الاتحاد

دنيا

نهدف لخلق بيئة بصرية تحفّز على السؤال

الشارقة-الاتحاد: شهدت الدورتان الماضيتان من 'بينالي الشارقة العالمي' نقلة نوعية تميزت في طبيعة وأساليب الاعمال المشاركة وأسس الاختيار للمشاركة القائمة على توافق الاعمال المتقدمة مع المفاهيم التي يتبناها البينالي في نهجه الجديد·· فضلا عن طرح مفاهيم خاصة تميز كل دورة من دورات هذا الملتقى العالمي الذي يتميز بغنى برنامجه الفكري وطرحه محاور 'مفاهيمية' تعتمد التجاوز ومحاولة التطلع لمواكبة التطور الهائل في الفن التشكيلي ومتغيراته في الاساليب والافكار والرؤى والطروحات المعاصرة، الأمر الذي انعكس على مستوى و'نوعية' الأعمال المشاركة، مثلما أثار الكثير من الجدل الصحي الخلاق واثار الحراك في المشهد التشكيلي بما يعد تغييرا واضحا في مسيرة البينالي الذي قطع شوطا مهما في مسيرته وامتلك سمعة مميزة على صعيد الملتقيات المماثلة· ومن هنا كان هذا الحوار مع الشيخة حور القاسمي رئيسة البينالي اعتبارا من دورتيه الاخيرتين والتي قادت فكرة هذا التغيير الطموح في مسيرة وذاكرة البينالي:
؟ شهدت المنطقة الخليجية والعربية تحولات كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية ناجمة عن المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها العولمة عبر أدواتها الإعلامية بالدرجة الأولى، إلى أي مدى طالت هذه التحولات الحراك الثقافي والفني؟
؟؟ الثقافة والفنون جزء لا يتجزأ من مناحي الحياة وهي بالتأكيد خاضعة للتحولات والمتغيرات إن لم تكن هي العامل الأساسي للتغير، ولا يخفى على المراقب المتغيرات التي تعيشها منطقتنا كسائر المناطق والأقاليم حول العالم التي تأثرت بتوابع العولمة، لكن التحدي الكبير بالنسبة لنا كخليجيين وعرب يكمن في مواكبة هذه المتغيرات والاستفادة من الفضاءات التي تتيحها لغة العصر، لتكريس أفق معرفي قادر على تمثل مكونات هذا العصر وإعادة إنتاجها بطريقة تسمح لنا بالمشاركة في تشكيل المسار الحضاري الإنساني، وهنا يبرز بالطبع دور المثقف والفنان على وجه الخصوص·
وإذا أردت مقارنة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالتحولات الثقافية والفنية، فإن جميعها تسير في مجتمعاتنا الخليجية على وتيرة واحدة واتجاه واحد نظرا للعلاقة الوثيقة التي تربط هذه العوامل والتي تشكل ملامح وتفاصيل المجتمعات·
حراك ثقافي
؟ لا يخفى على الجميع الدور الريادي الذي تقوم به الشارقة لتعزيز الحراك الثقافي العربي من خلال مجموعة مبادرات وأنشطة وفعاليات تبلور بمجملها رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في حين يمتاز بينالي الشارقة عن سائر الفعاليات التي تستضيفها الإمارة باتجاهه نحو العالمية·· إلى أي مدى تواكب اتجاهات بينالي الشارقة الذي تديرونه حراك الشارقة الثقافي؟
؟؟ بداية أود الإشارة إلى الاهتمام البالغ الذي يكنه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لمختلف أطياف الفنون وحرصه الكبير على أن تتجه الأجيال الجديدة نحو النتاج الفني الذي بمقدوره أن يعبر عن كيان فكري نخاطب من خلاله الأمم·
