الاتحاد

الرئيسية

فيديو.. توطين قطاع التجزئة.. بين الرفض والقبول

خالد الغيلاني (أبوظبي)

بين رفوف المحال التجارية، يعمل شاب مواطن كموظف مبيعات بكل جد ونشاط، مؤدياً عمله بإخلاص وتفانٍ، لكسب راتبه في نهاية كل شهر، دون الإصغاء إلى المحبطين من المستهلكين المستنكرين لوجوده في هذا القطاع الذي يعاني افتقاره للكوادر الوطنية وقلة التوطين، إذ ما زال الكثير من الشباب في الوقت الراهن يبحثون عن الوظائف الشاغرة في القطاعين الحكومي أو الخاص، بينما هناك الشاب الآخر في منزله ينتظر مكالمة هاتفية تهنئة بقبوله بوظيفة طال انتظارها أكثر من خمس سنوات، وإلى اليوم لم تأتِ رغم تكرار طباعة السيرة الذاتية والزيارات لمعارض التوظيف التي لا تقدم ولا تأخر.
وتسعى الشركات في قطاع التجزئة إلى أن تصبح من الخيارات الأفضل للعمل بالنسبة لمواطني الإمارات، وجذبهم وتطوير مواهبهم من أجل تولي أدوار قيادية داخل المنظمات، كما يمثل التوطين ركيزة أساسية في إطار الأعمال اليومية لديهم، حيث إنه يسهم في تطوير جيل مهني من المواهب الوطنية الواعدة، ما يساعد في تحقيق أهداف نمو الشركات في الوقت نفسه، إضافةً إلى تحقيق أهداف التوطين من خلال استراتيجية مدروسة تهدف إلى ضمان النمو والتطور المستدام للموظفين من خلال مشروع خطة القوى العاملة.

رسم خريطة الطريق
وأكد ماجد سيف الغرير، رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة دبي، رئيس مجموعة سيف الغرير لـ «الاتحاد»، أنه «إلى اليوم، تنقصنا إحصائيات واضحة مرتبطة بالتوطين في قطاع التجزئة. كما أنه ما زال نظام التعيين والتوطين غير واضح المعالم، ولا بد علينا تشكيل لجنة تضم كوادر وطنية من المختصين في الموارد البشرية لدراسة وتحليل القطاع، وتحديد الاحتياجات لسدها، ليس فقط لوضع حلول آنية بل لرسم خريطة الطريق وفق خطة استراتيجية طويلة المدى، تتناسب مع تطلعات القيادة الرشيدة».
وأضاف الغرير «من غير المنطقي أن نظلم الخريج الجامعي بتعيينه في وظائف التجزئة والمبيعات، بعد كل المجهود الذي قد بذله في مشواره التعليمي، ما زال في الوطن خير، وهناك العديد من الوظائف التي تتناسب مع الكوادر الوطنية، وتوجب توطين القطاعات الأنسب حسب الاحتياج، وعدم فرض نسب عشوائية على القطاعات في الشركات الخاصة، وقد يكون توطين مجال التجزئة غير مناسب، ويجب إعطاء الشاب المواطن حقاً في تلك الوظائف التي تتناسب مع طموحاته وتطلعاته ليترك أثراً إيجابياً وينتج ويبدع في المكان الذي يليق به».

مستقبل اقتصادي قوي
وقال الغرير إن هناك عدداً من الشباب المجتهدين الذين يسعون إلى نيل الوظائف في هذا القطاع من خلال خلق الفرص بدلاً من انتظارها، وعليهم التحرك والإصرار بطموح وعزيمة للحصول على تدريب على أقل تقدير، ما يساهم في إضافة الخبرات والمهارات الشخصية التي مستقبلاً ستكون عنصراً إضافياً للباحث عن عمل، مضيفاً «يمكن توطين قطاع التجزئة وفق ضوابط ومعايير واضحة، وهناك مجموعة من الوظائف التي يمكن توطينها على سبيل المثال: مدير العلامة التجارية، وأخصائي التسويق، وأخصائي مشتريات، محاسب، مدير مالي، إلى جانب الوظائف الإدارية المختلفة».
وتابع «كل ذلك يصب في رسم مستقبل مشرق اقتصادياً في ظل التنوع والانفتاح الذي جعل الإمارات محطة جذابة تستقطب المستثمرين العالميين الأجانب، ولعل احتكاك الشباب مع هؤلاء الخبراء هو بمثابة تدريب وتطوير، وليكونوا في المستقبل ركيزة أساسية يعتمد عليهم في تلك المناصب القيادية المهمة في مجال التجزئة، لأن في المقابل عند استقطاب الأجنبي تتكبد الشركات تكاليف التأشيرات والإقامة، وغيرها من المصاريف، وفي بعض الأحيان قد لا يقدم الإسهامات المتوقعة منه في مجال العمل، وتلجأ الشركة إلى استبداله بآخر وتكاليف إضافية من جديد، وعلينا اليوم بالاستثمار في المواطن، لأنه مرتبط بزيادة القوى الشرائية، فزيادة الدخل يؤدي إلى زيادة الصرف ودعم الاقتصاد المحلي».

