الاتحاد

الملحق الثقافي

جيراس.. سيّدة الشيخوخة

جيراس Geras ربّة من ربات العالم السفلي، مختصة بالشيخوخة، سواء أكانت مبكرة أم لم تكن. وهناك خلاف حول دورها في شيخوخة الأمم. ولكن بما أنه لا يوجد سواها ربّة تختص بالشيخوخة فقد سلموا بأنها المسؤولة عن شيخوخة الأفراد وشيخوخة الأمم معاً.

أم جيراس هي نيكس (ربة الليل) وأبوها إريبوس (هوة الخواء والظلام والثقب الأسود الذي يبتلع كل شيء في العالم السفلي) ولا يساعدها في عملها أحد، لذلك تستغرق مدة طويلة حتى تنجز عملها، فتدب الشيخوخة في أوصال الأفراد وفي مفاصل حياة الأمم ومؤسساتها العاملة، فيصاب الأفراد بالموت وتصاب الأمم بالدمار والاندثار. وهي الأخت الشقيقة لثاناتوس (الموت) تهيئ له البشر حتى لا يلقى مقاومة كبيرة لدى انتزاع الأرواح، حتى أنه في بعض الأحيان يرى إقبالاً من المتقدمين في السنّ عليه، فيستل بهدوء روحهم ويرجع بسلام، دون ضجيج أو صخب. وعندما يقول الشاعر تشارلز تشرشل:
الشيخوخة هي الابن الثاني للعنة الطبيعة
مع كثير من الآثام الفظيعة زيادة عن الابن الأول،
الضعف والمرض وركام الآلام في كل نفس من الأنفاس
فيشجب الحياة، ومع ذلك يخاف الموت.
فإنه يقدم جيراس على أخيها ثاناتوس، مع ما تجلبه من منغصات. ومع ذلك تشعر بجفوة منه، بل بخوف ورعب في أكثر الأحيان. ولا ينضج عمل جيراس إلا عندما يستسلم الشيخ للموت، أو على الأقل يخجل من إعلان مقاومته له. يكتمل عمل جيراس المهيّئ لثاناتوس عندما نسمع الشيخوخة بلسان العرافة سيبيل تعلن رغبتها كما أورد الكاتب الروماني بترونيوس:
شاهدتها، قال أحدهم، شاهدت سيبيل بأم العين،
جالسة في قفص تقرأ مخطوطاتها
على كل عابر سبيل
سألها الأولاد: ماذا تريدين يا سيبيل؟
قالت أريد أن أموت.

سجل جيراس التاريخي
منذ القديم اعتنت الشعوب بالمسنين، ولكن الاهتمام الأكبر إنما كان من حظ الشبان والشابات، فحتى الأدباء والشعراء يهرعون إلى فترة الشباب يختارون منها المواقف المؤثرة في القراء، من بطولة وحب وفروسية وتضحية وشجاعة... تأتي الشيخوخة في درجة متأخرة... والأغلب أن تكون استعادة لذكريات الشباب، في «لعبة النهاية» لبيكيت، فتدور المسرحية على تداعيات قديمة، كأن البطلين لا يعيشان واقعهما.
في القديم كان الناس يحترمون جيراس كثيراً، ويعترفون بدورها، ولذلك كانوا يولون المسنين اهتماماً أكبر مما نوليه في هذه الأيام. فلا يوجد في القديم مجالس نواب بل مجالس شيوخ. والمصطلحات السياسية والاجتماعية بدأت مع الشيوخ، فهناك gerontocracy التي تعني حكم الشيوخ، وعندما يكون الحكم الصادر ناضجاً يقولون عنه gerontocratic ويطلقون على الإنسان الذي يهتم بالشيوخ (المسنين) عاطفياً وعملياً اسم gerontophilia وعلى الذين ينفرون من المسنين gerontophobia وهناك الكثير من المصطلحات المشتقة من اسم هذه الربة الجهنمية.
والغريب أن العديد من الأطباء المحدثين والجدد لا يعرفون أن اسم جيراس ميثولوجي، وأنها ذات شخصية أسطورية بارزة جداً، مع أنهم مرتبطون به في كل ما يخص مهنتهم. فطب الشيخوخة هو gerontology والمختص بهذا الطب يطلقون عليه gerontologist وهناك فرع يدرس التغيرات في الشيخوخة يسمى gerontomorphic والتحولات الكبرى في الشيخوخة يقال لها gerontomorphosis والأدوية الخاصة بالشيخوخة توصف بأنها geriatrics.... إلى آخر ما هنالك من كلمات تتخطى العشرين كلمة في الطب. فنحن نذكر كل شيء يتعلق بالشيخوخة وننسى ربّة الشيخوخة جيراس الكامنة وراء هذه الكلمات. واسم جيراس خاص بالأنثى لكن الإنجليز اشتقوا منه اسماً للرجل geron وهذا مخالف لما تعارف عليه الإغريق، فلا يوجد رب يختص بالشيخوخة!
الطب الحديث لم يهتم بالشيخوخة إلا مؤخراً، عندما ازداد متوسط العمر، فصار طب الشيخوخة مربحاً. كما أن علم النفس وهو علم حديث جداً لم يهتم بالشيخوخة، ومن النادر أن نقف على أمثلة من الحالات النفسية التي يعاني منها المسنون- الشيوخ... دائماً يهرع علم النفس إلى فترة المراهقة، لاعتبارها مفترق الطرق ومقررة المصير، فيتريث عندها طويلاً على حساب الشيخوخة، التي لا يأمل أن يجد فيها الكثير من النظريات التي تهم الناس... تصوّروا المعالج النفسي يحلل عقدة أوديب عند ابن السبعين.

