خلال الجلسة الثانية (تصوير: عمران شاهد)

طه حسيب (أبوظبي)

سلطت الجلسة الثانية من منتدى الاتحاد الرابع عشر، الضوء على الخطوات غير المسبوقة التي أقدمت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة من أجل نقل رؤيتها في الأخوة الإنسانية إلى العالمية، وركزت مساهمات المشاركين في هذه النسخة من المنتدى، التي تأتي تحت عنوان «الأخوة الإنسانية.. رؤية الإمارات لعالم متسامح»، على زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية للإمارات في فبراير الماضي، كونها حققت نقلة نوعية في الحوار بين الأديان، وتطرق المشاركون إلى مضامين وثيقة الأخوة الإنسانية والدلالة الرمزية لبيت العائلة الإبراهيمية، وشارك في أوراق الجلسة الدكتور محمد البشاري، أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، والكاتبة السعودية هيلة المشوح، والكاتب والباحث العراقي رشيد الخيون، والأكاديمي الموريتاني الدكتور السيد ولد أباه.

وجاءت الجلسة الثانية تحت عنوان «الإمارات نقلت رؤيتها في الأخوة الإنسانية إلى العالمية»، وأدارها الكاتب الصحفي علي العمودي الذي أكد أن صحيفة «الاتحاد» صرح نحتفل هذه الأيام بذكرى صدورها، مشيراً إلى أن الدورة الرابعة عشرة لمنتداها السنوي تأتي في عام التسامح الذي حرصت الإمارات على إعلاء قيمه، وجعلت منه منهاج عمل وأسلوب حياة، وصنعت به ومنه تجربة ملهمة ومنارة شامخة ساطعة لأجل كل ما هو خير وإنساني، ومن خلال منتدى التسامح نحتفي بعام التسامح في وطن التسامح في ذكرى صدور جريدة «الاتحاد». وأشار العمودي إلى أن الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى الإمارات في فبراير الماضي، وتوقيعه «وثيقة الأخوة الإنسانية» مع فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ما هي إلا ثمرة تلك الرؤية الإماراتية والإدراك العميق بأن التسامح كقيمة مفتاح الأمن والاستقرار في المجتمعات.

التأكيد على المشترك
وقدم الدكتور محمد البشاري، أمين عام «المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة»، ورقة بعنوان «الزيارة التاريخية للبابا تأكيد لرؤية الإمارات الإنسانية»، مؤكداً أهمية هذه الزيارة التي تنبع من الظرفية المكانية للإمارات، كونها صدرت من أبوظبي، وهذا تجسيد للسياسة الحكيمة لدولة الإمارات، فالتسامح ليس شعاراً، بل هناك مأسسة في وزارة التسامح، وأيضاً مبادرات أطلقتها الإمارات لتحقيق ثقافة السلم والتسامح، نراها واضحةً في «منتدى تعزيز السلم» و«مجلس حكماء المسلمين»، و«المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة»، وجميعها مؤسسات تؤكد دور العلماء في إطفاء حرائق التطرف. ويرى البشاري أن مبادرة الأخوة الإنسانية تأتي في زمن التوترات والإرهاب، فباسم «الخلافة الإسلامية» يُقتل المسلمون، وباسم «شعب الله المختار» يتم تشريد الفلسطينيين. وتأتي هذه الوثيقة -يضيف البشاري- لتؤكد على المشترك الديني، وتنطلق في فضائها الإنساني، لأن العالم مجبر على تغيير هذا المسار. ومنذ عام 2015، كانت الإمارات هي أول الدول التي تسن قانوناً لمنع ازدراء الأديان وكراهية الآخر، في وقت لا يزال الغرب فيه يعيش في حيرة كبيرة بين حرية الرأي واحترام المشاعر الدينية.
هذه الزيارة -أول زيارة يؤديها البابا للجزيرة العربية- عكست تفاهماً كبيراً وجديراً بين أتباع الأديان، وأن الجهد الذي بذل ظهر في مقولة البابا «إن المستحيل قد تحقق».

