صحيفة الاتحاد

ألوان

الحرف الإماراتية ومنطقة البيئات.. نوافذ علـى ماضي الأقدمين

أحمد السعداوي (أبوظبي)

يواصل مهرجان الشيخ زايد التراثي بمنطقة الوثبة في أبوظبي نجاحه في استقطاب جموع الجماهير من المواطنين والمقيمين والسائحين القادمين من أنحاء العالم للاستمتاع بالفعاليات المدهشة، وتقديم لآلئ التراث الإماراتي بمعية التراث العالمي في كرنفال بهيج يستمر حتى 1 يناير من العام المقبل، ليعكس قيمة التراث الإماراتي في نفوس أبناء الإمارات، وحرصهم على توصيل رسائله القيمة إلى الأجيال الجديدة وأبناء الشعوب الأخرى الذين يتوافدون على الحدث التراثي الضخم.

إرث حضاري عريق
ويعتبر الحي التراثي الإماراتي ومنطقة البيئات والحرف الإماراتية من أهم مكونات نسخته الحالية، لذلك احتلت موقعاً متميزاً بين ساحات المهرجان أتاحت للجميع مطالعة ما فيها من إبداعات ومهارات إماراتية خالصة بأيدي أبناء الإمارات، اكتسبوها من إرث حضاري عريق يمتد لآلاف السنين فوق هذه الأرض.
وقد انتشرت في منطقة البيئات والحرف الإماراتية، أعداد من أهل الحرف التقليدية من الرجال والنساء، ليرسموا أمام الجمهور ملحمة من الفنون والإبداع بمختلف المهن التي تباروا في تقديمها إلى جمهور المهرجان عبر ورش تفاعلية عبرت عن 40 حرفة مختلفة عرفها أهل الإمارات منذ قديم الزمن.

مهارة الحرفيات
وتقول سميرة العامري، ضابط أول تسويق بالاتحاد النسائي العام، والمشرفة على الحرفيات التراثيات بالمهرجان، إن مشاركة الخبيرات التراثيات الإماراتيات في الكرنفال التراثي شرف كبير لهن، وإنهن يترقبن المهرجان من العام للعام حتى يظهرن للعالم حرفة ومهارة نساء الإمارات في الزمن القديم، وكيف استطعن تطويع الأدوات البسيطة في صناعة وسائل الحياة من مأكل وملبس دون الاعتماد إلا على سواعدهن وقدرتهن على الإبداع والابتكار، لافتة إلى أن عدد المشاركات 40 سيدة ينتمين للاتحاد النسائي العام.
تأتي هذه المشاركة بالتنسيق مع إدارة الصناعات التراثية والحرفية في البيئات المختلفة، من خلال عرض منتجات البيئات المختلفة (البرية، الزراعية، البحرية، والجبلية)، وسوف تُبرز هذه البيئات من خلال ورش العمل والمعارض وساحات الحياة التفاعلية التي تمثل الحياة القديمة بحرفها وأدواتها القديمة، ويتم عرض حرف متنوعة في كل بيئة كالأشغال اليدوية مثل حرفة التلي، سف الخوص، نسج السدو والحناء وعروض حية لتعليم الجمهور الأكلات الشعبية مثل الهريس، اللقيمات، خبز جباب ونخي، كما تتضمن المشاركة عرض زهبة العروس وعرض العرس الإماراتي التقليدي.
وأكدت العامري أن المرأة نصف المجتمع، وبالتالي هي نصف تراث أي مجتمع، وغالبية الأشغال اليدوية الإماراتية الأصيلة تتم بأيادي المرأة، خاصة ما يتعلق بمستلزمات المنزل والمطبخ والمشغولات النسائية، ولذلك جاءت المشاركة الكبيرة للمرأة في مهرجان الشيخ زايد التراثي، تأكيداً على قيمة المرأة في المجتمع الإماراتي وجهودها في مساندة الرجل منذ قديم الزمن.

