الاتحاد

دنيا

كاي أوبارا أمومة لا تعرف الملل


إعداد - هالة دروج:
في منزلها الكائن في ولاية فلوريدا الأميركية تجلس كاي أو بارا أمام شاشة التلفاز تتابع تطورات قضية تيري شيافو التي أثارت اهتمام الإعلام في الفترة الأخيرة· وعلمت السيدة أن والدي شيافو قد خسرا فرصة إعادة أنبوب التغذية إلى ابنتهما التي تعاني من تلف دماغي جعلها أسيرة حالة غيبوبة امتدت على مدى عدة سنوات وباتا يواجهان خيار فقدانها بين ليلة وضحاها· وبذلك كان النصر في هذه المعركة القضائية لزوج تيري الذي طالب بنفسه بنزع الأجهزة عنها· أما تعليق أوبارا على القضية فهو حيادي تماما، إذ أنها تتعاطف مع الوالدين من جهة لأنها تدرك مدى قيمة أن يحتفظا بابنتهما على قيد الحياة حتى وإن كانت في حالة غيبوبة، ومع زوجها من جهة ثانية لأنه يفسر الأمر من وجهة نظره مؤكدا أن تيري نفسها تفضل نزع الأنبوب لتضع حدا لمعاناتها الطويلة· تقول أوبارا: 'لا يمكن تفضيل قرار على آخر· فالأمر برمته مسألة شخصية ولا بد للعائلة أن تجتمع بحب وإلفة وتفاهم لاتخاذ موقف موحد'·
أثارت قضية تيري اهتماما كبيرا في أميركا والعالم وباتت محورا لنقاشات وجدل واسع بين مؤيد لنزع الأجهزة عنها ومعارض له·· فكل دلا بدلوه، لكن دلو كاي أوبارا يختلف عن غيره كثيرا، إذ تعيش نفس ظروف والدي تيري شيافو، فهي تمضي كامل أوقاتها تقريبا إلى جانب سرير ابنتها تغني لها مقتطفات من الأغنيات التي تحبها·· تروي لها ذكريات الطفولة الجميلة·· تداعب شعرها ووجنتيها وتطلب منها أن تستيقظ· لكن لا حياة لمن تنادي إذ لن تتمكن الابنة من الاستيقاظ أبدا فهي تعاني من حالة حادة من التلف الدماغي حرمتها من مقدرتها على الحس والحركة· ولكن بالرغم من ذلك اختارت أو بارا أن تخرج ابنتها من المستشفى لتقوم برعايتها في المنزل، وهي تعتبر بقاءها على قيد الحياة حتى وإن كانت فاقدة الوعي بمثابة نعمة من الله عليها بها· بل والأكثر من ذلك أن الأم تؤكد بأنها متيقنة بأن ابنتها سعيدة جدا بسبب ما تلقاه من حب الأهل ورعايتهم·
بدأت مأساة إدواردا عندما كانت في السادسة عشر من عمرها حيث أدى انخفاض نسبة الأنسولين في جسمها إلى دخولها في غيبوبة تامة·· توقف قلبها عن العمل لبضع دقائق وعانى دماغها من نقص الأكسجين مما أدى إلى تعرضه لتلف بالغ· لذلك فكل ما تستطيع القيام به الآن هو أن تتنفس وتسعل بدون مساعدة الأجهزة وهي مستلقية في سريرها تحرك عينيها الخضراوتين بدون تركيز في حين يتدلى لسانها من فمها المفتوح· تلازم الأم نفس الغرفة تسلي نفسها بمشاهدة التلفزيون وتراعي دائما أن تتحول عن البرامج التي تعرف أنها غير مفضلة عند ابنتها النائمة·
وبعد 36 عاما على حالة الغيبوبة احتفلت السيدة أوبارا بعيد ميلاد إدواردا التي بلغت 52 عاما من العمر وأصرت على أن تسرح لها شعرها وتربطه بالشرائط الملونة تماما مثلما كانت تفعل لها في طفولتها· لكن إدواردا لم تستطع أن تتذوق كعكة عيد ميلادها فاستبدلتها أمها بمزيج من البيض والحليب قدمته لها من خلال أنبوب التغذية·
