الاتحاد

أخبار اليمن

الانقلاب الحوثي ينهك الاقتصاد اليمني

ماهر الشعبي (عدن)

منذ نهاية العام الماضي، منعت الميليشيات إدارة البنك المركزي- كانت قد احتلته عقب انقلابها على الشرعية والسيطرة على العاصمة صنعاء في 21 أيلول سبتمبر 2014- من ضخ مرتبات الجيش والأمن إلى مدينة عدن وباقي المدن المحررة، في حين تكفلت دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بصرف مرتبات جهازي الجيش والداخلية في المدن المحررة بعد تشكيل لجان خاصة للصرف في العاصمة الشرعية عدن .

واعتبر مصدر رفيع في البنك المركزي اليمني الواقع تحت قبضة الانقلابيين، بأن البنك المركزي اليمني يعاني من أزمة مالية خانقة، وأنه لم يعد بمقدوره مواصلة ضخ المرتبات إلى جميع المحافظات اليمنية، مضيفاً أن هناك مؤسسات ووزارات في العاصمة صنعاء لم تتسلم مرتباتها لشهر يناير حتى يومنا هذا، وأن هناك مماطلات مستمرة.
وأضاف المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه لـ «اتحاد»، بأنه لم يتبق في البنك المركزي سوى مليار دولار فقط بعد سحب الانقلابيين الاحتياطي النقدي من البنك، وإذا لم تتوفر أي حلول عاجل لإنقاذ الوضع الاقتصادي سينهار المركزي اليمني والاقتصاد بشكل كلي، نظراً لانعدام الموارد، ويسعون حالياً إلى تقليص المصروفات وتأخير الكثير من الالتزامات.
وأكد أن مبلغ المليار دولار الذي لا زال في خزينة البنك بالكاد، سيغطي مرتبات الموظفين حتى يونيو المقبل على أكبر قدر.
وتابع «بأن جميع إيرادات الدولة توقفت منذ أشهر، ولم تصل إلى البنك أي موارد بما فيها إيرادات النفط التي كانت تعد أهم مورد اقتصادي للدولة توقفت في منتصف العام الماضي».
وأشار إلى قيام البنك بإصدار أذونات خزانة بغية الحصول على الأموال عن طريق الدين الداخلي لتغطية مرتبات الموظفين، لكن لايعتقد بأن هذه الإجراءات ستوقف عملية الانهيار الوشيكة ولن تصمد طويلاً، نحن أمام كارثة ونتمنى أن لا نصل إليها.
وحمل الانقلابيين مسؤولية هذا الانهيار الاقتصادي، بسبب سحب كامل الاحتياطي النقدي والعبث به لمصلحة مشروعها الحربي.
وقدر خبراء اقتصاديون تجاوز الدين الداخلي اليمني بـ 25 مليار دولار مع نهاية العام الماضي، بزيادة قدرها 2.3 مليار دولار منذ بداية العام ذاته، حينما كان 22.7 مليار دولار.
وخلال الأيام الماضية، أكدت الحكومة اليمنية نيتها اتخاذ إجراءات لتثبيت الوضع المالي، وسحب الصلاحيات المالية من قبضة المتمردين، وذلك بإيجاد بنك بديل، وعرضت ذلك على المؤسسات الدولية، بينها البنك الدولي والدول المانحة جراء السياسات المدمرة التي أقدم عليها الانقلابيون، معلنة أولى خطواتها عن مباشرة وزير المالية مهامه من مدينة عدن، على أن يتم التنسيق بين الوزارات وتشكيل فريق متخصص لهذه الوزارات يتولى الإشراف على الإيرادات المحصلة، وكذلك من خلال الدعم المقدم من الأشقاء الداعمين للشرعية.
في ذات السياق، أعلن نائب الرئيس ورئيس الحكومة خالد بحاح خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الإماراتية أبوظبي، عن توفر ميزانية لقطاع الخدمات في المدن المحررة تقدر بنحو 20 مليار ريال.
