الأحد 29 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ملتقى السمالية يكشف أسرار الجزيرة للأجيال الجديدة
ملتقى السمالية يكشف أسرار الجزيرة للأجيال الجديدة
27 يونيو 2011 20:25
للعام الثامن عشر على التوالي تفتح جزيرة السمالية ذراعيها لاحتضان القادمين إليها، تطلق في أفق العيون الفتية كل ما لديها من بهاء ورخاء، وتمنح زائريها، لاسيما أولئك الذين يأتونها للمرة الأولى، فرصة التساؤل عن أسرار مذهلة تخبئها في حناياها الرملية الدافئة.. اذ لطالما كان ملتقى السمالية الصيفي، الذي يقيمه نادي تراث الإمارات، برعاية كريمة من سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات، موعداً مع الكائنات والأشياء غير المألوفة، ولا تنوي سلطانة الجزر، كما وصفها أحد الشعراء من زوارها، تغيير عادتها هذا العام. أمس الأول كان موعد انطلاق الموسم الثامن عشر من ملتقى السمالية الصيفي، حيث ثمة 2000 طالب وطالبة من أعمار شتى يأتون لحصد المعرفة والمتعة والفائدة والترفيه، خليط اتقنه القيمون على النشاطات المتنوعة التي يتضمنها برنامج الملتقى المستمر على مدى شهر كامل، وان كان هؤلاء يعلمون جيداً ان هدفهم النهائي هو ترسيخ عادات وقيم أصيلة في أذهان الناشئة الذين يعيشون أجواء العولمة وتداعياتها، فهم واثقون من ان تحقيق ذلك الهدف يستدعي إطاراً من التسلية التي يحتاجها طلاب خرجوا لتوهم من قاعات الدراسة المقفرة، وليس من المنطقي اخضاعهم الى اجواء تعليمية مماثلة، بما يحمله ذلك المناخ من استنفار لملكة الاصغاء ليس متاحاً في هذه المرحلة. في ضيافة القرم هكذا كان ممكنا لقرابة الـ650 طالباً قدموا صباح أمس الأول على متن 55 حافلة نحو جزيرة السمالية، متجاوزين أكثر التوقعات تفاؤلاً، أن يسرحوا في خيالاتهم مع اشجار وارفة متنوعة التسميات ترسخت جذورها في ارض الجزيرة المعطاء، وانتصبت شامخة تروي إحدى أروع حكايا الخصب الطبيعي المتجاوزة لشروط المناخ ومحظوراته، أشجار النخيل والقرم وسواها كانت تستقبل الزوار متباهية برونق كثير يحيط بها، كما لو انها تعلن باعتزار لا تحاول اخفاءه: ها نحن هنا رغم القحط والجدب ورعونة الريح! في هذا السياق يوضح المستشار في نادي تراث الإمارات الدكتور ماهر القيسي ان جزيرة السمالية استوفت شروط المحمية الطبيعية الكاملة، وهي تشتمل على العديد من النباتات التي يندر العثور عليها خارجها، حيث كان وجودها ثمرة تخطيط علمي وجهود مضنية بذلت على مدى الكثير من السنين، وقد اعطى ذلك الجهد اكله، وأخذت الجزيرة ملامحها الحالية بكل ما تنطوي عليه من ثراء لوني وبذخ إحيائي. ويضيف القيسي شارحاً: تقوم الجزيرة بوظيفة حيوية على صعيد التوازن البيئي، كذلك فإن اشجارها، إضافة إلى دورها الطبيعي في تنقية الأجواء، تستجيب لتحدي احياء التراث الإماراتي فقد لعبت دورا رئيسيا في حياة الأسلاف الذين كانوا يعتمدون عليها في استخراج عطورهم، وفي الاستفادة من خشبها لبناء منازلهم. لا يقتصر ثراء السمالية على المخزون النباتي وحده، بل يتعداه نحو طيف واسع من الأحياء البرية كالغزلان والطيور بأنواعها، والأسماك أيضاً، إضافة إلى النحل، حيث تجد قطعاناً من الغزلان ترتع هانئة في أرجائها مطمئنة إلى كونها موضع عناية من المحيطين بها، ليس في عيونها التي كانت محط رحال الشعراء المتغزلين بنسائهم ما يوحي بحد ادنى من الخوف او الخشية، ثمة ما يدفعك للقول ان هذه المخلوقات التي ساقتها اقدارها نحو هذا المكان الأليف والآمن، إنما هي كائنات محظوظة مقارنة بقريناتها الساعية على امتداد الوقت للهروب من موت دائم التربص بها. نحو الأخلاق الفاضلة منذ ساعات النهار الأولى بدا سعيد علي المناعي، مدير إدارة الأنشطة والسباقات بالانابة في نادي تراث الإمارات، حريصاً