الاتحاد

دنيا

موقف أحمد زكي السياسي بين عبد الناصر والسادات


استمد احمد زكي ثقافته من تجاربه في الحياة اكثر مما استمدها من قراءاته أو دراساته في معهد المسرح، فقد منحه الوهّاب سبحانه وتعالى الموهبة، وصقلتها الدراسة في المعهد، ولكن هذه القدرة المدهشة النادرة على التقمص من أدوار البواب والسائق والميكانيكي الى ادوار العالم والرئيس والوزير جاءت من تجاربه الخاصة في الحياة، ولعل الفرق بين ممثل وآخر في مدى سهولة استدعاء هذه التجارب، وقد كان احمد زكي يستدعي تجاربه في لحظة، ومن دون أي عناء·
من تجربة اليتم في الطفولة، الى الدراسة في مدرسة الصنايع ليكون حدادا، ومن تجربة الحياة في القرية الى التشرد في المدينة، ومن تجربة زواجه من هالة فؤاد وانجابهما هيثم الى طلاقهما وموتها المبكر، وتيتم وحيده من الأم كما تيتم هو من الأب، ومن ألمه بفقد صلاح جاهين وسمير نصري الى ألمه من فقد سعاد حسني ولوعته من فقد ممدوح وافي الذي طلب منه إعداد مدفنه فدفن فيه قبله العام الماضي·
ولم تكن تجارب العمل أقل عمقا من تجارب الحياة، فقد كره نفسه وربما كره المسرح كله من دوره الثانوي في مسرحية 'مدرسة المشاغبين' وهو دور الطالب الفقير ابن الخادمة الذي يتعرض للظلم في البيت والمدرسة ويعايره الناظر لأنه يعطيه ملابس ابنه القديمة· لم يكن احمد زكي يحب أبدا دور المظلوم، وإنما دور الثائر على الظلم، أو دور الظالم الذي يعاني من تأنيب الضمير·
ولا شك ان أقسى التجارب التي تعرض لها احمد زكي عندما اختاره علي بدر خان لتمثيل دور عاشق سعاد حسني في فيلم 'الكرنك' عام ،1974 ورفض الموزعون في مصر والعالم العربي قيامه بهذا الدور لأن الجمهور لن يصدق ان سندريللا الشاشة العربية يمكن ان تحب هذا الشاب الأسود· كان يقول كلما تذكر الواقعة وهل نحن شعب ابيض يعيش في السويد· وقد تصور احمد زكي في البداية ان سعاد حسني هي التي رفضت، وعندما عرف الحقيقة وهي أنها على العكس رحبت وكانت تؤيد اختيار علي بدرخان تماما، أصبحا من اعز الأصدقاء، وكونا مع صلاح جاهين ثلاثي إبداع رائعا كان يتسع ليصبح رباعيا مع السينمائي والناقد سمير نصري، وخماسيا مع المنتج الفنان حسين القلي·
ومثل كل الذين يستمدون ثقافتهم من تجاربهم في الحياة، كان احمد زكي بسيطا 'يحب البسطاء' وينفر من المثقفين الذين يميلون الى استعراض ثقافتهم، ولا يحب حتى التأنق في ملابسه· كانت مشكلته الكبرى عندما قرر الرئيس مبارك منحه وسام الدولة للفنون عن تمثيل دور السادات ماذا يرتدي من ملابس· ورغم انه كان صديقا للعديد من المثقفين، ويدعو بعضهم لمناقشته حول بعض السيناريوهات قبل التصوير، إلا انه كان يعتمد على إلهامه الخاص في اتخاذ القرارات· ورغم انه كان نجما بكل معنى الكلمة، بل وسوبر ستار، إلا انه لم يعش أبدا حياة النجوم التقليدية، وربما لم يعرف أبدا ما معنى ان يكون نجما، وعندما امتدح الناصريون 'ناصر '56 الذي مثل فيه دور الرئيس عبد الناصر سعد كثيرا بقدر ما ذعر كثيرا لأنه لا يريد ان يوضع في 'خانة' سياسية، ولهذا قرر أن يمثل دور الرئيس السادات في 'أيام السادات'·
تمثيل احمد زكي لدوري عبد الناصر والسادات رغم التناقض السياسي الكامل بينهما يعكس موقف المواطن المصري البسيط الذي ينتمي إليه ويعبر عنه، وهو الموقف الذي يختلف عن موقف المثقفين والسياسيين، انه الموقف الذي يرى بحكمة الذي يزرع الأرض في هذا المكان منذ خمسة آلاف سنة ان كل إنسان ميسر لما خلق له، وان كله حاكم يفعل ما يستطيع، ولكل جوانبه الطيبة وغير الطيبة، أثناء تصوير 'أيام السادات' قال لي احمد زكي: ان أروع ما في الفيلم خطاب الكنيست، وانه يراه عظيما تماما مثل خطاب عبد الناصر في تأميم القناة، أما اقرب المشاهد الى قلبه فهي مشاهد عمل السادات كشيال!
سمير فريد

اقرأ أيضا