«الجامي» و«الحناء»
ومن الأكلات التراثية القديمة التي تصنعها الوالدات ويقدمنها إلى الجمهور «الجامي»، وتصنع من الحليب الزائد عن الحاجة وتصنع بوضع اللبن على النار فترة 20 دقيقة تقريباً حتى تتكون قطع بيضاء تنفصل عن الماء ثم تصفى من الماء بعد أن تبرد ويضاف عليها السمن العربي مع التمر والخبز.
كما تقدم صناعة الطربوش، الذي يزين الكندورة، وهو عبارة عن خيوط تتدلى وسط الكندورة وغالباً ما يتم وضع عطور عليها لتمنح مرتديها الشعور بالأناقة وحسن المظهر.
وهناك دق الحناء، المستخدمة في أغراض الزينة، وتعتبر رمزاً لاهتمام المرأة الإماراتية القديمة بمظهرها رغم بساطة الحياة وقلة الإمكانات المتوافرة، حيث استخدمت الحناء في التجميل واستخراج العطور وتجميل اليدين والقدمين، حتى أصبح التخضيب بالحناء من أهم ملامح الأعراس وحفلات الزفاف عند أهل الإمارات قديما وحديثاً.

صناعة السراريد
ومن الخبيرات التراثيات، تقول موزة محمد المنصوري، إنها تخصصت في صناعة السراريد منذ أكثر من 20 عاماً، وشاركت في عشرات الفعاليات التراثية محلياً وعالمياً وتشعر بالفخر بذلك، خاصة حين تشارك في مهرجان يحمل اسم المغفور له الوالد زايد، رحمه الله، وتوضح المنصوري أن السرود يصنع من سعف النخيل، وهو عبارة عن حصير مسفوف بشكل دائري بألوان زاهية ويستعمل كمفارش لأطباق الطعام، وأحياناً لأغراض الزينة والديكور لمحبي الأصالة ولمسات العراقة.
وتوضح أن عملية تصنيع السرود تبدأ بعد تليين سعف النخيل بنقعه في الماء، ثم تبدأ عملية التلوين، وتتبعها خياطة السروج بالخيط والإبرة الكبيرة.

أدوات الصيد
أما النواخذة، صالح محمد الحمادي، فيورد أن هناك 17 رجلاً من أبناء الإمارات متخصصون في مختلف المهن البحرية، يقدمون عروضاً حية لهذه المهن أمام الجمهور على مدى أيام المهرجان، ويجيبون عن الأسئلة كافة التي يطرحها الجمهور بهذا الخصوص.
فتتم صناعة الديين، القراقير، الليخ «شباك الصيد»، فلق المحار، والحبال، وغيرها من الصناعات المهددة بالاندثار في الوقت الحالي لولا الجهد الكبير لأبناء الإمارات في الحفاظ على هذا الموروث، والحرص على إبرازه باستمرار، وغرس كل ما يتعلق به في نفوس النشء حتى يعرفوا كيف كان يعيش الآباء والأجداد، ويقدرون الدور الكبير الذي بذلوه طوال معيشتهم على أرض الإمارات في الفترات الزمنية المتعاقبة.
عطور ودخون
ومن داخل الحي الإماراتي التابع لمؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية والخيرية، انتشرت المحال التي تعرض المشغولات التقليدية الإماراتية بأيدي نساء الإمارات، ومنهن بشرى سالم التي تخصصت في تقديم العطور والدخون، وتقول إنها المرة الثالثة على التوالي التي تشارك في المهرجان، وتعتبره إضافة كبيرة لها وللعاملات كافة في المجال التراثي لكونه يحظى باهتمام على أعلى مستوى، ويكون مصحوباً بتسليط ضوء إعلامي كبير على فعالياته كافة، ولذلك تكون الفرصة كبيرة لها ولغيرها من العارضات لطرح منتجاتهن التي يقدمونها للجمهور بأسعار مناسبة، حيث يبلغ متوسط أسعار العطور لديها من 200 إلى 300 درهم، ورش الفراش من 120 إلى 150 درهماً، أما الدخون فمن 120 إلى 150 درهماً.
وتلفت إلى أن هذه المنتجات كافة تقوم بصناعتها بمساعدة الأهل داخل المنزل، وهو ما تعتبره واجباً على كل من يمتلك موهبة أو حرفة تراثية أن يغرسها ويرسخها في قلوب وعقول أبنائه حتى يبقى تراث وتاريخ «زمن لوّل» محفوراً في ذاكرة أبناء الإمارات في كل وقت وحين.