على متابعة التفاصيل الدقيقة المتعلقة بسير الأمور في الملتقى منذ يومه الأول، ففي هذه اللحظات يجري وضع الخطط والتحضيرات التي استنزفت الكثير من الوقت والجهد خلال الفترة الماضية موضع التنفيذ، لم يطل به الوقت كثيراً حتى أدرك ومعاونوه أن التجهيز كان كافياً، وان العدد الإضافي من الطلبة المنتسبين الى الملتقى، والذي تخطى التقديرات الأولية، أمكن استيعابه بيسر، ولم يؤد إلى ارباك في الخطط المقررة. يقول المناعي: نحن نسعى إلى وضع الطالب على الطريق المؤدية إلى الأخلاق الفاضلة التي تخلق بها آباؤنا واجدادنا، نعلمه كيف يصبح رجلاً وفق نظام تربية الأسلاف، وننطلق في ذلك من مقولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، الذي دعا الى اعتبار العام 2008 عام الهوية الوطنية، حيث جرى وضع الاستراتيجيات الكفيلة بالاستجابة لهذه الدعوة السامية، ونحن نركز في سعينا هذا على جملة من المناقبيات في مقدمها حب الوطن، وتقدير أولياء الأمور، والاعتزاز بالزي الوطني، والفخر بالانتماء للوطن، والتعرف إلى الرموز الوطنية، وإلى حدود الدولة وانجازاتها الكثيرة. دروب المعاني يضيف المناعي: نعلم الفتية المنتسبين إلى ملتقى السمالية أموراً كثيرة نرى أنها ضرورية لصقل وعيهم التاريخي، وتوثيق الصلة بينهم وبين جذورهم الحضارية، نحن نعرفهم على أهازيجنا ورقصاتنا التراثية، وعلى كيفية صناعة اكلاتنا الشعبية أيضاً، كذلك نركز في باب “دروب المعاني” الذي يمثل محوراً جديداً ورئيسياً من محاور برنامجنا التثقيفي للعام الحالي على ترسيخ القيم الاصيلة التي كان اجدادنا يتحلون بها، ويتخذونها دليلاً سلوكياً لا يحيدون عنه، مهما قست عليهم الظروف، وكيفما سارت بهم الأيام، التي نعرف جيداً انها لم تكن ايام رخاء، كما هي الحال اليوم. لهذا نحن نرى انه حري بأبنائنا الذين يعيشون ظروفا اكثر سعة من تلك التي عاشها اسلافهم ان يقتدوا بأولئك الأسلاف في مكارم أخلاقهم، لا سيما بخصوص الصدق والأمانة والإخلاص والنخوة العربية، ناهيك عن الصبر وتحمل المشاق، منطلقين في ذلك من الحديث النبوي الشريف: “واخشوشنوا فإن النعم لا تدوم”. المشاركة أولاً يوضح المناعي أن قراءة الواقع النفسي والاجتماعي لجيل اليوم لا تغفل الإمكانات والطاقات المتعددة التي يتمتع به ابناؤه، ولا تتجاهل المقولة العلمية التي تحسم بأن لكل زمن دولة ورجالاً، فهذا الجيل له ما له وعليه ما عليه، لكن الملاحظة التي لا يمكن اغفالها ان شباب الراهن يعانون حالة متقدمة من الانكفاء نحو الذات على حساب التفاعل الجماعي المنتج، وتلك احدى الاشكاليات المفصلية التي تتصدى لها فعاليات ملتقى السمالية، حيث تأخذ على عاتقها مهمة تحفيز روح الفريق في اذهان المنتسبين للملتقى، اعتماداً على كون هذا التآلف الجماعي مطلب الناس منذ ان كانت البشرية، لكن المسارات التكنولوجية ونمط الانشطة الحياتية المتجهة نحو تقنية الكومبيوتر والتفاعل الالكتروني، حتى في جوانبها الترفيهية، سمحت بهيمنة نمط من الفردية على سلوك الشباب، لذلك تحرص الأنشطة المقترحة على تفعيل الحراك الجمعي في سياق التفاعل الطلابي مع مختلف الاهتمامات، بما في ذلك الجانب الترفيهي، حيث تلحظ الألعاب الالكترونية حتمية المشاركة، بما يقصي كل اثر للتفرد المشكو منه. المعلمون الأوائل أنشطة متنوعة اتخذت من مرافق جزيرة السمالية محطات لها في اليوم الأول من انطلاقة الملتقى لهذا الموسم، حيث اختير للأسبوع الأول شعار “عشق البحر”، انشطة مكثفة بما لا يدع فرصة للإحاطة الشاملة بها: فروسية، رماية، طيران الكتروني، الشراع، السفينة التراثية، ادوات الصيد. وفي الواجهة البحرية كان المدرب التراثي سعيد عبيد الرميثي يجلس محاطاً بعشرات الفتية، يعلمهم حرفة صناعة شبكة الصيد، بمهارة