الاتحاد

دنيا

منصور سرحان: أبحرت في عالم الأرشفة والوثائق وسكنت ذاكرة الوطن

قبل أسابيع قليلة من انقضاء العام ،2008 لمع نجم منصور سرحان أكثر من أي وقت مضى في حياته، وتصدرت تصريحاته قائمة اهتمامات وسائل الإعلام البحرينية·
الرجل الذي اعتاد البحرينيون رؤيته جالساً خلف بطاقات الإعارة في البهو الرئيسي لمكتبة المنامة العامة، التي ظلت حتى العام 2006 ومنذ أن افتتحت في العام 1964 أهم مرجع لأرشيف الذاكرة الوطنية ومركز الإيداع الوحيد للكتب الصادرة، صار الآن مديراً على مركز عيسى بن سلمان الثقافي، أضخم المكتبات العامة وأحدث الصروح الثقافية الوطنية التي يتم تشييدها في العاصمة المنامة، إضافة إلى أرقاها طرازاً معمارياً·
كان الحاكم الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة قد أمر ببناء المركز قبيل وفاته في العام ،1999 الأمر الذي قد يفسر حمله لاسمه· واستغرق العمل فيه قرابة السبع سنوات منذ العام ،2001 حيث تمت مباشرة العمل فعلياً بكلفة إجمالية ناهزت 17 مليون دينار على مساحة هائلة تصل إلى 50 ألف متر مربع، إلى أن واتت فرصة افتتاحه مؤخراً نهاية ديسمبر·
الأسبوع الماضي، ضمن الأجواء التي صاحبت مراسم الافتتاح، بدا سرحان، رغم انشغاله، مرتاحاً كمن حقق مراماً بعيداً· قال ''جاء دورنا الآن لتلبية حاجة المجتمع البحريني بشرائحه إلى مصادر المعرفة''·
في الواقع، كان يمكن لحياته أن تأخذ مساراً آخر تماماً· ففي العام 1972 أكمل تحصيله الأكاديمي في اللغة الإنجليزية وآدابها· وكان قد انبرى لممارسة مهنة التعليم في مدارس البحرين الحكومية حين دارت آلة الحظ لصالحه، فيما لم تكن قد مرت غير سنة واحدة من أوان تخرجه، فانتقل إلى العمل ضمن وظيفة جديدة في المكتبة العامة، وهو الأمر الذي فتح مساره المهني على تجربة مغايرة كلياً·
وهناك؛ حيث قدّر له أن يقضي أكثر من عقود ثلاثة بين أرفف الكتب والكشافات والببلوغرافيات الوطنية المختلفة، ويتدرج في المراتب الوظيفية ضمن هيكل المكتبة، إلى أن غدا مديرها ومدير إدارة المكتبات العامة، تصدى إلى التأليف مستفيداً من الأراشيف والوثائق النادرة التي كانت تتوفر بين يديه· ورداً على سؤال أوضح ''بدأت رحلتي مع التأليف في العام ،1983 كانت بداية بسيطة حافلة بالأخطاء، لكنني شديد الاعتزاز بها''·
البداية الحافلة بالأخطاء، على حد العبارة التي يحلو له استخدامها، غدت الآن جزءاً من الذاكرة التاريخية للبحرينيين وموئلاً للباحثين لاغنى عنه· نحو 19 مؤلفاً رصد عبرها محطات مختلفة من الذاكرة الاجتماعية والثقافية· ورغم طغيان الجانب التسجيلي عليها، حيث يمكن أن يُعزى ذلك إلى وفرة المراجع بين يديه، وإقلالها في التحليل، إلا أنها الآن تعد مصدراً أساسياً لأغلب المؤلفات الصادرة حديثاً والتي تتوخى إعادة قراءة تاريخ البحرين المعاصر·
وربما كشفت عناوين مؤلفاته؛ عن جانب مهم من المسلك التسجيلي الذي توخته: ''الكتاب والمكتبات في البحرين''، ''السينما في البحرين''، ''واقع الحركة الفكرية في البحرين''، ''مراسلات إبراهيم العريض الأدبية''، ''الصحافة في البحرين 1939 - ،''3002 ''النقد الأدبي في البحرين خلال القرن العشرين''· وغيرها مما يمكن إدراجها في إطار الحكم نفسه·
وقد اعتادت النخب البحرينية من مختلف القطاعات المهنية على انتظار تقريره السنوي مع نهاية كل سنة ميلادية، والذي يضمنه ببلوغرافيا شاملة للمطبوعات الصادرة طيلة العام، في كافة مجالات المعرفة· الحال الذي يمكن أن ينطبق تماماً على مثل هذه الأيام، حيث يُنتظر أن يقوم بطرح التقرير الختامي للعام 2008 في غضون الأيام القليلة المقبلة·