سعف النخيل
أما نوال مرزوق بن براق، والتي تقدم منتجات من سعف النخيل، فتبين أنها اهتمت منذ سنوات بهذا المجال وحققت نجاحات كبيرة فيه وأصبحت ضيفة دائمة على غالبية المهرجانات والفعاليات التراثية، خاصة أنها تضع لمسات خاصة على منتجاتها باستخدام التلي حتى تكون أكثر تميزاً، وهو ما تسعى إليه دوماً، خاصة أن الألوان المبهرة للتلي، واستخدام اللؤلؤ والأقمشة الحريرية، يعتبران مدرسة جديدة في التعامل مع الخوص ومنتجات النخيل في إنتاج هذه المشغولات التراثية المميزة، والتي تباع بأسعار في متناول الجميع رغم دقة صنعها والمجهود التي تبذله في إنتاج كل واحدة منها على حدة.
وتلفت بن براق إلى أن أغلب هذه المنتجات تستخدم بشكل عملي أو لأغراض الزينة والديكور، وأكثر ما يجذب الزبائن داخل الدولة وخارجها هو ندرة الألوان المستخدمة، والتي تمنح أشكال السرود جمالاً خاصاً.
وتبلغ أسعار المداخن من 100 إلى 150 درهماً، والسلال من 250 إلى 300 درهم، والسرود من 800 حتى 1200 درهم، بحسب الحجم وكمية الشغل به، أما طقم السرود كاملاً ويتكون من 7 إلى 9 قطع يتراوح ثمنه بين 1000 إلى 1500 درهم.
ملابس تراثية
وتذكر مريم الظاهري، أنها تعمل مع صندوق خليفة كخبيرة تراثية منذ 15 عاماً، وتشارك في المهرجان بانتظام منذ 5 سنوات، بتخصصها في صناعة الملابس التراثية النسائية، المعتمدة في تصميمها على الأشكال المستخدمة في البيئة الإماراتية والألوان الشائعة في التراث الإماراتي والتي كانت تستخدمها الأمهات والفتيات قديماً، وتشير إلى أنها تحاول إحياء هذه التصاميم حالياً عبر عرضها في المحافل التراثية التي تشهد إقبالاً كبيراً من الجمهور، سواء من أبناء الإمارات أو أبناء الجنسيات الأخرى، خاصة بالتزامن مع احتفالات اليوم الوطني، حيث يكثر استخدام الأزياء التراثية المستخدم فيها ألوان علم الإمارات. وتبدأ الأسعار من 300 إلى 800 درهم، وتستخدم في صناعتها أقمشة الحرير الهندي والصيني.
وتنوه الظاهري إلى أن إدارة المهرجان لم تقصر في دعم المشاركات بتوفير محال مجانية للجميع، وهي مبادرة مشكورة من جانب أولي الأمر في الدولة الذين لا يقصرون أبداً في دعم نساء الإمارات والوقوف بجانبهن في المناسبات المحلية والعالمية كافة.

