صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الجاحظ والبصرة.. النبع والمصبّ

د. إياد عبد المجيد إبراهيم

د. إياد عبد المجيد إبراهيم

أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (150 - 255هـ) ابن البصرة اللامع، نابغة العلم الذي اكتمل على يديه الأسلوب الفريد المتميز الذي طبع الكتابة العربية بطابعه الفذ منذ ظهر إلى يوم الناس الذي نعيش.
وهو الذي اكتمل على يديه النثر العربي في أبهى صوره.. كانت ثقافته وأفكاره ومشاعره وأحاسيسه عربية.. فقد ولد في البصرة، وهي يومئذ حاضرة الدنيا وقبلة الإسلام، وامتدت حياته الحافلة المعطاء بين منتصف القرن الهجري الثاني ومنتصف القرن الهجري الثالث، وهي فترة من أزهى فترات العصر الذهبي للخلافة العباسية عامة والبصرة بخاصة. فقد كانت الحياة الثقافية في البصرة في أوج ازدهارها ونمائها، وفيها ظهر أكبر العلماء وأساتذة كل فن وأدب، وتفردت بمربدها العظيم، ومسجدها الجامع، وكثرت مكاتبها وأسواق الكتب بها، وشهدت البصرة عقلية خصبة لم تشهدها مدينة مثلها. “وتعد البصرة في المجال الفكري موطنا للمذاهب العقلية، ففيها نشأت القدرية وتبعها فيما بعد الاعتزال، وفيها نشأت مدرسة النحاة واللغويين التي تمثل العقلية بنزوعها نحو التنظيم وطرق الاستنتاج القياسية المطبقة على فقه اللغة، ونجد هذا الاتجاه النحوي واللغوي في كتاب سيبويه وكتاب العين للخليل بن أحمد اللذين يعدان مع كتابي البيان والتبيين والحيوان للجاحظ مفخرة أهل البصرة” (الجاجظ في البصرة وبغداد وسامراء 176). وقد كان الجاحظ مدينا بتفكيره وطريقته الجدلية للمعتزلة خاصة، وهو مدين لكبار الشيوخ الذين درس عليهم وهم أبوزيد وأبوعبيدة والأصمعي، كما تأثر الجاحظ بالمسجديين فضلا عن أثر المربد والمسجد الجامع والمنتديات الأدبية وسوق الوراقين.

الشفاهية والتدوين
وإذا كانت بنية الثقافة العربية بنية شفاهية، فإن الثقافة انتقلت من الشفاهية إلى التدوين، ومن التدوين إلى الكتابة التي مارسها العرب منذ العصر الجاهلي في جوانب الحياة المختلفة ثم نشأت صناعة الوراقة، وقامت في البصرة منذ أواسط القرن الأول سوق للوراقين، كما تفيدنا وصية المهلب لبنيه (الحيوان 1/52) فاتجه العلماء بعلمهم إلى تلاميذهم وقرائهم معا حين أخذت الكتب تنتقل من طور التدوين المطلق، فقد حكى الجاحظ عن ذي الرمة أنه قال لعيسى بن عمر الثقفي: “اكتب شعري فالكتاب أحب إلي من الحفظ لأن الأعرابي ينسى الكلمة وقد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها ثم ينشدها الناس. والكتاب لاينسى ولا يبدل كلاما بكلام”. (الحيوان 1/41). وهذا جعل الكتاب يأخذ مكان الذاكرة في رواية الشعر وتخليده، ويظهر أن ذلك بدأ في البصرة في عهد مبكر في أيام زياد بن أبيه (الجاحظ حياته وآثاره 143) كما هيأ للترجمة أن تأخذ مكانها الظاهر في الحياة العقلية في البصرة.
وفي جو تعقدت فيه مظاهر الحياة العقلية في البصرة وكثرت التيارات الأدبية والعلمية يمضي الجاحظ دون أن يعفيه فقره لتلقي مبادئ القراءة والكتابة ويتعلم ما كانت الكتاتيب تقوم إذ ذاك بتعليمه لصبيان الطبقة الدنيا، وكانت الحوافز المختلفة تحفز الرغبة في القراءة وتنشطها، فكانت هذه الرغبة الملحة تستثير النشاط في المؤلفين، كما تستثير نشاط الوراقين بعد أن أجاز رجال الحديث الشريف التدوين على حذر وحرج شديد، وكانوا في الصدر الأول يمنعون الكتابة ويكرهون أن يأخذ العالم علمه من الكتب، وقدموا السماع والحفظ على الكتاب.
