الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
من بلعين إلى غزة
27 يونيو 2011 23:20

كلَّف جدار الفصل الإسرائيلي أهالي قرية بلعين ومئات المتضامنين الأجانب ستة أعوام من التظاهر قبل أن يروا الجرافات تزيل كيلومترين من هذا الجدار أُقيما أساساً لسرقة مزيد من الأرض لا للحصول على مزيد من الأمن. كان التظاهر سلمياً على الدوام، وكان التعامل الإسرائيلي معه قمعياً وحشياً على الدوام، حتى بعد صدور قرار قضائي بتغيير مسار الجدار. واستغرق العنف أربعة أعوام إلى أن رضخت حكومة الاحتلال أخيراً لضرورة تنفيذ هذا القرار. وتكاد هذه الأعوام الستة تختصر رمزياً العقود الستة للاحتلال تخللتها حروب ومقاومة واتفاقات سلام وانتفاضات، وبالأخص جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها هذا الإسرائيلي بصفته باني "الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط، ولا يسعفه عقله السياسي في التعامل مع السلام وموجباته، تماماً كما لا يسعف العقل الاستبدادي الأنظمة المأزومة في التعامل مع الإصلاح وموجباته. "بلعين" كانت مطوقة بالجدار كما لو أريد معاقبتها إلى الأبد ليرحل أهلها فتزول ولا تعود على الخريطة الفلسطينية. ومثلها قطاع غزة الواقع تحت حصار يرمي إلى فصله نهائياً عن الضفة الغربية، ليصبح منطقة تائهة في الجغرافيا لا يعرفها القانون الدولي، ولا وجود لها على قيد الحياة إلا عبر الرئة المصرية، بحرها مغلق وجوّها مغلق وبرّها مسدود، وهناك مشروع جدار سيمتد إليها. مضت خمسة أعوام على الحصار، بذريعة وجود أسير إسرائيلي. ويبدو أنه لو لم يلتقط مقاتلو "حماس" جلعاد شاليط، لبادر الإسرائيليون أنفسهم إلى تسليمه إليهم، لأن هذا الجندي وفّر التغطية "الإنسانية" لكل ما حصل منذ احتجازه، فهو استخدم لفرض الحصار ولمضاعفة عدد الأسرى الفلسطينيين ولحرب غزة ولتغذية الانقسام الفلسطيني والاعتراض على أي مصالحة، وكذلك لإجهاض أي مفاوضات بحجة ذاك الانقسام أو بحجة المصالحة، وأخيراً للعمل على إحباط محاولة الحصول على اعتراف دولي، بالدولة الفلسطينية. من بلعين إلى غزة بدا الفارق في ركون سلطة الاحتلال إلى تطبيق "قانونها" الذي أجاز لها أن تحتفظ بأكثر من نصف أرض بلعين التي سرقتها بواسطة الجدار، أما في غزة فلا مجال لتطبيق القانون الدولي الذي قضى تكراراً بـ"مشروعية" الحصار. في الحال الأولى لم يكن مجتمع الحكومات الدولي مهتماً بقرية فلسطينية متظلمة، تتظاهر سلمياً ولا تطلق صواريخ، لكن المجتمع المدني الدولي اعتنق قضيتها انطلاقاً من رفضه أي "جدار برلين" آخر بكل ما يعنيه من ظلم وعنصرية. أما في الثانية فبدا المجتمع الدولي (الغربي) منزعجاً من اضطراره إلى حماية "حق" إسرائيل في فرض الحصار، إلى حد أنه تعامل بسلبية واضحة مع محاولات المجتمع المدني الدولي (خصوصاً الغربي) لفك هذا الحصار، بل إلى حد امتداح إسرائيل حين قررت رفع الحظر عن مواد غذائية معينة والسماح بإدخالها إلى القطاع. هذا الأسبوع تبذل محاولة جديدة لفك الحصار، بقيادة نشطاء أميركيين وليس أتراكاً هذه المرة. وأظهر السجال فجوة مفاهيمية بين مواطنين أميركيين يشاركون في أسطول "جرأة الأمل" (على اسم كتاب أوباما لشرح خلفية ترشحه للرئاسة) وبين إدارتهم. إذ رفضت هيلاري هذه الحملة واعتبرتها "غير ضرورية وغير مفيدة". وردت عليها الكاتبة "أليس ووكر" بأن الهدف إطلاق "رسالة تضامن ومحبة" إلى أطفال غزة، وإذا تعرض الإسرائيليون للحملة فإنهم سيستهدفون ساعي البريد. والأكيد أن مصير "أسطول الحرية"، لن يختلف عن مصير الأسطول الأول، قبل عام، إلا في حرص الإسرائيليين على تفادي سقوط قتلى لتفادي أزمة دولية جديدة، وإن كانت "جرأة الأمل" لا تكفي لردع الاستسهال الإسرائيلي للوحشية. فمجرد اعتراض هذه التظاهرة العالمية السلمية هو عمل ضد الإنسانية، لأن هؤلاء النشطاء جاؤوا بدافع إنساني بحت، لا إعجاباً بـ"حماس" وتعاطفاً معها، ولا عداء للسامية. وسط كل ذلك ينسى الجميع جلعاد شاليط. ربما لأنه لم يعد هو المسألة. عشرات المرات أمكن التوصل إلى صفقة للإفراج عنه ومبادلته بعدد من الرهائن الفلسطينيين الذين يحتجزون من دون أي مسوغ قانوني أو أخلاقي. لابد أن أولمرت ونتنياهو وإيهود باراك يدركون أن "صناعة شاليط" خدمتهم إلى حدود لم يكونوا يتوقعونها. يمكنهم أن يعيدوه إلى ذويه في غضون ساعات قليلة لكنهم سيفقدون عندئذ الخيارات التي وفرها لهم احتجازه. ذاك أن أسر جندي واحد أتاح لهم أن يأسروا مليوناً ونصف مليون إنسان في قطاع غزة. إذاً فالمعادلة تستحق إبقائه حيث هو، ولعل الإسرائيليون لا يمانعون تصفيته التي ستمنحهم مزيداً من الخيارات الوحشية. عبدالوهاب بدرخان كاتب ومحلل سياسي - لندن

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©