اليوم الوطني.. ملتقى الثقافات
أبوظبي (وام)

واصل مهرجان الشيخ زايد التراثي 2016 لليوم الثاني على التوالي فعالياته بمناسبة اليوم الوطني الـ45 للدولة بعروض ضخمة وحضور جماهيري كبير إلى جانب زيارات مكثفة لوفود رسمية يقوم بها عدد من كبار الشخصيات الإماراتية والعربية والعالمية للاطلاع على ما يضمه من أجنحة تجسد التراث الإماراتي والعالمي.
وتولي القيادة الرشيدة مهرجان الشيخ زايد التراثي اهتماماً خاصاً منذ انطلاقته على مدار السنوات الماضية وحتى اليوم، فقد استطاع مهرجان الشيخ زايد التراثي أن يصل إلى العالمية في دورته السابعة بما يضمه من أجنحة لـ17 دولة تجسد التراث الخليجي والعربي والعالمي على أرض الإمارات.
ويحرص المهرجان كل عام على الاحتفال باليوم الوطني بفعاليات ضخمة مخصصة لهذا اليوم الذي ينتظره أبناء الإمارات والمقيمون على أرضها عاماً بعد عام ليشهد تجسيداً لروح الاتحاد وتكاتف أبناء الإمارات والتفافهم حول رايتهم وحماية الاتحاد ومكتسباته مؤكدين على قيم الولاء والانتماء.
وتكاتفت جميع مؤسسات الدولة المشاركة في المهرجان والشركات الداعمة والراعية لتخصيص فعاليات ضخمة بمناسبة اليوم الوطني وثمة مشاركة لوزارة الثقافة وتنمية المعرفة بثمانية فرق من دول مختلفة تشمل تونس والنمسا والجبل الأسود ليأتي الاحتفال باليوم الوطني احتفالاً بمختلف الثقافات والحضارات على أرض الإمارات.

ثقافة التسامح
قال ناصر ثاني الهاملي، رئيس اللجنة الإعلامية لمهرجان الشيخ زايد التراثي، إن دولة الإمارات العربية المتحدة يعيش فيها حالياً أكثر من 200 جنسية من مختلف دول العالم، وهذا التنوع الموجود في المجتمع لم يكن وليد الصدفة أو اللحظة، بل كان في رؤية القائد المؤسس المغفور له بإذن الله الوالد الشيخ زايد يرحمه الله، الذي كان يحب أن يجمع بين البشر، لما لديه من اعتقاد أن اجتماع البشر وتفاهمهم ونقاشهم وتحاورهم يصب في مصلحة الجميع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ويلقي بظلاله الإيجابية على جميع مناحي حياة الشعوب.
وأضاف الهاملي: لهذا السبب تبنى مهرجان الشيخ زايد التراثي حضور كافة الثقافات على أرض الإمارات لنشر ثقافة التسامح بين الشعوب، التي بنيت عليها دولة الإمارات منذ نشأتها، بل واتخذت من التسامح مبدأً في كافة تعاملاتها مع الأمور المحلية والدولية، والدليل على ذلك أن جميع الجنسيات على أرضها تنعم بالأمن والاستقرار والعيش الكريم.

رخصة مبدعة
أم ذياب، صاحبة مشروع «ريح الخزامة»، والتي تقدم من خلاله العطور والدخون، والحاصلة على رخصة مبدعة من غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، تقول إنها بدأت خوض هذا المجال منذ 7 سنوات بدافع حب التراث وشغل وقت الفراغ بأشياء تعود بالنفع عليها وعلى أسرتها، خاصة وأنها جميعاً مرتبطة بماضي الأجداد، وتسهم في ترسيخ ملامح الهوية لدى أبنائها ومن هم في أعمارهم.
وأشادت أم ذياب، بالتنظيم الراقي للمهرجان، الذي حرص على توفير كافة سبل الراحة للعارضين والجمهور، ولذلك يحتل مهرجان الشيخ زايد التراثي مكانة خاصة بين عشرات المهرجانات والفعاليات التراثية التي شاركت فيها على مدى سنوات، ويعتبر فخر لها ولسائر نساء الإمارات أن يسهمن في الحفاظ على تراث الأقدمين وتقديمه للآخرين في أبهى صورة.