أبوظبي رفعت كل «التابوهات»
وكان هناك تصور بعدم التعايش بين الأديان -وهناك نظرة ترفض كل مخالف في الدين- أبوظبي استطاعت أن ترفع كل التابوهات. ولفت البشاري الانتباه إلى مبادرة «حلف الفضول» التي انطلقت في 4 فبراير 2014 من واشنطن بحضور إسلامي مسيحي يهودي، وكل المبادرات تعكس دوراً قيادياً لدولة الإمارات في إعطاء فرصة لدعاة السلم أن تكون لهم كلمة وصوت مسموع، بعد أن اختطف الإرهابيون الدين. ويؤكد البشاري أن المجتمعات المسلمة، التي تعيش في الخارج تجد في «وثيقة الأخوة الإنسانية»، ما يعزز التعايش المجتمعي مع المختلف دينياً، وفي الوقت نفسه تتضمن دعوة حريصة إلى الولاء للوطن والدولة التي يعيشون فيها، فهذه الوثيقة تذكر المجتمعات بدورها ومسؤوليتها تجاه بناء أوطانها.

عبدالله العوضي

من صرح زايد تتجدد المسيرة
ولدى البشاري قناعة بأن زيارة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، للإمارات، وهي الأولى من نوعها في منطقة شبه الجزيرة العربية، ولقاءه بشيخ الأزهر، فتحت باباً جدياً بين أتباع الأديان، يهدف لنشر قيم التسامح وتأصيلها بلا حدود، والجهد المبذول في إصدار «وثيقة الأخوّة الإنسانية» التي تعد وثيقة تاريخية تقف ضد الدمار والكراهية، وتتصدى لهما بقيم التسامح والعيش المشترك؛ لأن القضية واحدة والهم الإنساني مشترك، فقيم التسامح نادت بها الأديان كافة.
ومن خلال زيارة البابا، ومن أبوظبي عاصمة التسامح، وفي مستهل عام التسامح، جاء توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية من أكبر قطبين دينيين في العالم؛ البابا فرنسيس والإمام الطيب، بدلالات رمزية كبيرة، كونه تم من داخل صرح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، المكان الذي يحمل عبقه وتاريخه الدؤوب في البناء والتأسيس على مبادئ الإنسانية والمساواة، ومنه تتجدد مسيرته.

التسامح ضمانة لتماسك المجتمع
وفي مداخلتها التي تحمل عنوان «مضمون وثيقة الأخوة الإنسانية نقلة نوعية في التقارب بين الأديان وعولمة التسامح فكراً وعملاً»، أكدت هيلة المشوح، الكاتبة السعودية، أنه ليس هناك ما هو أعظم من الرسالة الإنسانية لجمع شتات القلوب ومد جسور الود بين شعوب الأرض، وليس أقصر اختصاراً من رسالة الأخوة والتسامح للم شمل هامات تلونت بألوان تضاريس أراضيها وأفكار تشكلت بثقافات وأديان اختلفت في طقوسها واتفقت في إنسانيتها. وترى المشوح أن الكل يتطلع إلى (السلام)، السلام مع أخيه، مع بيئته، ومع الآخرين لتتسع دائرة الآخرين وتصل إلينا هنا في منطقة الشرق الأوسط، وهنا في الخليج العربي الجزء الذي بزغت بين ظهرانيه رسالة السلام السامية من أرض مكة، إنها الرسالة المحمدية التي حملت نواة الإسلام الذي ينطلق من السلام.
وأكدت المشوح أن التسامح قيمة تزرع وتسقى لتورق ظلالاً وارفةً من المودة والإخاء، لتثمر مجتمعات متماسكة ومتحضرة تنعم بالسلام والاستقرار، وتطبق قيم التعايش دون تمييز في الدين أو المذهب والطائفة والعرق، وهذا من أهم ما تضمنته وثيقة الأخوّة الإنسانية التاريخية التي وقعت بنسخها الثلاث في أبوظبي من قبل البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية وشيخ الأزهر الشريف الإمام الدكتور أحمد الطيب. فنحن جميعاً نؤمن بالأخوّة انطلاقاً من إيماننا بديننا ورسالة نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وإيماننا برسالات الأنبياء قبله، وبقدر إيماننا بوجود الخير فإننا نؤمن أيضاً بوجود الشر الذي تحتم علينا رسالتنا الإنسانية تقليص منابعه وحماية البشرية من الأشرار فكراً وفعلاً، فالإرهاب لاشك شر يفتك بإنسانيتنا وأخوتنا، ويفتت لحمتنا، وبالتالي ينزع التسامح بيننا لنصبح أضداداً نعيد تدوير الشر بشتى أشكال الكراهية من عنصرية وطائفية وعرقية وإثنية.. إلخ، وبناء على ما ورد في وثيقة الأخوة التاريخية ما نصه: (نُعلنُ -وبحَزمٍ- أنَّ الأديانَ لم تَكُنْ أبَداً بَرِيداً للحُرُوبِ أو باعثةً لمَشاعِرِ الكَراهِيةِ والعداءِ والتعصُّبِ، أو مُثِيرةً للعُنْفِ وإراقةِ الدِّماءِ... نحنُ نُطالِبُ الجميعَ بوَقْفِ استخدامِ الأديانِ في تأجيجِ الكراهيةِ والعُنْفِ والتطرُّفِ والتعصُّبِ الأعمى، والكَفِّ عن استخدامِ اسمِ الله لتبريرِ أعمالِ القتلِ والتشريدِ والإرهابِ).