إمارة الشارقة منفتحة على مختلف الثقافات العالمية، وهناك عدد غير قليل من المبادرات والإسهامات الثقافية التي قامت بها الشارقة في مناطق مختلفة من العالم تتجاوز العالم العربي، في حين هناك تركيز على المشروع الثقافي العربي نظرا للارتباط العضوي بمحيطنا العربي· وبالنسبة لـ بينالي الشارقة وحجم المشاركات العالمية الذي يشهده، فإن ذلك نابعا أولاً من حرصنا على التواصل والتبادل الثقافي مع شتى الثقافات العالمية كما ذكرت آنفاً، ومن جهة أخرى نظرا لخصوصية الفنون البصرية على المستوى العالمي، وقدرتها على تجاوز حواجز اللغة، مما يفسح للمشاركات العالمية في البينالي مجالا للمتلقي المحلي التواصل مع هذه الإبداعات، ومن جانب آخر هناك حاجة ماسة لدى المتابع والفنان والمبدع والمثقف الإماراتي والخليجي والعربي عموما للإطلاع على اتجاهات الفنون المعاصرة، وهذه الفرصة شحيحة للغاية إذا ما نظرنا إلى قلة المعارض الفنية الكبرى التي تنظم في منطقتنا· ونحن في الشارقة فخورون بالدور الذي نقوم به في هذا السياق ومنذ الدورة الأولى للبينالي في عام ،1993 إلى جانب مجموعة من المعارض السنوية الكبرى التي تستضيفها الشارقة بشكل دوري ومستمر·
تحول نوعي
؟ منذ انخراط سموكم في تنظيم وتقييم البينالي من خلال الدورة السادسة في عام ،2003 شهد البينالي تحولا نوعيا نحو الفنون المعاصرة الأمر الذي استوقف النقاد والمتابعين، ما هو تعقيبكم على ذلك؟
؟؟ طبيعة المشاركات التي شهدتها الدورة الماضية لـ بينالي الشارقة لا تعود إلى عملي في إدارة وتقييم البينالي بقدر حاجة المتلقي محليا وإقليميا للإطلاع على اتجاهات الفنون المعاصرة التي تجاوزت الأشكال الفنية النمطية، والتي تهدف إلى خلق بيئة بصرية تحفز المتلقي بالدرجة الأولى على السؤال والتواصل الحسي والفكري، يمكن القول أن الدورة الماضية وكذلك الحالية تتجه نحو الفنون الجديدة ذات الطرح المفاهيمي الذي يبحث عن السؤال والقيم الإنسانية ولا يعير أولوية للقيم الجمالية المجردة·
تلمسنا خلال الدورة الماضية حالة من الدهشة لدى المتابعين وتلتها حالات من الاستقصاء الفني والفكري، وهذا ما نسعى إلى تقديمه في هذه الدورة· وهنا أود التطرق إلى اتجاهات الفنانين بشكل عام نحو تسخير أدوات الاتصال الحديث مثل الفيديو والتصوير الفوتوغرافي والعروض الحية وغيرها من الاتجاهات التي تسعى بالدرجة الأولى بتقديري إلى إعادة حالة الإلفة بين المتلقي والعمل الفني، والتي كانت سائدة في عصور النهضة الفنية والتي شهدت تعاقب المدارس الفنية الأبرز عالميا، ومن دون شك اندثرت هذه العلاقة نتيجة لطغيان الـ ميديا بمفهومها الشامل والتي تعتبر تبعية حتمتها ظلال العولمة التي نعيشها، وهنا يسعى الفنان مجددا إلى كسر هالة الوجوم التي فصلت المتلقي لعقود عن الفنون المعاصرة، وتجلى ذلك بحالات التجريد التي عاشتها الفنون والتي أسفرت عن حالة من القطيعة والانعزال لدى الفنان· وبكلمات أخرى يسعى الفن المفاهيمي إلى إعادة صياغة العلاقة مع المتلقي من خلال سبر المساحات التي تعنيه وتهمه وعلى سائر المستويات·
؟ ما هي الإضافة التي يتطلع بينالي الشارقة إلى تقديمها إلى مشهد الفنون المعاصرة في منطقة الخليج والمنطقة العربية عموما؟