دور البرامج التدريبية
وأشار الغرير إلى أن من أهم الحلول الاستراتيجية هي مشاركة القطاع المحلي والخاص من خلال تصميم برامج لخدمة المجتمع وتدريب المواطنين عبر صقل مهاراتهم ليكونوا في نهاية المطاف مساهمين ومنتجين يتبوؤون المناصب القيادية في الدولة، لأن الاستثمار في الكوادر سيعود بالنفع على الوطن مستقبلاً، وأشاد بتطبيق نظام الخدمة الوطنية للشباب الذي هو الآخر سيعزز من تعاملهم مع الحياة، وجعلهم فعالين في المجتمع، وبين أن من الحلول التي ستجذب الشباب إلى قطاع التجزئة هي تصميم وظائف بأربع ساعات كدوام جزئي، لأن ذلك قد يساهم في تشجيع البقية على الالتحاق والاندماج مع هذه الفرص التي يقدمها القطاع الخاص في دعم التوطين وسد ولو بعض الفجوات.
ونوه الغرير «قد يلجأ البعض للحصول على وظيفة كدخل إضافي وكماليات، بينما هناك من يعتبر الوظيفة من الضروريات المهمة للحصول على مصدر دخل أساسي، لذلك يحافظون عليها باجتهادهم وحرصهم على التقديم، وبذل قصارى طاقاتهم، فعلينا اختيار من يثبت جديته ورغبته في العمل».

التمكين قبل التوطين
كما تواصلت «الاتحاد» مع حمد العوضي، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، وقال: «إن ملف التوطين في القطاع الخاص، ملف قديم وشائك، وعلينا أن ننظر إليه بواقعية، وعدم المجاملة على حساب الوطن، حيث تسعى الإمارات لتوفير أفضل مستوى من الحياة السعيدة، ورفع مستوى التوطين في مختلف القطاعات، وبات قطاع التجزئة يمتاز بقوته وتماسكه، وحان الوقت ليؤدي دوره في التوطين».
وأضاف العوضي «علينا قبل التوظيف في قطاع التجزئة تمكين المواطن من مهارات وإمكانيات ليس ليكون موظفاً عادياً، بل ليكون مالكاً ومشاركاً ضمن القطاع، من خلال تكوين عقلية رواد الأعمال، كما يتوجب تغيير مفهوم نظرة الشباب إلى الوظائف في القطاع الخاص، وندخل مرحلة جديدة من الإنتاج في تأسيس العلامات التجارية الجديدة بمجهود الشباب والدعم الحكومي».
وقال العوضي «إن هناك ترابطاً بين التوطين والاقتصاد، من خلال دعم العنصر الوطني في إشغال الوظائف في قطاعات تجارة الجملة والتجزئة، إصلاح المركبات والمحركات، والسلع الشخصية والأسرية وغيرها من المبادرات التي تدعم الاقتصاد المحلي، لكن في المقابل هناك عوامل تقف أمام رغبة الكوادر الوطنية بالانضمام إلى القطاع الخاص بسبب توافر البيئة الآمنة في العمل الحكومي والاستقرار الوظيفي، وإلى جانب الراتب التقاعدي، وغيرها من الامتيازات، علاوة على ذلك السلطة التنفيذية والمكانة الاجتماعية للوظائف الحكومية، وأغلب ذلك لا يتوافر في الخاص».

منظومة تكاملية
وبحسب العوضي، فإن المنظومة متكاملة ومترابطة بين العديد من الجهات، من ضمنها وزارة الموارد البشرية والتوطين، ووزارة الاقتصاد، ووزارة التربية والتعليم، حيث إن المخرجات الجامعية وتوجيه الناس إلى الوظائف الإدارية تعد فطرة موجودة في الإنسان عكس التوجه إلى الأعمال الميدانية التي تحتاج إلى جهد مضاعف، كما أن ثقافة العمل كبائع في المحال التجارية، تعد غريبة، والمجتمع إلى الآن لم يتقبلها.
وأضاف «فيما يتعلق بالشركات العائلية الكبيرة التي بإمكانها توفير مخصصات ورواتب تتناسب مع رغبات المواطنين، يدرك الجميع أن هذه الشركات كان الهدف الرئيس من تأسيسها هو الجانب الربحي، ويعد حجم القطاع الخاص ما يقارب 95% من الوظائف الموجودة في الدولة، وبلا شك هناك بعض التجارب، والدولة فرضت على القطاع الخاص توطين الكوادر لكن شهدت البداية نتائج عكسية، بسبب دخولهم في مرحلة عاطفية بعيداً عن الدراسة الواعية والعقلانية التي تعزز من الاقتصاد، بما يضمن انسيابية الأعمال دون الإضرار بها».