مسؤولية أخلاقية
وأكدت المشوح أن مسؤوليتنا أمام هذا البحر المتلاطم بالإنجازات والتطورات الحضارية الحديثة، تقنيةً كانت أو علميةً أو طبيةً، هي مسؤولية أخلاقية في المقام الأول، تقول الوثيقة: (إنَّنا، وإنْ كُنَّا نُقدِّرُ الجوانبَ الإيجابيَّةَ التي حقَّقَتْها حَضارَتُنا الحَدِيثةُ في مَجالِ العِلْمِ والتِّقنيةِ والطبِّ والصِّناعةِ والرَّفاهِيةِ، وبخاصَّةٍ في الدُّوَلِ المُتقدِّمةِ، فإنَّا -مع ذلك- نُسجِّلُ أنَّ هذه القَفزات التاريخيَّةَ الكُبرى والمَحمُودةَ تَراجَعَتْ معها الأخلاقُ الضَّابِطةُ للتصرُّفاتِ الدوليَّةِ، وتَراجَعَتِ القِيَمُ الرُّوحِيَّةُ والشُّعُورُ بالمَسؤُوليَّةِ، ممَّا أسهَمَ في نَشْرِ شُعُورٍ عامٍّ بالإحباطِ والعُزْلَةِ واليَأْسِ، ودَفَعَ الكَثِيرينَ إلى الانخِراطِ إمَّا في دَوَّامةِ التَّطرُّفِ الإلحاديِّ واللادينيِّ، وإمَّا في دوامة التَّطرُّفِ الدِّينيِّ والتشدُّدِ والتَّعصُّبِ الأعمى، كما دَفَعَ البعضَ إلى تَبَنِّي أشكالٍ من الإدمانِ والتَّدمِيرِ الذاتيِّ والجَماعيِّ).

عمار حسن

تمكين المرأة
وركزت المشوح على نقطة ذات أهمية بالغة لكل امرأة، وردت في وثيقة الأخوة الإنسانية، (أنَّ الاعترافَ بحَقِّ المرأةِ في التعليمِ والعملِ ومُمارَسةِ حُقُوقِها السياسيَّةِ هو ضَرُورةٌ مُلِحَّةٌ، وكذلك وجوبُ العملِ على تحريرِها من الضُّغُوطِ التاريخيَّةِ والاجتماعيَّةِ المُنافِيةِ لثَوابِتِ عَقيدتِها وكَرامتِها، ويَجِبُ حِمايتُها أيضاً من الاستغلالِ الجنسيِّ ومن مُعامَلتِها كسِلعةٍ أو كأداةٍ للتمتُّعِ والتربُّحِ، لذا يجبُ وقفُ كل المُمارَساتِ اللاإنسانية والعادات المُبتذِلة لكَرامةِ المرأةِ، والعمَلُ على تعديلِ التشريعاتِ التي تَحُولُ دُونَ حُصُولِ النساءِ على كامِلِ حُقوقِهنَّ).
وقد جاء في السياق حق المرأة في التعليم وحمايتها من الاستغلال الجنسي، ووقف كل الممارسات المبتذلة والمهينة لكرامتها وإنسانيتها في كل بقاع العالم. وقالت المشوح: «لا يسعني هنا إلا أن أشيد بكل فخر بما وصلت إليه المرأة الخليجية من تمكين، ففي المملكة العربية السعودية انطلاقة عظيمة من أجل تمكين المرأة وإشراكها في العمل السياسي وصناعة القرار، وفي الإمارات حققت قفزات كبيرة ونماذج عظيمة نزداد بها فخراً».