؟؟ نحن لا نمارس دور وصاية على الفنون التي كانت وعلى مر الأزمنة والأمكنة حرة، نحن نحاول أن نجتهد ونبحث ونستقصي ومن ثم نعرض، ومن خلال عملنا في البينالي نسعى بالدرجة الأولى إلى تحفيز وتنشيط الحركة الفنية إماراتيا وخليجيا وعربيا من خلال إيجاد بيئة تبادل بصري وفكري تزيل الحواجز بين فناني ومثقفي المنطقة ونظرائهم في العالم·· ونحن واثقون من أن التواصل والتبادل على هذا المستوى من شأنه أن يكرس ويعزز الحالة الفنية والإبداعية في المنطقة، بكلمات أخرى ليس أمامنا سوى الاستمرار والعمل·
وبشكل عام تصب كل مساعينا سواء من خلال بينالي الشارقة أو الفعاليات والأنشطة الأخرى إلى تعزيز علاقة المتلقي الخليجي والعربي مع الفنون المعاصرة، ونحن نراهن بالدرجة الأولى على جيل الشباب القادر على تأسيس علاقة تواصل مع الفنون البصرية المعاصرة والاندماج في عملية التلقي والإبداع ليكون فاعلا ومنتجا في هذا الاتجاه الفني الكوني الذي لا بد لنا أن نجذر علاقتنا معه وأن نكون موجودين ضمن أبجدياته·
مفهوم الانتماء
؟ يتبنى بينالي الشارقة في دورته السابعة مفهوم 'الانتماء'، لماذا سؤال الانتماء الآن ومن الشارقة على وجه التحديد؟
؟؟ نحن نعيش في عالم بتنا فيه متشابهين للغاية، ويقتصر التشابه فقط على نزعاتنا وتطلعاتنا الاستهلاكية، وهذا التحول الطارىء في سلوكنا الثقافي ناجم عن مد ثقافة العولمة والتي تكشف مدى أحادية طرحها وانهماكها بأجندة خاصة، أمام كل هذا هناك عملية تذويب للثقافات والهويات المحلية بكل ما تحمله من تنوع واختلاف تثري ثقافتنا الإنسانية بمفهومها المؤنسن· الأحادية الثقافية الاستهلاكية المفروضة علينا تحتم علينا من دون أي وقت مضى إعادة تعريف انتماءاتنا والتعبير عن توجهاتنا وربما رفضنا لما يدور حولنا·
سؤال 'الانتماء' الذي يطرحه بينالي الشارقة السابع من خلال أعمال أكثر من 70 فنانا من 36 بلدا تنتمي أعمالهم الفنية إلى خلفيات وتجارب ثقافية مختلفة، وستكون بمثابة أرضية لتطوير وتفعيل سؤال 'الانتماء' بمختلف مناحيه الفكرية والإنسانية·
؟ ما هي تطلعاتكم واستشرافكم لحراك الفنون المعاصرة في الإمارات، وأين هي من حراك الفنون البصرية العالمية؟
؟؟ استطاع الفنان الإماراتي خلال العقود القليلة الماضية أن يؤسس لحالة فنية خاصة، من خلال ارتباطه الوثيق بثقافته المحلية وأيقوناتها وتواصله الوثيق مع الحراك الفني في العالم· وبعد الشوط الذي قطعه الرواد نحن نرى جيلا جديدا من الفنانين الذي ينهلون من التجارب السابقة ويسعون إلى نقل الحركة الفنية الإماراتية إلى آفاق جديدة·
وهنا لا بد من الإشارة إلى الدور البارز الذي تقوم به جمعية الإمارات للفنون التشكيلية من خلال دعم الفنانين وتنظيم المعارض والأنشطة المختلفة ومن ضمنها المعرض المصاحب لفعاليات بينالي الشارقة السابع الذي سيتيح الفرصة أمام الفنانين والنقاد والمتابعين والصحافيين الذين يحلون بيننا لمتابعة البينالي التعرف عن كثب على النتاج الإبداعي للفنان الإماراتي·
كما أود الإشارة إلى البيئة الخصبة المتاحة أمام الفنان الإماراتي وكذلك المقيم على أرض الإمارات، من خلال منطقة الفنون في الشارقة والتي تضم إلى جانب مقر جمعية الفنون في الإمارات مجموعة من المرافق والمشاغل الخاصة بالفنانين، فيما تشهد كلية الفنون الجميلة في جامعة الشارقة في العام المقبل تخرج الدفعة الأولى، وهذه الكلية التي تعتبر فريدة من نوعها في المنطقة وتتمتع ببنية تحتية ستضم مع اكتمال إنجاز المرحلة الثالثة والأخيرة من مبناها استوديوهات خاصة بالتصوير والمونتاج ومختلف أنواع الفنون الرقمية، وستكون الكلية رافدا مهما للحركة الفنية في الإمارات والمنطقة·