لقد أشبعت سوق الوراقين نَهم الجاحظ إلى القراءة والاطلاع وأتاحت لهم فرصة التزود بثقافة منوعة خصبة، ووقف بفضلها على كثير مما ترجم إلى العربية من اللغات الأخرى، وقد تتبع الدكتور طه الحاجري مسيرة الجاحظ تتبعا دقيقا في أطوراها المختلفة في البصرة وبغداد وسامراء، وربط بين ظروف الجاحظ في كل طور من تلك الأطوار وبين ما ألفه فيه من كتب ورسائل.
لقد اتخذ الجاحظ من الكتاب أستاذا يصحبه حيثما ذهب يقبل عليه إقبال من أحسَّ الحرمان، يلتمس فيه ما فاته في غيره من لهفة وإلحاح. ولعل حياته المكدودة المضطربة في أوائل نشأته كانت من العوامل الخطيرة في تكوين شخصيته، فانصرف إلى دكاكين الوراقين ليجد فيها ألوانا مختلفة من المعرفة وصورا عدة من الحياة العقلية والأدبية تغريه بالاستغراق فيها وتجعل عقله الناشئ يتفتح ويتوثب فقد حدث أبو هفان أنه قال: “لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان حتى أنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر”. وقال عنه إسماعيل بن أسحق القاضي: “فإني ما دخلت إليه إلا رأيته ينظر في كتاب أو يقلب كتبا أو ينفضها” (معجم الأدباء 6/56). وهذان الخبران يومئان إلى عناية الجاحظ بالكتب وحبه لها. وقد ظل الجاحظ طوال حياته مشغوفا بالقراءة لا يكاد يملها أو ينصرف عنها بما أتاحته له البصرة من ذلك الحب للكتاب حظا موفورا نرى صورته في رسالته الجد والهزل. كما أن هذا الحب للكتاب جعله يؤثر صناعة التأليف التي جعلها وكده وهمه.. كما هيأت له بعض الظروف لاحقا أن يكون من أكثر علماء عصره إحاطة بالمعارف نذكر منها شأن الدولة مع العلماء والمؤلفين، فقد ورد في عن أبي عثمان المازني: “ثم انصرفت إلى البصرة فكان الوالي يجري عليّ المائة دينار في كل شهر حتى مات الواثق” (معجم الأدباء 7/119). وقد وجد الجاحظ في الفتح بن خاقان العماد الذي يعتمد عليه في حياته، والرعاية الأدبية التي تكفل له أن يعيش هادئ البال مطمئن الخاطر منصرفا إلى الأدب والكتابة والتأليف، حتى نافت كتبه على مائة وسبعين كتابا كما جاء في لسان الميزان (4/135)، ويقول المسعودي أنه: “لايعلم أحدٌ من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه” (مروج الذهب 4/135)، ورجح الأستاذ عبد السلام هارون كتب الجاحظ عن زهاء ثلاثمائة وستين مؤلفا في ألوان شتى من المعرفة رأى أكثرها في مشهد أبي حنيفة ببغداد سبط ابن الجوزي، المتوفى سنة 654هـ، إلا أن هذه الكتب تعرضت للضياع بعد أن عصفت بها أعاصير الخلاف المذهبي، وإلى الخمود الذهني وهبوط الهمم والفوضى السياسية التي منيت بها الأمم الإسلامية في مسائها الأول.