مبادرة واعدة
وفي ورقته المعنونة بـ«بيت العائلة الإبراهيمية مبادرة إماراتية واعدة تعزز مفهوم الأخوة الإنسانية»، تطرق الكاتب والباحث العراقي رشيد الخيون، إلى أن بيت العائلة الإبراهيمية، جاء في سياق عام التسامح، وهو ذو ثلاثة أقسام، يخص الديانة الإسلامية والديانة المسيحية والديانة اليهودية، وتوجد مشتركات بين هذه الأديان -وهذا له علاقة بالجهود التي تبذلها الإمارات في عام التسامح، خاصة أن العلاقة بين الأديان معقدة، لأن كل دين يدّعي أنه الحق، وهذا الحق من الله، والمعضلة تكمن في: كيف يصبح هناك اعتراف حقيقي بين الأديان، في ظل وجود من يعتبرون أنهم الوحيدون الذين يدخلون الجنة وليس غيرهم؟ وهناك مصطلح الفرقة الناجية. والتساؤل الذي يطرح نفسه: عندما يكون الدين سلطة أو الدين دولة، فماذا يكون حال الناس؟
وبخصوص النبي إبراهيم، يتكرر التساؤل: من أين أتى؟ كل الأديان مرتبطة بالنبي إبراهيم -إبراهيم مشترك بين الأديان الثلاثة.
وأشار الخيون إلى أنه في العاصمة البلغارية صوفيا يوجد مسجد بجواره كنيسة وكنيس يهودي، لكن لم يتم بناؤه على أساس أخوّة بين الأديان -هذا مشهد معماري فقط- لم يكن هناك اختلاط أو تفاعل بين أتباع الديانات.
ويسرد الخيون في كلمته بعض الأمثلة التي تؤكد وجود مشتركات بين الديانات الثلاث، يمكن تقبلها، ففي عام 244 هجرية تزامن عيد الفصح اليهودي وعيد الشعانين المسيحي -وعيد الأضحى الخاص بالمسلمين في يوم واحد. ويضرب الخيون مثالاً آخر، يتمثل في أنه خلال القرن السابع الهجري، كان هناك أحد الفقهاء في الموصل يدعى كمال الدين يونس الذي توفي عام 639 هجرية، كان لديه مسجد بناه والده وأخذ يدرس في مسجده القرآن الكريم لأبناء المسلمين، والتوراة لأبناء اليهود، والإنجيل لأولاد المسيحيين، وهذه بادرة ومقدمات مبكرة للأفكار التي ترتبط ببيت العائلة الإبراهيمية -إبراهيم مشترك، هناك مشترك عقائدي، ومشترك أخلاقي، لكن لا أحد يقدم المشتركات، بل نقاط الاختلاف، ويحذر الخيون من التوقف عند حالة دفاعية، مع الأخذ في الاعتبار أن التثوير والصراع لا يخدمان التسامح.

تجربة رائعة
أكد الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن تجربة دولة الإمارات في التسامح رائعة أكدت الأقوال بالأفعال، وطرح دليلاً من أحد أصدقائه المسيحيين، كان يعمل في الإمارات، واندهش من تدشين كنيسة في الإمارات، ومن حفاوة استقبال البابا شنودة الراحل عند زيارته أبوظبي. ويرى أن إنجاز وثيقة الأخوة الإنسانية يوازي وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وألقت الاهتمام إلى ضرورة نقل هذه الفكرة من القيادات إلى النخب، من الضروري بذل جهد لنقل مفاهيم الوثيقة إلى مستوى الأفراد، من خلال دور العبادة ومؤسسات التعليم. أتمنى من المهتمين بهذه الوثيقة إنتاج تقرير سنوي عن حالة التسامح في العالم، يرصد الانتهاكات ويثمن الإنجازات.

أحمد يوسف

الإسلام أسسّ للتعـايش
وطرح الدكتور عبدالله العوضي مداخلة على أوراق الجلسة الثانية، رأى خلالها أن وثيقة الأخوة تبرز البعد الثالث للإسلام (عبادات + معاملات)، هو الجانب الحضاري، وهذا ما تمثله الوثيقة. وكتاب صمويل هنتنجتون تحدث عن الإسلام كحضارة وليس كدين، وهو تحدث عن تراجع الدور الحضاري للمسلمين. ومن صور التعايش: مجموعة من اليهوديات يزرن الرسول فيسألن عائشة عن ورود شيء في الإسلام عن عذاب القبر -وسألت عائشة الرسول وانتظرت حتى نزول الوحي في هذا الموضوع. الإسلام أسس للتعايش، وكل الأديان تقر التعايش أيضاً، والأديان الأخرى لم تذهب بعيداً، الوثيقة تؤكد البعد الحضاري للإسلام.