مع مطلع العام 2007 أعلن عن إغلاق مكتبة المنامة العامة التي ظل يترأسها لسنوات إغلاقاً نهائياً، ونقل محتوياتها كاملة إلى مركز عيسى بن سلمان الثقافي، وهناك انزوى طيلة عامين بمعية 50 موظفاً متخصصاً يعمل بصمت على إعادة تصنيف الكتب ضمن منهجية جديدة تتلاءم مع البناء الجديد المستحدث ونظم التبويب الحديثة، تمهيداً لإطلاق المركز الذي، وعلى خلاف كافة المكتبات العامة الصغيرة التي تتبع عادة وزارة التربية والتعليم، اختير إلحاقه بالديوان الملكي مباشرة· وقد استطاع حتى الآن شحن حوالي 70 ألف عنوان تحت سقف المكتبة، 50 ألفاً منها عبارة عن مقتنيات مكتبة المنامة، والمتبقي عبارة عن مكتبات شخصية تم التبرع بها كاملة إلى المركز من مواطنين· فيما تغطي العناوين الصادرة حديثاً زهاء 7 آلاف عنوان منها·
الآن يجلس سرحان في مكتبه المطل على البحر بعد أن انقضى عن كاهله عبء ثقيل· ويقبع تحت إمرته الآن مبنى فخم مؤلف من خمسة أدوار صممت على وفق طراز معماري أثير يجمع بين الأصالة والمعاصرة· حيث جرى توظيف فنية العمارة الحديثة جنباً إلى جنب مع المعمار الحضاري الإسلامي القائم على الأقواس والقبب والزخرفة المحفورة على صفائح الرخام الصلب·
وقد تولى المهندس المصري المتخصص في مجال العمارة الإسلامية والمشرف على المركز العربي لدراسات التصميم المعماري عمر الفاروق، توضيب مخطط المركز والمكتبة، وكان الأخير قد أشرف أواخر عقد الثمانينات على تنفيذ تصاميم جامع أحمد الفاتح الإسلامي - يقع إلى الجنوب من المركز - أضخم الجوامع الإسلامية في المملكة، وأجملها معمارياً والذي يعد منارة ثقافية عادة ما يقصدها السياح الأجانب·
يباشر سرحان فعلياً إدارة المكتبة الوطنية في المركز والتي يأمل أن يصل تعداد المراجع التي تجتذبها إلى أرففها حوالي 250 ألف مرجع، هي إجمالي طاقتها الاستيعابية· ويقول سرحان ''نحن الآن بصدد الاشتراك في العديد من الدوريات وقواعد البيانات ومصادر إنتاج المعرفة العربية والأجنبية المختلفة''·
كما يسعى إلى جمع حوالي 2000 وثيقة أصلية قال إنها ''تقبع بحوزة مواطنين وتعد شاهداً على مجموعة من الحوادث في تاريخ البحرين الاجتماعي والسياسي''· مشيراً إلى أنه قام بحصرها ''الوثائق'' من خلال مقابلات نظمها إلى أصحاب المكتبات الشخصية'' وكذلك ''من خلال العودة إلى فهرس المخطوطات البحرينية الصادر عن مركز الوثائق التاريخية''·
وألمح ردا على سؤال آخر ''إلى استعداد المركز لشراء الوثائق من الأهالي بثمن مناسب بناء على تجربة سابقة شبيهة''· ورأى أن ''البعض يتخوف من تسليم هذه الوثائق خوفاً عليها من التلف أو الضياع، خصوصاً أنها ترتبط بتاريخ بعض العوائل العريقة'' مضيفاً ''لهؤلاء أقول·· لاتخافوا'' على حد تعبيره·
لدى المركز مجلس أمناء من رئيس وعشرة أعضاء، بينهم ثلاثة وزراء يجري تسميتهم بأمر ملكي، كما يسمي له أيضاً مدير تنفيذي بدرجة وكيل وزارة، وهو يتكون من المكتبة الوطنية التي تقع تحت إشراف سرحان إضافة إلى قاعات للأنشطة والندوات وقاعة كبرى للمحاضرات تتسع إلى حوالي 400 مقعد، وتم تجهيزها بخدمات الترجمة الفورية إلى 14 لغة·
وبدءاً من العام الجاري 2009 سيقع على المكتبة التي يديرها عبء إصدار الببلوغرافيات الوطنية والكشافات إضافة إلى أرقام الإيداع· كما يُنتظر أن تتم المباشرة في ظرف أسابيع قليلة في وضع نظام للإعارة وتهيئة الخدمات الملائمة للباحثين·
وحول سؤال عما إذا يوجد توجه لدى المكتبة باستحداث نظام للإقامات الإبداعية على غرار النظام المعمول به في مكتبة الإسكندرية، علق سرحان ''اطلعت على برامج كثيرة من المكتبات العامة عبر العالم، لكننا في بداية الطريق الآن، وما نطلبه هو أن نمنح الفرصة''· وأضاف ''هناك برامج كثيرة سننظمها، وندوات وورش، وسنقوم بالإعلان عن ذلك قريباً''·
الآن فقط، توقف منصور سرحان عن الجلوس خلف بطائق الإعارة في البهو الرئيسي لمكتبة المنامة· وهنا في الدور الثاني من مكتبه الذي يطل من جهتيه على الساحل البحري ومبنى الحكومة ومتحف البحرين الوطني، سيتوجب عليه مزاولة المهمة الثقيلة طيلة مشواره المهني· وطبعاً، فهو لديه الكثير من العمل

اقرأ أيضا