الاتحاد

عربي ودولي

«وول ستريت جورنال»: حملة قطرية لشراء ولاء 250 من المقربين لترامب

قطر استهدفت 250 من المؤثرين على ترامب لتغيير سياسات الولايات المتحدة

قطر استهدفت 250 من المؤثرين على ترامب لتغيير سياسات الولايات المتحدة

دينا محمود (لندن)

كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية النقاب عن تفاصيل صادمةٍ بشأن الجهود المحمومة التي تبذلها قطر منذ أكثر من عام لدفع إدارة الرئيس دونالد ترامب لتغيير سياساتها حيالها، عبر إنفاق أموالٍ طائلةٍ تستهدف من خلالها كسب تأييد عددٍ كبيرٍ من المقربين لترامب للتأثير على توجهات إدارته.
وفي تقريرٍ إخباريٍ مطولٍ بعنوان «جهود الضغط الجديدة: قطر استهدفت 250 من «المؤثرين» على ترامب لتغيير سياسات الولايات المتحدة»، وكتبته جولي بيكوفيتش، أكدت الصحيفة أن «نظام الحمدين» شن «حملةَ ضغطٍ غير تقليدية» للحصول على تأييد «رئيس أميركي غير تقليديٍ» بدوره، في إشارةٍ إلى ترامب.
وروت «وول ستريت جورنال» في تقريرها كيف استخدمت الدوحة في حملتها المشبوهة هذه شخصياتٍ مثل «جوي اللحام»، وهو مستثمر سوري المولد عَمِل سراً لحشد الدعم لصالح النظام القطري في أميركا على مدى شهور، قبل أن يُجبر في يونيو الماضي على تسجيل نفسه لدى السلطات في واشنطن كعميلٍ أجنبيٍ مُمثل لهذا النظام.

معبد مانهاتن
وأشارت إلى أن من بين أوائل المهام التي قام بها اللحام في هذا الإطار إقناعه المحامي الأميركي البارز في مدينة نيويورك آلان إم. دورشويتز بزيارة الدويلة المعزولة بدعوة من أميرها تميم بن حمد، وذلك بعدما قدم له عرضاً على ذلك الصعيد خلال زيارة قام بها لمعبد يهودي في حي مانهاتن أواخر العام الماضي.
وبحسب تقرير الصحيفة، قال دورشويتز إنه أحجم عن القبول في البداية قبل أن يغير موقفه فيما بعد دون أن يعلم أن اسمه كان من بين «250 اسماً»، قال اللحام إنه حددهم هو ونيكولاس ميوزِن شريكه في النشاط الخاص بشن حملات الضغط، على أنهم من الشخصيات ذات النفوذ والتأثير في فلك ترامب».
وأوضح التقرير أن ميوزِن - وهو محام ومساعد كبير سابق للسناتور الأميركي تيد كروز- كان من بين مستشاري الحملة الرئاسية لترامب حتى تحقق لها النصر. وأشار إلى أن هذا الرجل رتب لأن يُدعى اللحام لحضور مراسم تنصيب الرئيس الأميركي الحالي مطلع 2017.
وأكدت «وول ستريت جورنال» أن القائمة التي وضعها الرجلان شكلت جزءاً من «نمط جديد من أنماط حملات حشد التأييد تبنته قطر» بعدما وقف الرئيس الأميركي إلى جانب الدول العربية الأربع التي فرضت على الدوحة تدابير عقابية صارمة في الخامس من يونيو من العام الماضي.
وأشارت الصحيفة إلى أن «نظام الحمدين» حاول من وراء مساعيه تلك «استعادة العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة» حسبما قال اللحام، وذلك بناء على اعتقادٍ مفاده بأن نجاح القطريين في كسب دعم الشخصيات المؤثرة على الرئيس ترامب، سيجعله هو يحذو حذوهم في نهاية المطاف.
وقال المستثمر السوري الأصل إن الهدف كان «خلق حملة.. وفهم الكيفية التي يفكر بها (ترامب) بأقصى قدرٍ ممكن». واعتبرت الصحيفة الأميركية أن الطابع غير التقليدي للحملة القطرية هذه، تماشى مع طابع الرئيس الأميركي نفسه الذي يتسم بدوره «بالبعد عن التقليدية». وأشارت إلى أن تلك الحملة أظهرت «كيف غير الرئيس ترامب قواعد اللعبة على ساحة» حملات الدعاية والتأثير وكسب النفوذ.
وأوضحت في هذا السياق أن محاولة نظام تميم شراء ولاء المقربين من سيد البيت الأبيض وأصدقائه، جاء بفعل اعتماد الرئيس الأميركي في أغلب الأحيان على «نصائح الأصدقاء والرفاق»، وهو ما جعل «جماعات المصالح تقضي الشهور التسعة عشر الماضية في إعادة توجيه عمليات حشد التأييد الخاصة بها، لتتضمن الأساليب الجديدة التي استخدمتها بث إعلاناتٍ خلال البرامج التليفزيونية المفضلة لترامب، وإقامة صلاتٍ مع الأشخاص الذين يتحدثون معه».