تجارب فنية
؟ هل لنا الخوض في تجربتك الشخصية في مجال الفن وانعكاساتها على بينالي الشارقة كالحدث الوحيد في مجال الفنون المعاصرة على مستوى المنطقة؟
؟؟ أنا الآن بصدد تحضير رسالة الماجستير في مجال النقد التقيمي بعد سنوات عدة من الدراسة في كلية 'سليد' للفنون الجميلة في المملكة المتحدة· وبالطبع ساهمت هذه السنوات الأكاديمية في تعزيز اهتمامي بالفنون وأتاحت لي فرصة الاطلاع على التجارب والاتجاهات الفنية العالمية، وبالتالي عززت من تجربتي الفنية الشخصية التي انعكست بشكل كبير في محاولة تطوير بينالي الشارقة والسير به نحو اتجاهات توائم تطلعات الفنان المحلي أولاً وكذلك اتجاهات الفنون المعاصرة عالميا·
وهنا يجب الالتفات إلى أن بينالي الشارقة لا يعتمد أسلوب المشاركات الفنية الرسمية ووفقا للتوزيعات الجغرافية والاعتبارات الأخرى بقدر ما ينتهج أسلوبا علميا دقيقا وصارما في تحديد اتجاهاته والأعمال المشاركة، من خلال طرح مفهوم خاص، هذا العام هو 'الانتماء' فيما قام باختيار الأعمال فريق من القيمين مكون من الأستاذ جاك برسكيان، القيّم العام وقيمين مشاركين هما ترداد زلغدر وكين لوم، ويتميز هذا الفريق بتعدد انتماءاته الثقافية التي تتنوع بين فلسطين وأرمينيا والصين وكندا وسويسرا وإيران، والتي أسهمت بشكل كبير في إثراء تنوع المشاركات نظرا لاطلاع القيمين على التجارب الفنية حول العالم·
؟ تعيش دولة الإمارات تطورا ونموا اقتصاديا غير مسبوق يطال مجموعة من القطاعات الاقتصادية الحيوية، وأصبح يشار إليها بالبنان كنموذج يحتذى به على المستويين الإقليمي والعالمي، أين هو الإنجاز الثقافي من كل هذا؟
؟؟ بكل موضوعية يتلمس الزائر التطور الاقتصادي الذي تعيشه الدولة بوضوح تام، فيما قد يشوب نوع من التوجس للباحث عن ملامح الإنجاز الثقافي، وهذا يعود إلى مجموعة من الأسباب أولها أن البناء الاقتصادي والنمو العمراني يمكن أن يشار إليه بالبنان بسهولة، وكل ما يتطلبه برج تجاري لإنجازه هو موقعا ومخططا وفترة زمنية لا تتجاوز في أكثر الأحوال عامين ومن ثم يصبح هذا المعلم التجاري والاقتصادي واضحا وجليا للعيان، لكن الأمر ليس بهذه السهولة بالنسبة للبناء الثقافي·
فالحركة الثقافية والفنية بتقديري فاعلة وبناءة وتخطو خطوات فعالة ومدروسة، وهنا لست بحاجة إلى ذكر قائمة الفعاليات والنشاطات الثقافية والفنية التي تشهدها الدولة، لكني أود الاستشهاد بجائزة الشارقة للإبداع والتي تشمل الرواية والقصة القصيرة والشعر والكتابة المسرحية والدراسات النقدية، وتسعى بالدرجة الأولى إلى تكريس العمل الإبداعي الثقافي·
من جهة أخرى اختارت منظمة اليونيسكو في عام 1998 (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة) الشارقة عاصمة للثقافة العربية بعد القاهرة وبيروت نتيجة الحراك الثقافي الجاد الذي تشهده الشارقة·· نحن واثقون من أن المشروع الثقافي الذي تحمله دولة الإمارات للمنطقة والعالم سيعيش أطوارا لاحقة ستضعه على الخارطة الثقافية العالمية·

اقرأ أيضا