أرض الإنسانية
وثيقة الأخوة الإنسانية -حسب الكاتبة السعودية هيلة المشوح- قنطرة عبور للآخر، ودعوة للتسامح قولاً وفعلاً، ونفض كل فكر زرع للتوجس من الآخر أو رفضه لدينه أو شكله أو عرقه، هي دعوة للتسامح وعولمة إنسانيتنا. والهدف الواحد على كوكب واحد، وليس المطلوب منا سوى استشعار الآخر وقبوله ومساعدته واحتوائه باسم الإنسانية التي وقعت وثيقتها في إمارات الخير بحكامها النبلاء وشعبها الوفي... أرض الإنسانية والوفاء والمحبة والسلام.

تركي الدخيل: بالتسامح نواجه الكراهية
ساهم سفير خادم الحرمين الشريفين لدى دولة الإمارات العربية المتحدة سعادة الأستاذ تركي بن عبدالله الدخيل، بكلمة في منتدى «الاتحاد» الرابع عشر الذي جاء تحت عنوان: «الأخوة الإنسانية.. رؤية الإمارات لعالم متسامح». ووجّه الدخيل كلمته لكُتَّاب الاتحاد، واصفاً إياهم بقادة الفكرة وحملة مشاعر النور في عالمنا.
وأكد الدخيل أنه منذ ما يزيد على عقدين، وصفحات الرأي في جريدة «الاتحاد» الإماراتية، هي أميز صفحات الرأي بين الصحف العربية كافة، ذلك أنها بالإضافة إلى التنوع الجغرافي عربياً في جنسيات الكُتاب في الجريدة، عمدت إلى نخبة المفكرين، وزبدة المبدعين، في عالمنا العربي، فقدرتهم، وأحسنت إنزالهم منزلتهم، فتحولوا من كُتاب لا تتجاوز فترة كتاباتهم أشهراً إلى أعمدة ثابتة في الصحيفة، يشعرون بالانتماء لها، ويسعد كل واحد فيهم بمجاورة خاصة الخاصة من المفكرين العرب، ما جعل الدور التنويري الذي تقوم به «الاتحاد» من خلال صفحات الرأي، يكاد يكون الأبرز في عالمنا العربي.
الدخيل قدّم شكره الجزيل لـ«أبوظبي للإعلام»، المؤسسة الإعلامية والصحافية العربية العريقة التي ظلّت تؤدي رسالتها بتميّز ومهنيّة واقتدارٍ، يليق بحمل اسم عاصمة هذه الدولة المستنيرة، والمبادِرة، والمضيئة. وأشار الدخيل إلى أن «الاتحاد» استمرت في إمضاء عادتها السنوية الإيجابية، فجمعت كُتابها كل عام في منتدى الاتحاد السنوي، ليسعدوا بالتباحث والتشاور والنقاش في موضوعات كل عام من المنتدى وفي شؤون وشجون عالمهم العربي. وجعلت موضوع منتدى هذا العام مناقشات على جدار التسامح. وأكد الدخيل أن الحوارات مثّلت تجاوباً إيجابياً مع أسئلة متعددة، فعبر الخوض في «هذا التسامح»، أحسب أننا سنضع حداً لغول الإرهاب، ونهايةً لوحش التطرف، وعلاجاً لمرض التشدد، ونعزز بالتباحث حول التسامح، طرق الخروج من ثقافة الانكفاء والانغلاق والكراهية التي عمل المتربحون من الفوضى، على تعزيزها.
ولمناقشة موضوع التسامح ذاته، أشار الدخيل إلى أنه كتب قبل أشهر، في شهر مايو تحديداً، مقالاً عنوانه: السؤال الذي يجعلك تتصبب عرقاً... وهو سؤال كل طفل عربي، أحيله لكم بنصه: هل هؤلاء الذين ينحرون العشرات ويتفنّنون في تصوير بشاعة تصرفاتهم، مسلمون كما يقولون؟! هل الإسلام دين قتل ونحر؟ هل هؤلاء منا، ونحن منهم؟
الأجوبة الباردة التي تجيب بالنفي القاطع فقط، لم يعد يتقبلها الطفل ناهيك عن من هو أكبر منه. وأضاف الدخيل: صارت المسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعاً، تكمن في تقديم مرافعات عقلانية وتفسيرية صادقة، بقدر ما تغوص في التراث، إلا أنها تقدم التفسيرات السياسية والاجتماعية المناسبة التي تعيد صقل القِيم، وترصد تشوهاتها.