مميزة راحت الأنامل الواثقة لرجل يبدو تمرده على ضوابط العمر جلياً، تحوك الخيوط البيضاء لتحيلها شبكة متماسكة بمربعات فائقة التجانس، كما لو انها تعتمد قواعد هندسية لا تحتمل الخطأ، بسرعة مفاجئة أمكن للرميثي أن ينجز مساحة ليست بالقليلة من شبكة تبدو فائقة الاتساع، وبسؤالنا اياه عن اين ومتى تعلم هذه الحرفة النادرة، لم يجد بداً من اطلاق صيحة تعجب مردها بعد المسافة الزمنية التي يحيل إليها السؤال: “حصل هذا منذ زمن طويل.. منذ أن كنت صغيراً علمني والدي هذه الصنعة، وكنت اساعده في حياكة الشباك، ولاحقا صرت اصنعها لنفسي حيث كان الصيد وسيلة عيشي”! الفتية المحيطون بالرميثي بدى على وجوههم الكثير من تعابير الدهشة، فالواضح انهم يحتاجون الكثير من التعلم ليتمكنوا من تقليد الرجل، أما مجاراته في براعة الحبك فتلك مسألة أخرى. اتفاق مع الريح قريباً من مغزل الشباك كانت مجموعة أخرى من الفتية تقف منتظمة بانتظار الولوج نحو سفينة تراثية تبدو بالرغم من فعل الزمن بها محتفظة بكثير من نضارتها، لم يكن متاحاً التواصل مع ربانها الذي بدا منهمكاً في تنظيم اماكن الجلوس، لكن الطريقة السلسة التي استدارت بها السفينة قبل ان تأخذ طريقها في المياه كانت كافية للتيقن من كون الايدي التي توجهها تتمتع بالكثير من الخبرة والمهارة، وأيضاً من كون قطعة الخشب القديمة هذه، التي يظن الناظر اليها انها تصلح للعرض بالمتاحف فقط، لا تزال تمتلك قدراتها التشغيلية كافة، كما لو انها صنعت لتوها، ومجددا تتجه الأفئدة نحو اولئك الأسلاف الذين اخذوا على عواتقهم مهام تذليل الصعاب، وقد فعلوا واجادوا. غير بعيد من المكان كان الشراع البحري يفرد جناحه للريح مقيما معها ما يشبه حالة من الانسجام، اتفاق ودي اولي قد جرى ابرامه تواً يقضي بأن تسيَّر الرياح زورقاً ضئيل الحجم اعتماداً على شراع مرن يقبل التحول تبعاً للمزاج المناخي، هكذا مشت الزوارق البلاستيكية واثقة من قدرتها على بلوغ الهدف، بالرغم من تواضع حجمها، بل الأصح أن يقال بسبب من ذلك الحجم المتواضع. الخيل أيضاً هناك أيضاً في الملتقى نشاط الفروسية، ذلك أنه من البديهي أن يجري إعداد فتيان اليوم، ورجال الغد، للتفاعل مع هذه العادة العربية المتأصلة، والتي لا تقتصر على كونها مهارة بدنية فقط، بل تؤول نحو أن تصبح نمطاً سلوكياً متميزاً، يختزن الكثير من السمات الأخلاقية الرائدة، فأن يكون المرء فارساً يعني أن يتمثل عادات الفرسان وسلوكياتهم، وأن يستعيد ذلك المخزون التراثي الوافر الذي تزخر به الذاكرة العربية عن مناقبية الفرسان وشجاعتهم، وايثارهم للتضحية في سبيل الغير. يقول مدرب الفروسية عزيز الراشدي إن الخيل تحتاج لأن يتفاهم معها المرء قبل أنه يقترب منها، لأنها قد لا تكون مطواعة في حال عدم احترام، هكذا يوضح الراشدي أنه وزملاءه يدربون الفتية الراغبين في التعامل مع الخيل على التقرب منها قبل الاقتراب منها، وأن تتم مناداتها باسمها من قبلهم، والتربيت على بعض أجزاء جسدها بقدر من العطف، ذلك كله يجعل الفرس أو الحصان يبدي سلاسة وانقياداً ضروريين للتعامل معه دون خشية من مفاجآت سلبية. الراشدي يوضح أن بعض الخيل قد يكون من ذوي الطبيعة الحارة، مما يعني احتمال قيامه بردود أفعال عنيفة في بعض الحالات، وهو ما يجري تدريب القادمين إلى عالم الفروسية على التعامل معه، كذلك يصار إلى تعليمهم كيفية التسريج، أو ربط اللجام، إضافة إلى السير بسرعات متعددة، مشيراً إلى أن فترة ثلاثة أشهر من التدريب، قد تكون كافية لأن يعتمد المرء على نفسه في التعاطي مع الخيل، أما الفروسية الحقيقية فتحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير.
المصدر: أبوظبي
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©