«خطة شاذة»
وأبرزت «وول ستريت جورنال» إنفاق النظام القطري 16.3 مليون دولار على حملاته تلك على الساحة الأميركية خلال عام 2017 وحده «وهو العام الذي فُرِضت فيه المقاطعة»، ما يشكل زيادةً كبيرةً مقارنةً بميزانية هذه الحملات في العام السابق لذلك مباشرة. وقال تقرير الصحيفة إن عدد شركات الدعاية والعلاقات العامة التي توظفها الدوحة في الولايات المتحدة بشكلٍ مباشر، وصل بحلول يونيو الماضي إلى 23 شركة مقارنة بسبعٍ فقط في 2016، وذلك بحسب سجلات السلطات الأميركية نفسها. ومن بين هذه الشركات وخبرائها، أشخاص ذوو صلاتٍ بالرئيس ترامب، وآخرون تم الاستعانة بهم لاستمالة تأييد أعضاء الكونجرس وممارسة ضغوط عليهم، وعلى مسؤولين كبار في الإدارة.
وقالت الصحيفة إن النظام القطري اتخذ على هذا الصعيد مسلكاً «شاذاً» تمثل في إيلاء الاهتمام بـ«أصدقاء للرئيس (الأميركي) ومقربين منه، ومعجبين به لديهم وضعٌ جيدٌ» على الساحة السياسية في الدولة الأكبر في العالم، ضاربةً المثل بالتقرب من شخصية مثل دورشويتز وغيره «ممن يُعرفون بأنهم يستحوذون على أُذن الرئيس سواء بشكلٍ رسميٍ أو غير رسمي»، على حد تعبير جوي اللحام.
وأقر هذا الرجل بالمسؤولية مع ميوزِن عن إعداد هذه القائمة ومفاتحة الشخصيات المُدرجة عليها، ما أدى إلى إرسال 24 منهم على الأقل إلى الدوحة، في زيارات تمت تغطية تكاليفها بل ودفع أموالٍ لبعض من قاموا بها بشكلٍ مباشر.
وبجانب المحامي النيويوركي البارز، كان من بين من قاموا بهذه الزيارات المثيرة للجدل للعاصمة القطرية مايك هاكابي المتنافس السابق على نيل ترشيح الحزب الجمهوري لخوض السباق الرئاسي الأميركي، والذي كان من قبل حاكماً لولاية أركنساس، بجانب مقدم البرامج الإذاعية ذي التوجهات المُحافظة جون باتشيلَر.
كما رتب اللحام وميوزِن - كما قال التقرير - اجتماعاتٍ عُقِدت في الولايات المتحدة، وجمعت مسؤولين قطريين ببعض المقربين من ترامب، ومن بينهم ستيف ويتكوف الذي يعمل في مجال التطوير العقاري بنيويورك «وليس له تاريخٌ في العمل السياسي».
ونقلت «وول ستريت جورنال» عن ستيف بانون كبير المخططين الاستراتيجيين سابقاً في الإدارة الأميركية قوله إن قطر حاولت شراء ولاء كل الشخصيات المؤثرة على إدارة ترامب «وزعماء اليهود (في البلاد) والأشخاص القريبين من الرئيس».

