صحيفة الاتحاد

دنيا

سحرة فرعون شهداء اتباع دعوة موسى

في قصص القرآن عبر جليلة لمن يعتبر، خلاصة التاريخ الإنساني، اصطفاها الحق سبحانه، ولخص فيها مسيرة البشر، أحسن القصص موضوعاً ومضموناً ومنهجاً، وفي قصة سحرة فرعون سر عجيب وعبرة عظيمة، وهي أن القلوب بين يدي الله تعالى يقلبها كيف يشاء، فقد استعان بهم لمواجهة الآيات التي جاء بها نبي الله موسى بينما يعتبرها فرعون من السحر، فكان السحرة يعدون العدة لمحاربة موسى عليه السلام، أقسموا في بداية المواجهة بعزة فرعون، لكن ما حدث بعد ذلك قلب كل الموازين بأمر الله.
والقصة في عشر آيات في سورة طه، وفي سورة الشعراء كما قال تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ* قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ* فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ* وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ* لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ* فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ* قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ* قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ* فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ* فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ* قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ* قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)، «سورة الشعراء: الآيات 32 - 51».
إلى فرعون
قد أمر الله موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون، سأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، فلما ذهبا وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وسطوته، ويتركهم يعبدون ربهم، فتكبر في نفسه وعتا وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء واستمر على طغيانه وعناده، أدخل موسى يده في جيبه وأخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نوراً تبهر الأبصار فإذا أعادها إلى جيبه رجعت إلى صفتها الأولى.
ومع هذا لم ينتفع فرعون بشيء من ذلك بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة فأرسل يجمعهم من سائر مملكته، ثم طلب أن يواعده إلى وقت ومكان معلومين، وكان السحر قد استشرى في القبط في قوم فرعون وكان مهنتهم وحرفتهم، ذهل فرعون من هذا الأمر، لذا دعاه إلى التحدي في السحر، وجلب السحرة العظام ليواجهوا موسى، فإذا انتصروا، فسيتم القضاء على دعوته وتعزيز ألوهية فرعون.
كان من أكبر مقاصد موسى عليه السلام أن يظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرة بحضرة الناس، وكان يوم عيد من أعيادهم ومجتمع لهم، أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق أظهر وأجلى، وحتى يتحقق الهدف الذي يسعى إليه فرعون بتجنيد السحرة، اختار يوم احتفال شعبي، وهو يوم الزينة الذي يجتمع فيه المصريون من كل حدب وصوب، حتى تصل الرسالة إلى الجميع وليس إلى فئة دون أخرى، جمع فرعون من كان ببلاده من السحرة، من كل بلد ومكان، فاجتمع منهم خلق كثير، وتقدم موسى عليه السلام إليهم فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه، فاصطفوا ووقف موسى وهارون، تجاههم قالوا له إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي؟، قال بل ألقوا أنتم، وكانوا قد أخذوا الحبال والعصي فملؤها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابا يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، ألقوها وعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم.
حية عظيمة
ألقى موسى عصاه فصارت حية عظيمة ذات عنق كبير، وشكل هائل مرعب بحيث أن الناس خافوا منها، وأقبلت على ما ألقوه من الحبال والعصي فجعلت تلقفه واحداً واحداً في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها، وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم، أن هذا ليس بسحر، فأنابوا إلى ربهم وخروا له ساجدين، وأعلنوا إيمانهم بالله رب موسى وهارون،فلما رأوا كيف نصر الله موسى عليه السلام بعصاه التي تحولت إلى حية تسعى تلقف ما صنعوا من سحر عظيم، انقلبت قلوبهم وتحولت من منتهى الكفر والضلال إلى منتهى اليقين والإيمان، خروا ساجدين، وثبتوا أمام تهديد فرعون، بأنه سيقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم في جذوع النخل، تهديد شديد من الصعب أن يصبر عليه شخص حديث الإيمان لكن الله عز وجل مقلب القلوب ثبت قلوبهم على الإيمان والطاعة في تلك اللحظة العصيبة.
قال ابن عباس، كانوا أول النهار كفرة سحرة وأصبحوا أخر النهار شهداء بررة، ويؤيد هذا قولهم «ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين»، وقال سعيد بن جبير وعكرمة والأوزاعي وغيرهم، لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة، تهيأ لهم وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده لما رأوا من المكرمات. (القاهرة - الاتحاد)