لقد تداخلت بعض رسائل الجاحظ واختلطت عنواناتها، فكان ذلك سبباً في اختلاف العلماء في عدد مؤلفاته التي كانت سجلا للتراث العربي الإسلامي تحدث فيها بأسلوب مجدد عن طبقات المجتمع وأصنافه المختلفة عن العرب والعجم والمسلمين وأهل الأديان الأخرى، وعن الأشراف والعلماء واللصوص والمتسولين والمكدين والصيارفة وملاك البيوت والمستأجرين، وعن الحياة الأسرية والعلاقات الروحية والحرائر والجواري والمولدات والقيان، ومجالس الشرب وأنواعه والسكارى وماكان يعتريهم من السكر على اختلاف درجاته وما يعتري بعضهم من هوس واضطراب، كما تحدث عن المغنين والمغنيات ومجالس الطرب وأنواع الملاهي، وعن التعليم والمعلمين والأدباء والشعراء والقصاص والخطباء والمعوقين من العميان والعرجان والبرصان والبخلاء ونوادرهم الخ.. ولو أراد الباحث أن يحيط أو يستقصي الموضوعات التي كتبها الجاحظ لشق ذلك عليه.
لقد أشار الجاحظ إلى ترفع السادة الفاتحين عن العلم مؤكدا أن ذلك سبيل الموالي يلتمسون فيه الكسب وأسباب العيش. وأورد إشارات إلى ذلك في البيان والتبيين. كما أشار الجاحظ إلى تعقد مظاهر الحياة في البصرة وتنوع صبغتها فهو يقول مثلا عن إسحق بن سليمان الهاشمي حين دخل عليه بعد عزله عن إحدى الولايات التي كان يليها: “وإذا هو في بيت كتبه وحواليه الأسفاط والرقوق والقماطير والدفاتر والمساطر والمحابر” (الحيوان 1/61).
وأورد الجاحظ قطعة من قصيدة لمحمد بن يسير (الحيوان 1/94) قالها في صفة الكتب وهي تعرض علينا ما كان بعض الناس كهذا الشاعر يتعرضون له من أزمات نفسية تصرفهم عن المجتمع وتدفعهم إلى حياة العزلة وتغريهم بالقراءة.. وبذلك يؤدي الكتاب غرضا جديدا فهو لم يعد حاجة مادية أو عقلية فحسب؛ بل أصبح فوق ذلك حاجة نفسية للتنفيس والتسرية وتلطيف أوزار القلق النفسي والتطهر من الأوضار الإجتماعية، يقول عنه الجاحظ: “الصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب” (الحيوان 1/51).

السماع والنقل
لقد جمع الجاحظ بين مصادره السمعية والنقلية وكان يعول على الثقات في المصدرين يستمع إليهم وينقل ما يسمعه بأمانة ودقة، فضلا عن الرافد الثالث وهو السماع عن الأعراب الذين يترددون على المدن، إذ ليس لدينا دليل واضح على توجه الجاحظ إلى البادية، وكان قد سمع الأعراب في البصرة وبخاصة في المربد كما سمع الأعراب في الكوفة، وله رأي فيهم حيث يقول: “وليس الأعرابي بقدوة إلا في الجر والنصب والرفع وفي الأسماء. وأما في غير ذلك فقد يخطئ فيه ويصيب” (الحيوان 2/150) فهو يحتج بهم في اللغة والفصاحة وأنهم ليسوا بحجة على العلماء الثقات في رواياتهم.. وفي تراثه تطالعنا عدة أسماء لبعض الأعراب ممن أخذ عنهم، وقد اشترط أن يكون الإعرابي لا يعرف القراءة والكتابة.. وقد أفصح عن قيمة الرواية السماعية ومميزاتها في قوله: “فالإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه” (الحيوان 1/55) ويبدو أن اهتمام الجاحظ بالرواية السماعية يعود إلى عاملين مهمين:
الأول، أن الكتب والمدونات في عصره لم تحو سوى جزء محدود من تراث العرب، أما الجزء الأكبر منه فقد تم حفظه وتوارثه مشافهة بين الرواة. فضلا عن وثوقهم بالرواية المسموعة عن عالم من العلماء أكثر من وثوقهم بالرواية عن الكتب.
الثاني، أن طريقة إسناد الرواية الأدبية اعتمدت الإسناد المرسل المنقطع بينما اعتمدت طريقة الإسناد في الحديث النبوي الإسناد المتصل المرفوع، وسرّ ذلك الراوي بالتحرج الديني وأن تبعته لا تعدو النقل الأمين.
