الاتحاد

ثقافة

الفلسفة.. طبيب يداوي الإنسان

محمد نجيم (الرباط)

أصدر الباحث وأستاذ الفلسفة بجامعة تلمسان بالجزائر محمد شوقي الزين، الترجمة العربية لكتاب المفكر والفيلسوف الفرنسي جون غرايش الموسوم بـ«العيش بالتفلسف».
ويعتبر كتاب «العيش بالتفلسف: تجربة فلسفية، تمارين روحية وعلاجيات النفس»، من الكتب المهمة التي ألفها جون غرايش، وفيه يسلط الضوء على ما للفلسفة من مكانة في نفس الإنسان تنير له السبيل، فالفلسفة، برأي المترجم، كانت مدى قرون طباً روحياً وأصبحت طباً فلسفياً مع المحاولات والتأويلات المعاصرة مع ميشال فوكو وبيير هادو وأندري جون فولكه ومارتا نوسبوم، وغيرهم.
في أكثر من 500 صفحة، يتناول غرايش بالدرس والتحليل والمقارنة التاريخية أهم الوجوه الفكرية التي جعلت «الطب الفلسفي» ليس فقط الموضوع المباشر للبحث، لكن أيضاً الدافع والمحفّز، وفي الوقت نفسه، المنهج والمضمون، اللوحة والفكرة، المجال والوسيلة، إلخ. الاطلاع على الفهرس يُنبئ عن غزارة في المادة وقوة في الفكرة، بالمقارنة مع مبحث لم نعره اهتماماً كافياً، على الرغم من أننا نعيش عصراً سقيماً وهشاً، وعنيتُ بذلك «التداوي بالفلسفة» أو الطب الفلسفي.
ويرى الزين في توطئة الكتاب أن سبر أغوار النفس وانفعالاتها من أفلاطون إلى ديكارت، أضحى اليوم الضرورة والمهنة أمام المحن التي يجابهها الإنسان المعاصر: الألم، العنف، الإرهاب، الموت... كيف تساهم الفلسفة في اختراع طب فلسفي يأخذ بالعناية والرعاية الإنسان في وحدته الذاتية والأنطولوجية؟ لمباشرة هذا العمل العيادي في فحص الأعراض والعمل الطبي في تشخيص العاهات والأمراض، يضع غرايش على طاولة التشريح منظومة الفلسفة من وجهة نظر انعكاسية (‏réflexivité)، بمعنى: كيف تنظر الفلسفة إلى ذاتها وأدواتها؟ هل هي نسق من المعارف والمعاجم، لها مدارس ومذاهب، وفي هاته الحالة نتكلَّم عن «الفلسفة» بهوياتها النظرية والفكرية والإيديولوجية؟ أم هي القُدرة على التفكير في ما يصدم الوعي أو يصطدم به على سبيل الحدس أو الإدراك، ونتكلَّم هنا عن «التفلسف» بهوايته في التأمُّل والتفقُّه وتدبير المعيش؟.
ويرى المترجم محمد شوقي الزين، أن اهتمام غرايش كان منصباً على هذا الفارق الجوهري، الإبستمولوجي والأنطولوجي معاً، بين الفلسفة والتفلسف، والأشكال التي اتَّخذها في التحوُّل التاريخي للخطاب الفلسفي. لقد كان الخيار في هذا الفارق بين المذهب والمنهج، أو بين «الفكرة» وقد تجسَّدت في منظومة أو مدوَّنة أو تيَّار فكري، و«الطريقة» في سلوك نمط معيَّن من المعيش، يقوم على ما سمَّاه بيير هادو (الرياضات الروحية‏ -exercices spirituels ) بما توفره من أدوات التأمُّل والاستبطان والزهد، وطرائق «استملاك الذات». لقد كان السؤال الذي راود جمهور الفلاسفة: هل نتحدَّث عن الفلسفة بوصفها «فن العقل»، وعن الفيلسوف (فنان العقل (artiste de la raison- ، شريطة أن نفهم «الفن» بالمعنى العريق أي الوسيلة في تشييد منظومة متكاملة من المقولات والمفاهيم؟ أم نتحدَّث عن الفلسفة بوصفها الميل الطبيعي والروحي نحو التحلّي بالحكمة وعن الفيلسوف باعتباره «محب الحكمة أو صديقها» تبعاً لبعض الاشتقاقات في الكلمة (فيلوسوفيا- (philosophia؟
إذا كان الغرض تشكيل طب فلسفي يأخذ بالعناية الوحدة الذاتية والأنطولوجية للإنسان، فإن «صيوان الحكمة» (بتعبير أبي يعقوب السجستاني) تليق به ليسكن فيها ويحتمي بها، وليس «فن العقل»، بمعنى الطريقة الروحية في العيش بالتفلسف وليس النمط العقلي في تركيب الأنساق النظرية المجرَّدة. المسألة هي قضية معيشة وحكمة عملية‏ (phronèsis) بالمعنيين الأفلاطوني والأرسطي، تعتبر الإنسان وحدة أنطولوجية ووجدانية لا يمكن اختزالها في عقل مفكّر أو تخمين مدبّر. بهذا المعنى، جاء تحديد التفلسف على أنه «أسلوب في العيش» (style de vie)، يدل على «طريقة جديدة في قيادة الحياة أو إدارتها». باعتماده على نصوص هادو حول التعريف العريق لظاهرة التفلسف، عمد غرايش إلى النظر في التفلسف على أنه طريقة في العيش تبتغي السلوك العملي، قبل أن تكون مسلكاً نظرياً متشعّباً من التحاليل والتراكيب العقلية المجرَّدة والمعقَّدة.

اقرأ أيضا

فضاءات وأبعاد وأسئلة تحت سقف التجريب.. «فن أبوظبي» جدلية الحياة