تولي الأم رعايتها الدائمة لجسم ابنتها فتغير لها وضعيات الاستلقاء مرة كل ساعتين كي تحول دون حدوث التقرحات الجلدية· وتعتني بنظافة الملاءات التي يمثل تبديلها تحديا كبيرا لها وهي التي بلغت السابعة والسبعين من عمرها· وفي خضم انشغالها بتأمين احتياجات ابنتها المريضة لا تنسى الأم أبدا أن تمطرها بالعبارات التي تؤكد من خلالها على حبها الكبير لها والتي تستجيب لها الابنة بتحريك شفتيها بشكل قريب من الابتسام·
خلال السنوات الخمس والعشرين الأولى التي جاءت فيها إدواردا الغائبة عن الوعي إلى المنزل لم تخرج الأم إلا في مناسبتين: الأولى لحضور جنازة زوجها، والثانية لحضور زفاف ابنتها الأخرى· أقيم حفل الزفاف ذلك في منزل أوبارا في إحدى ضواحي ميامي ليكون قريبا من سرير إدواردا حيث جاءت العروس وأمسكت بيد أختها وروت لها كل ما حدث في الحفل· فمنذ أن قامت الأم بإحضار إدواردا إلى المنزل في مايو من عام 1970 وذلك بعد خمسة أشهر من الغيبوبة وهي تصر على أن تعاملها كفرد طبيعي في الأسرة حيث تسعى إلى تنويع الطعام الذي تقدمه لها على شكل سائل بواسطة أنبوب التغذية، وتصر ألا تحرمها من تذوق الحلوى فتضع لها بعض الأنواع الخالية من السكر فوق لسانها أو على شفتيها· كما تحاول الأم أن تبقي أميرتها النائمة على اطلاع بما يحدث حولها فتقرأ لها الصحف اليومية، وتهتم بشكلها وأناقتها وتقليم أظافرها وطلائها وكل ما يتعلق بشكلها إذ يخيل إليها أنها قد تستيقظ في أي وقت·
لا تحاول أوبارا أبدا التفكير في تعريض ابنتها لأي نوع من التجارب الخاصة بعلاج التلف الدماغي خوفا من أي يؤدي ذلك إلى تدهور حالتها· لكنها في الوقت نفسه تحرص على أن تقدم لها الرعاية الصحية الكافية إذ تقوم بفحص نسبة السكر في الدم كل أربع ساعات على مدار اليوم كاملا· كما لم تتردد أبدا في تحمل نفقات عمليات جراحية أجريت لإدواردا في الكليتين والرئة بالإضافة إلى عملية استئصال ورم خبيث من الثدي· تتمسك السيدة أوبارا بإيمانها بأن ابنتها قد تستطيع يوما ما أن تستيقظ من غفوتها· ولكنها تقول أيضا حتى لو أمضت حياتها كاملة بهذا الشكل فهي حياة تستحق أن تعيشها لأنها تستطيع أن تدرك مدى الحب الذي تحاط به· وكانت قصة هذه العائلة قد أصبحت شائعة بعد صدور كتاب وفيلم وثائقي عنها مما أدى إلى تدفق الزوار الراغبين بزيارة المريضة والجلوس إلى جانب سريرها· وتقول الأم أن تلك الزيارة كانت سببا في منح الإرادة لكثيرين مما ساعدهم على قهر أمراض فتاكة كانوا يعانون منها·
ومن الناحية المالية تقول السيدة أوبارا أن ابنتها لا تحظى بتغطية التأمين الصحي لنفقات رعايتها التي تصل إلى 60 ألف دولار سنويا باستثناء تأمين الأدوية وذلك بسبب بقائها في المنزل· ولتأمين هذه النفقات اضطرت الأم إلى اللجوء للبنوك للحصول على عدة قروض بضمان ملكية المنزل وهي تعترف بأن ديونها قد تجاوزت 300 ألف دولار ولكنها ليست قلقة بهذا الشأن· كما أنها لا تنظر إلى الماضي لتقدر ما فقدته من متعة الحياة على مدى سنوات عمرها التي كرستها لرعاية ابنتها المريضة، ولا تحاول التفكير بمن سيتولى رعاية إدواردا في السنوات المقبلة فكل ما يهمها أن ابنتها ما تزال إلى جانبها في المنزل تغدق عليها كل ما تستطيع من الحب والحنان والرعاية·

اقرأ أيضا