لقد اعتمد الجاحظ على الكتب ضمن مصادره الكثيرة. وفيما يتعلق بتراث ماقبل الإسلام فثمة إشارات في تراثه تثبت أخذه للشعر العربي عن كتب ومدونات، وهذه الإشارات تنقسم إلى قسمين: إشارات مباشرة وفيها صرح الجاحظ بأخذه لتراث ما قبل الإسلام عن كتب ومدونات لديه. أما الإشارات غير المباشرة فهي تلك الأشعار والأخبار التي أسندها الجاحظ إلى عالم أو راوية بعبارات تفيد السماع عنه.
وبرر الجاحظ انتفاع العرب من التأليف لتدوين منجزاتهم الحضارية، وإذا كان الشعر معتمدهم في تخليد مفاخرهم إلى جانب شيء من العمارة أمثال غمدان وسفداد ومأرب ومارد والأبلق، فالثابت في التاريخ أن بعض الملوك يمحو آثار بعض “كذلك كانوا أيام العجم، وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان.. وكما هدم زياد كل قصر ومصنع لابن عامر، وكما هدم أصحابنا بناء مدن الشامات لبني مروان” (الحيوان 71)، فالعرب لم يبق من تاريخهم القديم غير الشعر الذي أودعوه نتاج حضارتهم فقد خسروا ما شيده الملوك من العمارة، والباقي من الشعر قليل لا يغني شيئا للتفاخر بين الأمم التي أودعت نتاجها الحضاري الكتب كاليونان والرومان.
وفي كتابه “الحيوان” وبعد أن ذكر الجاحظ فضيلة الكتابة والتدوين في حفظ تراث الأمة وعلومها، دعا دعوة صريحة إلى أن ينهض علماء الأمة ومفكروها بالتأليف والكتابة بعد أن توفرت لهم أسباب ذلك والحرية فيه، يحكي الجاحظ عن ديموقراط قوله: “ينبغي أن يعرف أنه لابد من أن يدون لكل كتاب علم وضعه أحد من الحكماء ثمانية أوجه: منها الهمة، والمنفعة، والنسبة، والصحة، والضعف، والتأليف، والإسناد، والتدبير” (الحيوان 101).
ودعا الجاحظ إلى العلمية والحيادية عند التأليف والرواية والبحث، وألزم الكاتب أن ينقل وجهات النظر المختلفة دون تمييز، ودون عصبية، وأن يمنح الفرصة أمام القارئ للاطلاع على وجهات النظر المتباينة يقول: “واعلم أن واضع الكتاب لا يكون بين الخصوم عدلا ولأهل النظر مألفا حتى يبلغ من شدة الاستقصاء لخصمه مثل الذي يبلغ لنفسه حتى لو لم يقرأ القارئ من كتابه إلا مقالة خصمه لخيل له أنه الذي اجتباه لنفسه” (كتاب العثمانية 280)، وحين تحدث عن الدراسات التاريخية بشكل خاص رأى أن الكتب في الموضوعات التي تعالج الحقائق العلمية إنما تضع الكليات أمام القارئ ولا تنحو نحو الاستقصاء. (ينظر العثمانية 279)، والجاحظ يؤمن بالتخصص، ويؤمن بالمؤلف المتخصص الذي اطلع على موضوعه، ويعرف ما يقول فيه. (ينظر العثمانية 254).
ودعا الجاحظ المؤلف إلى أن يتبع الطرق العلمية وهو يجمع مادته التاريخية الموثقة إذ “ليس بين الأشعار وبين الأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها وأصل مخرجها: (التباعد) و(الاتفاق) و(التواطؤ)” (العثمانية 4)، وهو بذلك يرى أن جمع الحقائق من أماكن مختلفة قد يكون أداة للتوضيح والتصوير الصادق والكشف العلمي.
إن الجاحظ يدعو الأمة إلى التأليف وهو حق لها وواجب عليها لأن “الكتاب يقرأ بكل مكان وفي كل زمان، وعلى تفاوت الأعصار، وبَعُد ما بين الأمصار، وذلك أمر يستحيل في الواضع، ولا يطمع فيه من المنازع، وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويفنى ويبقى أثره...” (الجوابات في الإمامة/ المورد عدد خاص بالجاحظ 226).
لقد كان الجاحظ بحق عالما ينوب عن أمته يؤلف من علمها المفرق المشتت بين الأخبار والأشعار كتبا، تظل معرضا وارف الظلال والإبداع نضاهي بها علوم أمم أخرى..