تركي الدخيل
وأكد أننا بحاجة ملحة إلى تقديم ثقافتنا، بوصفها جزءاً متصلاً بثقافة الإنسانية، لا بوصفها صفحةً منفصلة، فيها كل الخلاص وكل الحقيقة وما عداها باطل. نحتاج أن نبرز تواصلنا مع بعضنا بعضاً قبل الإسلام وبعده، قبل تشكل الدول وبعدها، لنفهم أن حلقات التاريخ متواصلة، وأن الإنسانية يتسع وعيها بالتواصل، وأن التواصل مع الآخر، لا يعني الميوعة حد الذوبان، واضمحلال الهوية. عوداً على سؤال الطفل، نتساءل: لماذا يقتل الإرهابي من يقتله؟ بل لماذا يقتل الإرهابي، المسلمين أوَّل ما يقتل. ما هي الأيديولوجية التي جعلت مراهقاً يعتبر البغدادي والزرقاوي وابن لادن، أقرب إليه من ابن بلدته، بل وفي بعض الحالات من أمه وأبيه؟
لا يمكننا أن نصل إلى جواب منطقي، ما لم ننظر إلى حالة التوهم التي ابتدعها، جيل صناعة الحيل ولنأخذ «سيد قطب» مثالاً، فهو أصّل لحالة القطيعة مع المجتمع، تلك التي تطورت في أدبيات من جاء بعده لتصبح متسربلة برداء اعتبار مجتمعاتنا جاهلية لا خروج منها إلا بالانتماء لتنظيماتهم، وأضافوا إليها موجهات السخط الممنهج، وكراهية الدولة، فصارت الحركات الإرهابية من لدن «الإخوان»، و«القاعدة»، و«داعش»، ليست سوى تطبيق علمي لـ«معالم طريق» سيد قطب.
قاد «قطب» بتنظيراته للجاهلية وصناعته للسخط، الجناح العسكري للإسلام السياسي، والذي بنيت عليه، أصول «القاعدة» وجماعات «الجهاد» و«داعش»، فأصبح القوم يقتلون بحثاً عن الدرجات العليا من الجنة، ويجزون الرقاب باسم الإسلام، ويفجرون وينسفون الإنسان والبنيان، بناء بالدمار لدولتهم، وتحقيقاً لوهم تأسيس «الخلافة الإسلامية»!
وأكد الدخيل أننا أمام الآخر، نحن وهؤلاء القتلة ننتمي لذات الثقافة، ونفس الدين. والكارثة التي تلحق بنا وبأجيالنا المقبلة، ذات كارثة تحميل هويتنا كل هذه الوحشية.
هؤلاء لا همّ لهم سوى السلطة والدولة والحكم، وفي سبيلها يحولون أتباعهم إلى قتلة، مقتولين، وإلى أيّ شيء... فلن تتوقف ماكينة السّخط القطبية إلا يوم يجلس «الإخوان» وما فرخوا من جماعات في الكرسي الوثير. ويومها، يصبح على الشعب الصبر، وسيطبقون فعلاً ما قالوه سابقاً: «قتل الحاكم، ثلث الشعب لمصلحة الثلثين، جائز»! ولحماية حكم تنظيمهم: كل شيء حلال، كما جرى في الدول التي حكموا فيها.
وأشار الدخيل إلى أنه تتبع لسنوات مفهوم الأمّة والجماعة والوجود لدى التيارات الإسلامية المتشددة، بل ومفهوم المسلمين نفسه، فلم أجد فيه مكاناً لغير المنتظم في حزبهم. هكذا ضيّقوا الواسع، وكفروا غيرهم من المسلمين دون أن يرف لهم جفن!
بانغلاقهم، يقول تركي الدخيل، قدّموا استجابة أنانية لمفهوم الدولة، فاخترعوا مفهوماً موازياً له، هو دولة التنظيم، بستارة «الخلافة»، وجعلوا بيعتها عند مرشدهم، كما قدموا استجابة أنانية لمفهوم المجتمع، فخلقوا بديلاً له، مفهوم التنظيم. إذاً: هل إرهابهم منسوب لنا؟ جواباً على سؤال الطفل؟
ويرى الدخيل أن المسلم الذي يمارس القتل، هو إنسان مشوّه، مختطف، غسلت دماغه تنظيمات عنيفة، سرقته بأدوات خبيثة وماكرة، وحوّلته إلى قاتلٍ شرير. يشوّه ديننا وثقافتنا. ويهدد حضارة الإنسانية التي تعلمت من أخطائها. ونحن ندينه، ونعالج أثره، وجذوره.
فما العمل؟ يجيب تركي الدخيل: علينا مواصلة مواجهة هذه الأفكار بممارسة ضدها... وإطلاق البدائل التي تفتح بابها مبادراتٍ عظيمة، مثل مبادرة عام التسامح. مبادرات تجمع الإنسانية، مثل وثيقة الإخوة الإنسانية التي وقعها البابا وشيخ الأزهر بأبوظبي، فتحوِّل الدّين إلى مُعززٍ للاستقرار، وباب للتواصل والتعارف.
ولدى الدخيل قناعة بأننا نحتاج أن نعيد ترتيب خياراتنا، لتنظر إلى المستقبل، وتهتم بقضاياه، لا إلى الماضي ومشاكله. فالتاريخ، لن ينتظر من يعيشون في خلافات الماضي وأوهامه. ونحتاج أن ندرّب أنفسنا على تقبل أكثر من خيار، وطرح أكثر من سؤال، واستساغة التنوّع بين الآراء، لا نريد أن نكون نسخاً متكررة: متشابهين، وجامدين، فالمجتمعات المكررة يتعطل فيها التفكير، وتنمو فيها الأحزاب المتطرفة التي تلزم أتباعها بشعار: لا تفكر، نحن نفكر عنك.
واستنتج الدخيل أن المجتمعات الحيّة التي نصبو إليها هي التي تبدع، فتجد فيها موسيقى متنوعة الألحان، وكتباً متباينة الآراء، وشعراً مختلف الأوزان. وإعلاماً ملوناً. ويتمنى الدخيل أنه بعد نصف قرنٍ آخر، يحتفي القادمون، بيومنا هذا، وهم كلهم فخر، بأنهم أحفاد من واجهوا التطرف والظلام بنور التسامح والتعايش.