مراوغة قطرية
وفي إشارةٍ واضحةٍ إلى ضعف موقف «نظام الحمدين»، قالت الصحيفة الأميركية المرموقة إن جاسم آل ثاني المتحدث باسم السفارة القطرية في واشنطن أحجم عن الحديث عن أي شيءٍ محددٍ يتعلق بحملات التضليل التي شنتها بلاده في أميركا، بل وأقر بأنه «لا يشكك في إفادات اللحام وميوزِن» في هذا الشأن.
وجنى الرجلان ثلاثة ملايين دولار من وراء تسخير جهودهما الدعائية لصالح قطر، حسبما تكشف السجلات الحكومية الأميركية. وكشفا عن أن السلطات القطرية «ناشدت» الزوار الذين حطت طائراتهم في الدوحة بفعل هذه الجهود العمل على تحسين صورة الدويلة المعزولة. واعتبرت «وول ستريت جورنال» أن حملات كسب الولاء السياسي المشبوهة هذه، قد تكون من بين أسباب استقبال تميم في البيت الأبيض في أبريل الماضي، وتجميد مشروع قانونٍ كان يجري تداوله في الكونجرس ويصف قطر بأنها «دولةٌ مُمولةٌ للإرهاب».
ونقلت تقرير الصحيفة عن كريستيان كوتس أولريخسن الباحث المتخصص في دراسات الشرق الأوسط بجامعة رايس الأميركية قوله إن قطر سعت إلى الوصول «للأشخاص الموجودين في الفقاعة المحيطة بالرئيس» ترامب.
وفي مؤشرٍ يشكل إحراجاً شديداً للسلطات في الدويلة المعزولة، قال التقرير إن بعض من سافروا إلى الدوحة ومن بينهم المحامي دورشويتز «قالوا إنهم يشعرون بأنهم خُدِعوا لأنهم لم يعلموا سلفاً أن الزيارات كانت جزءاً من حملة حشد تأييدٍ ترعاها الدولة القطرية». ولكن اللحام وميوزِن زعما بأنهما لم يضللا أحداً، وهو ما يوحي بوجود انقسامٍ عميقٍ في الوقت الراهن بين من سعى «نظام الحمدين» لتوظيفهم وشرائهم بأمواله.
وأكدت الصحيفة أن «التحدي القطري كان واضحاً منذ وقت مبكر من عهد إدارة ترامب»، مُشددةً في هذا الإطار على أن دولة الإمارات والسعودية ارتبطتا مع هذه الإدارة بعلاقاتٍ أفضل من تلك التي ربطت واشنطن وقتذاك بالدوحة. ومن بين الأدلة التي ساقها تقرير الصحيفة في هذا السياق الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي في مايو 2017 إلى الرياض للالتقاء بقادة المنطقة لبحث سبل مكافحة تمويل الإرهاب وقضايا أخرى، وذلك بحضور أمير قطر. وبحسب «وول ستريت جورنال»، أكد بانون ومسؤولٌ سابقٌ آخر في البيت الأبيض أن القطريين انتهجوا خلال اجتماعات الرياض تلك سلوكاً «غير متعاون». وبعد أيامٍ قليلةٍ من هذه اللقاءات، فُرِضت الإجراءات العقابية على قطر، ليصفها ترامب في مؤتمرٍ صحفيٍ بأنها «ممولٌ للإرهاب».

