الاتحاد

دنيا

النشر في المهجر ولعبة الهروب من الرقابة


إعداد- عدنان عضيمة:
قد لا يكون من الصواب أن نرجع الأصل التاريخي لظاهرة هروب الناشرين العرب إلى بلدان العالم الديموقراطية، لمشكلة الرقابة التي يعانون منهم في بلدانهم الأصلية، بل الصحيح أن هذه الظاهرة كانت نتاجاً طبيعياً لحركة الاستشراق القوية والمؤثرة التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرين، وحيث فضل المستشرقون نشر تحقيقاتهم عن أعمال ومخطوطات الشعراء والمفكرين ورجال العلم العرب في بلدانهم لاحتكامها إلى إمكانات أفضل في مجالات الطباعة والنشر بالرغم من أن حركة النشر كانت قائمة على قدم وساق في القاهرة وبيروت ودمشق وحتى في الجزائر وتونس· والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومنها كتاب 'كليلة ودمنة' لإبن المقفع الذي نشر ترجمته العربية الأولى المستشرق الفرنسي الشهير دي ساسي في باريس عام 1816 ثم طبع بعد ذلك في القاهرة وبيروت· ومنها أيضاً كتاب 'طبقات الشعراء' لإبن المعتز الذي نشر في أوروبا عام ،1942 وكتاب 'البخلاء' للجاحظ الذي طبع على يدي المستشرق فان فلوتن في مدينة ليدن النمساوية عام 1900 ليطبع بعد ذلك في دمشق عام ·1938 وهناك أيضاً كتب وأعمال وأشعار أبي الطيب المتنبي التي عمل فيها العديد من المستشرقين شرحاً وتفسيراً وتحقيقاً من أمثال رايسكه ودي ساسي وهامر ونيكلسون وبروكلمن وبلاشير وفرانشيسكو كبريالي وغيرهم ونشروا جلّ أعمالهم في بلدانهم·
وبالطبع، لا يمكن أن تفسّر ظاهرة هجرة الناشرين العرب بالعوز للإمكانات والوسائل في أوطان العرب، ولا بدعوى الاقتراب أكثر من حركة الاستشراق التي انتهى عهدها أو كاد ان ينتهي، فما هي دوافعها الحقيقية، وما نتائجها على الحركة الثقافية العربية؟·
وكان من الطبيعي أن نبحث عن إجابات شافية لهذه الأسئلة من خلال التحدث إلى مسؤولي بعض دور النشر الشهيرة التي خاضت تجربة صناعة الكتاب العربي في المهجر والتي شارك جلّها في هذه الدورة من معرض أبوظبي الدولي للكتاب·
لماذا الهروب؟
والتقينا في بداية حوارنا الأستاذ خالد المعالي ممثل دار 'منشورات الجمل' التي تتخذ من مدينة كولوني الألمانية مقراً لها· وكان أول ما لاحظناه من خلال الكتب التي تعرضها الدار في جناحها أن عناوينها ذات شكل خاص ومميز وأغلفة ذات تصاميم موفقة وتلتزم بأصول وقواعد إخراج الكتاب الحديث· كما أنها اختارت نشر العناوين ذات المحتوى الثقافي والفكري الدسم·
وبشأن إيجابيات نشر الكتاب العربي في المهجر يرى المعالي أن أهم هذه الإيجابيات يكمن في عدم وجود تهديد مباشر من جانب الرقابة بشكل عام· ويؤدي عدم الاحتكاك بالرقابة الى انعدام وجود الرقيب الذاتي فيطرح الإنسان ما يفكر فيه مباشرة وبصوت عال· ولا مفر من الوقوع في شرك الرقابة العربية حتى وإن كانت كتبنا تنشر في المهجر وذلك لأن الكتاب سينتهي أخيراً إلى الأسواق العربية، ولن يمر إليها إلا بعد إجراء عمليات التقليب والتمحيص فيما يطرحه·
وحول سؤال يتعلق بما إذا كانت هناك اجراءات رقابية استثنائية في أوروبا عقب أحداث سبتمبر في نيويورك، يقول المعالي إنه على العكس من الاعتقاد الشائع بين الناس، هناك حلحلة أكثر في بعض الدول الأوروبية على المواضيع المنشورة في الكتب العربية· ويمكن القول بكلمة واحدة أننا ننشر كتبنا في غياب أي رقابة على الإطلاق·
ايجابيات أخرى
ويرى المعالي أن من أهم إيجابيات النشر في أوروبا الاحتكاك بالناشرين الأوروبيين وتبادل الخبرات معهم رغم أنه ليس لدينا الكثير مما نعطيه، بل هناك الكثير مما نأخذه سواء على صعيد صناعة الكتاب أو الاهتمام بالببليوغرافيا شبه المفقودة في الغالبية العظمى من الإصدارات العربية· كما أن الاغتراب يمكننا من ترجمة ونشر عشرات العناوين من المحيط الثقافي للبلدان الناطقة بالألمانية مثل سويسرا والنمسا· كما أتاحت لنا هذه التجربة الفكرية الثريّة المساعدة في ترجمة بعض الإصدارات العربية شعراً ونثراً الى الألمانية مثل أعمال بدر شاكر السياب، وأنسي الحاج، وسعدي يوسف، والياس خوري، ومحمد شكري، سركون بولص، ومحمود درويش وغيرهم·
التكاليف
ونسأل المعالي عما إذا كانت طباعة الكتاب في الدول الأوروبية ترهق الناشر بتكاليف إضافية بسبب ارتفاع أسعار الأيدي العاملة والمواد مما دفع بكبريات دور النشر التي تنشر بالإنجليزية إلى طباعة كتبها في سنغافورة وماليزيا وحيث تنخفض هذه التكاليف، فأشار في هذا الصدد إلى أن جار الجمل كانت تحرص في البداية على طباعة كتبها في المانيا ولكنها قررت فيما بعد طباعتها في البلاد العربية لكي تصل الى مستوى السعر المطلوب في العالم العربي· ومن هناك يتم توزيعها في الدول العربية· وبهذه الطريقة يفلت الكتاب من الرقابة ويعامل معاملة السلع التي تصنع في تلك البلدان·
ويقول المعالي ان 'دار الجمل' تعدّ شركة صغيرة قياساً لدور النشر العربية الكبرى· وكل ما تكسبه من أرباح يوظف في عملية الاستمرارية والتطوير· وزبائنها في أوروبا لا يعتمد عليهم من حيث العدد· ولهذا فإن سبب وجودها ليس الفوز بالزبائن الأوروبيين بل يعود لأسباب سياسية أو جغرافية·
اختصاصات
يقول المعالي ان دار الجمل تهتم بالكتاب التراثي الحي الذي ينبض بالحياة مثل 'أعمال الحلاج' و'الشيخ ركن الدين الوهراني'، و'أبو حيان التوحيدي'، و'محمد بن المرزبان'، و'راشد بن اسحاق الكاتب'، و'ابن الحجاج البغدادي'، و'الحسين بن الضحاك'، و'ابن لنك المصري'، وغيرهم· كما نشرنا في الأدب العربي الحديث دراسات سياسية واجتماعية تدور حول بعض مواضيع الساعة· وقمنا أيضاً بنشر ترجمات عربية من لغات أخرى كالألمانية والإنجليزية والفرنسية والفارسية والتركية والعبرية وهي تتضمن كتبا أدبية ودراسات اجتماعية وفلسفية وعلوم دينية وتاريخية وسياسية·

اقرأ أيضا