التسامح يتحقق داخل الدولة الوطنية بجغرافيتها الواضحة وليس في أي إمبراطورية حدودها الدين
المشتركات بين الأديان الثلاثة تكمن -حسب رشيد الخيون- في الوصايا العشر الواردة في التوراة -وكانت قبل اليهودية في شريعة حمورابي، الوصايا العشر من بينها: الاعتراف بالله الواحد، ومجموعة من الأوامر «لا تقتل - لا تزنِ - لا تعتدي على بيت قريبك».
اعترفت بها المسيحية، كما أن بعض الباحثين يتحدثون عن الوصايا العشر في سورة الأنعام التي تتضمن (…مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً…)، وغيرها من الآيات التي تحض على طاعة الوالدين. ويتفاءل الخيون بأن بيت العائلة الإبراهيمية سيكون عامراً إذا تم التركيز على المشتركات. ويشير إلى وثيقتين -شرقية وغربية، الوثيقة الشرقية، هي صحيفة يثرب 622 ميلادية فيها 53 بنداً كل بند يؤكد على التعايش وحرية الدين. والغربية ميثاق ميلانو 318 هجرية؛ إمبراطور قسطنطينية مع ملك روما لإقرار حرية دينية للمسيحيين، ومن حق أي إنسان أن يعبد الله كما يريد، لكن هذه الوثيقة آنذاك حوّلت الدين لسلطة. التسامح لا يتحقق في ظل الإمبراطورية التي حدودها الدين وليس الجغرافيا، لكنه يتحقق في الدولة الوطنية التي لديها حدود جغرافية واضحة المعالم، ولذلك يتحقق فيها التسامح. ويقول الخيون: في الدولة الوطنية، يكون الحاكم هو مسؤول عن كل أتباع الديانات. الإمبراطور يجند الناس باسم الدين لاحتواء مناطق أخرى وضمها.
وأكد الخيون أن مبادرة العائلة الإبراهيمية، جاءت بعد فراغٍ كبيرٍ وتدهور فظيع جراء تطرف تسبب في قتل الناس بسبب عقيدتهم، والمأمول أن تؤسس مبادرة بيت العائلة لمبادرات قادمة في هذا المجال.
أهمية التركيز على التسامح تزداد في عالم أصبح بالفعل قرية صغيرة، فمن خلال الهاتف المحمول تستطيع التواصل وأنت في قرية صغيرة بأي بقعة من بقاع الأرض. وأنهى الخيون كلمته ببيتي شِعر لمحمد مهدي الجواهري:
يا مصرُ لاءمت البسيطةُ شملها/‏‏‏ فالكون أصغرُ والمسافة أقصرُ/‏‏‏ وتلاقت الدّنيا فيكاد مُشرّقاً/‏‏‏ من أهلها بمغرّبٍ يتعثرُ.