وأكد رئيس الحكومة حينها خلال مؤتمرة الصحفي في يناير الماضي، بأن الانقلابيين سحبوا ترليوناً ونصف، ما يعادل 7 مليارات دولار من البنك المركزي خلال العام المنصرم لتمويل حروبها، وأنهم في الحكومة يسعون لوقف تلك الممارسات والحفاظ على النظام المالي والمصرفي.
وقال رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي مصطفى نصر لـ «الاتحاد»: إن الاقتصاد اليمني يعاني حالة من الانهيار الاقتصادي، إذ تراجعت نسبة النمو فيه بالسالب بنسبة 40%، وهو مؤشر خطير لم يصل إليه الاقتصاد اليمني من قبل، وهذا نتاج طبيعي لسيطرة مسلحي جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة، وما تلاها من توسع في الحروب نحو المحافظات الأخرى واندلاع الحرب في معظم المحافظات اليمنية.
وأضاف: كانت هذه الخطوة الكارثية على الاقتصاد الوطني قد تسببت في فقدان اليمن أهم مصادر الدخل، حيث توقفت الصادرات النفطية اليمنية التي تشكل 75% من الإيرادات العامة، كما توقفت كل الصادرات اليمنية، وكذلك التمويلات الخارجية التي كانت مقدرة بـ 8 مليارات دولار، إضافة إلى الخسائر المباشرة وغير المباشرة للحرب في كل المحافظات ،والتي تجاوزت تكلفتها 50 مليار دولار.
ويؤكد رئيس مركز الإعلام الاقتصادي تصاعد أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من 12 مليون مواطن إلى 21 مليون مواطن، أي بنسبة 81% من اليمنيين، باتوا بحاجة للمساعدات، وهي نسبة كارثية تدل على الوضع الذي وصلت إليه الحالة الإنسانية والاقتصادية في البلد.
المحلل السياسي أحمد جعفان لـ «الاتحاد»: جاء الانقلاب الحوثي ليأتي على ما تبقى من مقومات للاقتصاد الوطني اليمني، إذ عطلت مليشيات الحوثي وصالح كل مؤسسات القطاع العام والخاص، وحولت البلاد كلها إلى سوق سوداء وكونت دولة موازية، مما فاقم البطالة وارتفاع الأسعار الجنوني لتتحول اليمن إلى بيئة للمجاعة وانعدام فرص الحياة.
مضيفاً: «لكن مع الأشقاء من دول الخليج العربي يجري تلافي هذه الكوارث التي حلت بالشعب اليمني عن طريق أعمال الإغاثة والمساعدات، والتي يأمل سكان اليمن أن تستمر وتتطور إلى مشاريع تنموية كبرى تنقذ اليمن واليمنيين من كارثة وجائحة انقلاب الحوثي وصالح.
إما مدير تحرير صحيفة «عدن الغد» الصادرة من عدن، حسين الحنشي، فيقول: «لا يمكننا الحديث عن الاقتصاد اليمني بمعايير دقيقة لقوة الاقتصاد وضعفه، فالاقتصاد الهزيل أساساً قبل الحرب فقد معالمه كاقتصاد دولة بعدها.
هو في الأساس اقتصاد ريعي يعتمد على الدخل من تصدير المواد النفطية والمساعدات الدولية والصناعة النفطية دمرت بالكامل بفعل الاضطرابات الأمنية منذ 2011، ثم سحقت مؤخراً، وهناك شركات عالمية فضلت الخروج من اليمن نهائياً كتوتال صاحب أكبر مشروع استثماري في اليمن.
ويضيف الحنشي لـ «الاتحاد»: حالياً البلاد مقسمة اقتصادياً بين مركز في صنعاء يعتمد على ودائع وعلى ضرائب لتسيير الأمور، وبين مركز جديد في عدن يعتمد على الضخ الإقليمي لأموال سائبه تصرف في حالة طوارئ بصورة سيئة من قبل إدارة الرئيس هادي.