إنفاق متهوس
وألمحت الصحيفة الأميركية إلى أن هذه الانتقادات القوية دفعت نظام تميم بعد أيامٍ قليلة إلى إبرام عقدٍ تتلقى بمقتضاه استشاراتٍ قانونيةً وخدماتٍ في مجال الدعاية وحشد التأييد، مع شركةٍ مملوكةٍ لوزير العدل السابق جمهوري التوجهات جون أشكروفت مقابل 2.5 مليون دولار.
ولم تكتف الدوحة بذلك بل سارعت في يوليو 2017 للتعاقد مع شركةٍ أخرى تعمل في مجال الدعاية والتأثير أيضاً، وتحمل اسم «أفينيو ستراتيجيز» ويملكها «باري بينيت الذي كان يوماً مستشاراً لحملة ترامب، إذ تم في نهاية المطاف إقرار عقدٍ (بين الجانبين) بقيمة 6 ملايين دولار سنوياً، حسبما تُظهر سجلات الشركة». وأقر بينيت بأن مهمته الرئيسة كانت تتمثل في «تطوير الاستراتيجية التي تتبناها قطر على المدى البعيد في الولايات المتحدة».
وكشف تقرير الصحيفة الأميركية كذلك عن أن التعاقد الأخير تزامن مع وضع اللحام وميوزِن «اللذين تعارفا من خلال الدوائر اليهودية جمهورية النزعة (في الولايات المتحدة) خطةً سريعة التأثير، بهدف طرحها على القطريين»، وهي الخطة التي تتضمن كسب تأييد الشخصيات الـ 250 سالفة الذكر.
وأقر الرجلان بأن القطريين وافقوا على هذا المقترح، وأصبح المحامي آلان إم. دورشويتز هدفهما الأول، مع أنه لم يكن عضواً في الكونجرس أو مسؤولاً في الإدارة، إذ جذب دورشويتز الانتباه بفعل إشادة الرئيس ترامب به باعتباره «محامياً جيداً.. وفقيهاً قانونياً».
وقال المحامي النيويوركي المعروف إنه كانت لديه تحفظاتٌ على زيارة قطر بسبب إيوائها لقيادات جماعاتٍ متشددةٍ، ولكن اللحام طمأنه زاعماً أن النظام الحاكم هناك «جادٌ في تغيير» سياساته.
وأبرزت «وول ستريت جورنال» المديح الذي كاله المحامي -المؤيد لإسرائيل بشدة- للدويلة المعزولة بعد انتهاء زيارته لها في يناير الماضي، واصفاً إياها بأنها «تتحول بسرعة إلى إسرائيل الخليج»! وأشارت الصحيفة كذلك إلى أن هذا الرجل - الذي رفض الحديث عن أي مدفوعاتٍ حصل عليها خلال زيارته لقطر - كرر هذه الزيارة في مارس لإلقاء محاضرة. ونقلت عنه قوله إنه لو كان يعلم أن الغرض من وراء دعوته للقيام بهذه الزيارات، التأثير على الرئيس الأميركي «لما قام بها من الأصل».
يناير الماضي شهد كذلك زيارة هاكابي - المناصر المتحمس بدوره للسياسات الإسرائيلية اليمينية المتشددة - وذلك بعد مفاتحةٍ من جانب ميوزِن. وقالت «وول ستريت جورنال» إن الحاكم السابق لأركنساس والذي تشغل ابنته الآن منصب المتحدث باسم البيت الأبيض، نشر بعد الزيارة تغريدةً أغدق فيها بالإشادة على الدوحة. وقد تبين فيما بعد أن هاكابي حصل على 50 ألف دولار من اللحام على خلفية هذه الزيارة.
وتطرقت الصحيفة كذلك إلى تفاصيل سعي عملاء قطر في الولايات المتحدة لإقناع المذيع الأميركي اليميني باتشلُر بزيارة الدويلة المعزولة، مُشيرةً إلى أن اختيار اللحام وميوزِن وقع على هذا الرجل بعدما عَلِما أن الرئيس ترامب يستمع إلى برنامجه في بعض الأحيان، وأن البرنامج يستضيف مسؤولين في الإدارة الأميركية، وهو ما أدى إلى إتمام زيارةٍ مشبوهةٍ ثالثةٍ إلى العاصمة القطرية في يناير كذلك.
وعكست جهود شراء الولاء تلك نفسها في صورة تصريحاتٍ مثيرةٍ للجدل وردت على لسان المذيع الأميركي بعد ذلك، وقال فيها إن قطر تصلح لأن تكون حليفاً لبلاده.
وحرصت «وول ستريت جورنال» على الإشارة إلى أن غالبية من وردت أسماؤهم في تقريرها، لم يردوا على طلباتها لهم بالرد والتعقيب على ما جاء بشأنهم.
ومن بين الشخصيات التي سعى عميلا نظام تميم لتجنيدها أيضاً، كريس رودي وهو صديقٌ مقربٌ من ترامب يمتلك مجموعةً إعلامية ذات توجهاتٍ مُحافظة. وقد سعى القطريون إلى شراء حصة في هذه المجموعة قبل أن تنهار المحادثات المتعلقة بهذا الأمر بعدما كُشِفَ عنها النقاب إعلامياً.
كما كشف تقرير «وول ستريت جورنال» عن فشل المحاولات القطرية لكسب تأييد بانون مستشار ترامب السابق، رغم أن الدوحة عرضت عليه - عبر جوي اللحام - تمويل مشروعاته.
ولم يفت التقرير الإشارة إلى أن الكثير من تفاصيل الحملات القطرية الدعائية المُضللة تكشف بفعل أوامر قضائية صدرت في أميركا خلال نظر دعوى رفعها إليوت بريودي رجل الأعمال البارز والصديق المقرب من الرئيس الأميركي، واتهم فيها النظام الحاكم في الدوحة بالوقوف وراء عملية قرصنة إلكترونية تعرض لها قبل شهور.

اقرأ أيضا

الجيش الأميركي سيجري تحليقاً استطلاعياً بطائرة فوق روسيا