مخرجات التعليم
وقال العوضي إن مخرجات التعليم بما يتوافق مع سوق العمل لها أهمية بالغة، وهناك اختلاف بين كلا القطاعين من ناحية مهنية وأكاديمية، ويكون في المخرجات بُعد ميداني أكثر من الجانب الإداري، وأصبح على الجامعات إعادة تصميم المناهج لخدمة القطاع الخاص، على غرار ما يستحدث في الفترة الأخيرة بإنشاء مجموعة من المعاهد المهنية التخصصية، والقطاع بحاجة لتطوير المختصين في الجانب المهني حسب احتياجات سوق العمل، فمثلاً في المخرجات الحالية، يتوافر العديد من الخريجين الجامعيين بشهادات علمية، ومن الصعب أن يقبلوا وظيفة مبيعات.
ودعا العوضي الجهات الحكومية إلى دعم الشركات العائلية الإماراتية من خلال تقديم منظومة حوافز تساهم في تعيين مواطنين، حيث تتحمل الحكومات جزءاً من الراتب والجزء الآخر على الشركة الخاصة.

الخبرات ثم الانطلاق
وقالت شادية حسن، الشابة الإماراتية التي تعمل في إحدى المتاجر بأبوظبي من خمس سنوات، وترى أن المرحلة الأولى من العمل قد يواجه فيها الموظف بعض الصعوبات من ناحية فهم النظام والقوانين، إلى جانب الالتزام بالمواعيد والانضباط الوظيفي في الدخول والانصراف، وعلينا وضع أهدافنا الشخصية للوصول إلى أعلى درجات الخبرة الميدانية العملية في المبيعات، ثم إطلاق أي مشروع تجاري خاص بعد فهم سوق العمل وقطاع التجزئة بشكل دقيق.
وأضافت شادية «حب العمل والاستمتاع به من أهم العوامل المساعدة على الاستمرار والإبداع، رغم طول ساعات الدوام اليومية وغياب الحوافز والترقيات في المتجر، لكن في الوقت نفسه ترى أن توطين قطاع التجزئة هو تمكين للمواطنين ودعم الوطن من خلال الاستثمار الاقتصادي، ما يعزز من تقليل التحويلات المالية إلى خارج الإمارات من قبل العمالة الخارجية، وعلينا التركيز على جانب مهم، وهو أن العمل الميداني يصقل شخصية الشباب من خلال تعليمهم الصبر، إلى جانب كسر حاجز الخجل والتواصل مع الآخرين، وعلينا دخول هذا المجال والتجربة على الأقل للاستفادة من تلك المخرجات التي سيحظى بها الموظف».

الانتقالات والتجارب
فيما قال الشاب منصور المسكري الذي عمل في أكثر من محل تجاري في أبوظبي، إن العمل في هذا القطاع جيد، ويسد وقت الفراغ بدلاً من الجلوس في المنزل من دون مصدر دخل، علينا إدراك أن العمل هو مصدر أساسي للتطوير وزيادة الخبرات والمهارات، واكتساب خبرة مهنية، والتنقل ظاهرة صحية لزيادة المعرفة.
ونوه المسكري إلى أن العديد من الجهات التي عمل بها كانوا متعاونين من ناحية التوظيف والتعيين في وقت قياسي بالمقارنة مع الجهات الحكومية التي قد تستغرق إجراءات التعيين فيها أكثر من شهر تقريباً، لكن في المقابل هناك صعوبات في الترقيات والتدرج الوظيفي، حيث إن الرواتب في قطاع التجزئة ثابتة من توقيع العقد إلى الاستقالة والانتقال إلى جهات أخرى. وأضاف «عن نظرة المجتمع تجاه العمل في المحال التجارية، علينا المحاولة والاستمرار في ذلك حتى تسود هذه الثقافة، وتنتشر الأعمال في مختلف القطاعات الميدانية، لأن الوطن بحاجة إلينا في حالة قل عدد العمالة الخارجية».

ضغوط ورواتب ضعيفة
وقالت فاطمة المرزوقي، الموظفة في قطاع التجزئة، إنها تشرفت بالعمل في خدمة الوطن في أي قطاع كان بدلاً من الانتظار في المنزل من دون أي عمل على الرغم الضغوط التي تواجهنا في هذا المجال الذي يعاني شح التوطين.
وأضافت «نعاني طول ساعات الدوام، حيث تصل أحياناً إلى تسع أو عشر ساعات يومياً، وفي المقابل لا نجد المردود المادي الشهري مقابل ذلك، حيث إن الرواتب جداً منخفضة بالمقارنة مع القطاع الخاص أو الحكومي، مع ارتفاع مستوى الحياة والمعيشة من الصعب إكمال الشهر بمصروف يتراوح من ثلاثة إلى ستة آلاف درهم».
وأكدت المرزوقي أن غياب الكوادر الوطنية نتيجة الضغوط المباشرة وغير المباشرة من قبل الزملاء العاملين في القطاع أو من قبل المستهلكين في المحال التجارية، ومن الصعب التعايش مع كل تلك الظروف التي تكتسي الطابع السلبي، لكن مع ذلك حاولنا التأقلم مع الأوضاع، وكنا على قدر التحدي بالمواصلة وتعزيز مهارتنا في كل ذلك.

اقرأ أيضا

منصة المستقبل