ويرى الحنشي « أن اليمن يحتاج إلى مشروع سلام أولاً، يتلوه مشروع مارشال اقتصادي للبنى التحية، ثم الاستثمار في القطاعات التي قد تشكل رافداً حقيقياً كالصناعات النفطية والسياحة والموانئ والزراعة والثروة المعدنية».
وبحسب الناشط الحقوقي والعمالي مهيب شائف، «إن الانحراف في تطبيق قانون معين يجر وراءه سلسلة من الانحرافات التي يصعب تداركها، وانتشار ذلك يؤدي إلى تعطيل جميع نواحي الحياة وصولاً إلى الشلل التام لوظيفة الدولة، ويتجسد هذا الأمر واقعاً ملموساً منذ انقلاب المليشيات الحوثية».
ويقول الناشط مهيب شائف لـ «الاتحاد»: إذا ما أخذنا الجانب الاقتصادي نموذجاً سيتضح لنا حجم الكارثة على الصعيد العام للدولة القائمة والخاص للمواطنين والتجار، فلم تتحمل الدولة الهشة أصلاً التداعيات مع الشلل التام في جميع المؤسسات الإيرادية، وإن وجدت الإيرادات، فغياب الدولة جعلها صيداً سهلاً للمليشيات الانقلابية تتصرف من دون رقابة.
بالمقابل، انعكس الأمر سلبياً على حياة قطاع واسع من الموظفين والمواطنين ورجال المال والأعمال، فتعطلت عديد من المصانع والمؤسسات الرافدة للاقتصاد، وتم معها توقيف آلاف العمال ليلتحقوا بطوابير البطالة المستفحلة، إضافة إلى توقف كل المشاريع الاستثمارية المرصودة اعتماداتها ضمن الموازنة منذ العام 2014م أو تلك الممولة بقروض خارجية، ناهيك عن أن الموظفين باتوا لا يستلمون إلا المرتب الصافي فقط، وتم توقيف جميع البدلات والإضافيات.
وأشار الناشط النقابي والعمالي شائف «إلى وجود صعوبات جمة في عدد من المرافق والمؤسسات، بحيث لم تستطع دفع مرتبات موظفيها لأشهر عدة.
وتابع: «بالإجمال فإن الوضع الاقتصادي الكارثي أثر على حياة الجميع، حيث بات المواطن يعيش على المساعدات الإغاثية، ووجب على الرئاسة سرعة تشكيل فريق لإدارة الأزمة الاقتصادية وإيجاد حلول ناجعة وسريعة مع الهيئات العربية والدولية، ولا ننسى الدور الكبير الذي لعبته الدول الشقيقة في دعم جميع نواحي الحياة خلال الفترة الماضية، والمستمرة حتى اللحظة.
وكشف البنك الدولي أن 80 في المائة من سكان اليمن بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية، بزيادة نسبتها 30% منذ أبريل/‏نيسان 2015، مقدراً أن 21.1 مليون يمني بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية.
وطبقاً للتقرير، أصبح الآن 20 مليوناً من 24 مليون نسمة في تعداد الفقراء، وانخفض متوسط نصيب الفرد من الدخل بنسبة 23% و28% على الترتيب، أي تقريباً ربع ما كان من الممكن أن يتحقق لو لم تنشب الصراعات.
في حين سجل تقرير آخر صادر عن صندوق النقد الدولي، ارتفاع الدين الحكومي في اليمن بين عامي 2014 و2015 من 48% من إجمالي الناتج المحلي إلى 67%، فيما توقع الصندوق الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 28.1%.
وأرجع ذلك إلى تصاعد الصراع المسلح الذي شهدته اليمن، وكان له أثر بالغ على النشاط الاقتصادي ما أدى إلى انهيار الصادرات والاحتياطي النقدي وارتفاع التضخم وتوقف إنتاج وتصدير النفط.


اقرأ أيضا