«وثيقة الأخوّة الإنسانية» طـورت النظرة للتسامح من الجانب القانــوني إلى مفهوم أخلاقـــي رفيـــع
في معرض تعقيبه، على مساهمات الجلسة الثانية، أكد الأكاديمي والباحث الموريتاني الدكتور السيد ولد أباه أن ورقة محمد البشاري، ربطت مضامين زيارة البابا ووثيقة الأخوة الإنسانية بسياسة الإمارات الراعية للمبادرات الكبرى الرامية للتسامح. وأكد السيد أن الوثيقة أسست لانتقال مفهوم «الأخوّة» من النطاق الضيق إلى مفهوم يتسع ليشمل الرابطة الإنسانية الأوسع. ولدى ولد أباه قناعة بأن زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية وما تبعها من إصدار وثيقة الأخوّة الإنسانية، نقلة نوعية محورية في الحوار الديني، تهدف إلى البعد عن مشاكل تتعلق بالعقائد، والتركيز في المقابل على مشتركات في القيم التوحيدية الجامعة للعائلة الإبراهيمية. واستنتج الأكاديمي الموريتاني أن الوثيقة أسست لمشروع مستقبلي لتحميل الأديان دوراً في السلم العالمي ونبذ التعصب وليس العكس.

وثيقة بحجم الإعلانات الدولية الكبرى
والوثيقة لا تقل أهمية عن الإعلانات الدولية الكبرى في مجال حقوق الإنسان وغيرها من الالتزامات الدولية ذات الطبيعة الإنسانية. وعقب ولد أباه على مساهمة هيلة المشوح قائلاً إنها: «رصدت أوجه التجديد في الوثيقة، خاصة ما يتعلق بحقوق المرأة مع الإشادة بتجربة الإمارات والسعودية في هذا المجال». ولفت ولد أباه الانتباه إلى أن محاولات ربط العنف بالدين واحتكار الحقيقة والخلاص، هذه الأطروحة غير دقيقة ولا تصمد أمام النقاش العلمي، وأن التقليد التوحيدي يتضمن أسساً للتسامح، وهي المساواة بين البشر والحرية بما تحتويه من أفق ديني مرتبط بالتوحيد، موضحاً أن وثيقة الأخوة الإنسانية جعلت للدين مدلولاً رمزياً متحرراً من رؤى المتطرفين ومروجي العنف. ولدى ولد أباه قناعة مفادها أن ما يميز وثيقة الأخوة الإنسانية أنها حوّلت النظر للتسامح من الجانب القانوني إلى مفهوم أخلاقي رفيع، الوثيقة أهم من مجرد إعلان قانوني لحقوق الإنسان. وفي تعقيبه على ورقة رشيد الخيون، يرى ولد أباه أن الباحث العراقي قدم أفكاراً بتأصيل تاريخي، منوّهاً بأن تثبيت فكرة الأخوّة الإنسانية يحتاج إلى الرجوع إلى «وثيقة المدينة» دون التأثر ببعض السياقات التاريخية. وبعض أتباع الديانات الثلاث - إما ينحصرون في حقل تعبيري ضيق أو جماعات متشددة - والديانات لديها مخزون أخلاقي، وأي استغلال سياسي له ينال من سمو الدين وقداسته وسموه الروحي.

اقرأ أيضا

«#شكراً_محمد_بن_زايد».. تظاهرة حب تتصدر «تويتر»