جيراس في الأدب
حتى الأدب قصّر في رصد أحوال الشيخوخة بالقياس إلى ملاحقته أحوال الشباب والعمر الزاهي. صحيح أننا دائماً في الآثار الأدبية القديمة ندخل إلى مجلس الشيوخ أو نسمع آراءهم من غير أن ندخل أبهاءهم، ولكننا نقصد من كلامنا التعمق في تحليل الشيخوخة، هذه المرحلة التي يزدريها الشبان.
عندما يتحدث كاتب كبير من أمثال سوفوكليس عن أوديب الشيخ «أوديب في كولون» فإن المخرجين يهملون هذه المسرحية، ويهرعون إلى «أوديب ملكاً»... يبدو أن الأدب الغرائبي أشد جاذبية بما لا يقاس من الأدب الهادئ الرزين. فمسرحية «أوديب في كولون» من أعظم المسرحيات التي تمثل الشيخوخة المشردة، والحكمة التي باتت ناضجة في هذه السن. لكنها لم تحظ بما حظيت به «أوديب ملكاً».
ودفع أرنست همنغواي بطله في روايته «الشيخ والبحر» إلى عرض المحيط لا ليقدم لنا مظاهر الضعف والحالات العامة في الشيخوخة بل ليقدم الحالات الاستثنائية، فكأن الشيخ اجترح الغرائب عندما عاد بهيكل سمكة هائلة، بعد أن التهمت لحمها أسماك القرش. إن الشيوخ الذين يعمدون إلى تحدي الظروف قلة قليلة، وينتهون بالفشل أو الموت، ففي قصة «أبو بطة» لميخائيل نعيمه يتحدى الحمّال شيخوخته فتجلب له الموت. لكن هناك في الميثولوجيا بعض الحالات الاستثنائية، فـ«إيلي» Elli ربة التقدم في السن تغلبت على الفتى العملاق (ثور) Thor في المصارعة، بيد أن الغلبة تمت بفضل الخبرة والحكمة، فلا بطل في العالم يتغلب على (ثور)، كما تصوره الميثولوجيا الاسكندينافية. والحكمة هي الميزة الوحيدة المستحبة في الشيخوخة، ولكن ما كل مسن حكيماً، فقد تبدر حماقة مضحكة من المسنين، كما في رواية «الأرض» لزولا.
معظم الكتّاب لا يجدون شيئاً مشوقاً في الشيخوخة، فيعزفون عن تقديمها وتحليلها، وإن كانوا دائماً يعرجون عليها بحكم العلائق والروابط الاجتماعية المفروضة على البيئة التي يتعامل معها الأثر الأدبي. وإلا فإن الموقف الطبيعي للشيخوخة يلخصه الشاعر العربي (يقال إنه أمية بن أبي الصلت) في قوله:
غذوتك مولوداً وعُلتُك يافعاً
تُعَلُّ بما أُحني عليك وتَنَهْلُ
فلمَّا بلغتَ السن والغاية التي
إليها مدى ما كنتُ فيكَ أُؤملُ
جعلت جزائي غلظةً وفظاظةً
كأنّك أنت المنعمُ المتفضلُ
زعمت بأني قد كبرت وعبتني
ولم يمضِ لي في السن ستون كُمَّلُ
وسميتني باسم المفنَّدِ رأيُه
وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقلُ
تراقب مني عثرة أو تنالها
هَبِلْتَ وهذا منك رأيٌ مضللُ
فليتك إذ لم ترعَ حقَّ أبوتي
فعلتَ كما الجار المجاور يفعلُ

أنماط ومصائر
هذا نمط أولي من أنماط الشيخوخة، وما أكثرها، على عكس ما يتخيل بعض الكتاب بأنها مرحلة عقيمة، الابتعاد عنها خير من مقاربتها. فمنذ ظهور المجتمعات برزت هذه العلاقة بين الأجيال، وبعضهم يسميها «صراع الأجيال». وعندما يصبح الابن أباً يتكرر الصراع من جديد وهكذا، فالشيخوخة ليست فقط علة فيزيولوجية بل إنها أيضاً عقدة نفسية. فالشيخ لا يعمل ولا ينجب ولا ينتج ولا يتحرك كغيره من أصحاب الشباب والعافية، وقد يدب فيه الخرف ويصبح عرضة لكل أنواع السخرية... وما جريمة قتل الأب في «الأخوة كرامازوف» سوى نوع من أنواع صراع الأجيال، أو صراع على السلطة كما يحدثنا جيمس فريزر في «الغصن الذهبي» عن حارس الغابة ومقتله.
وعندما تكتب سيمون دي بوفوار «الأفواه غير المجدية» فإنها تعالج مشكلة فلسفية، وإن كان المسنون- الشيوخ أبطالها. ففي حالة الحصار تقل المؤونة مما يستدعي مجلس المدينة إلى طرح مشكلة المسنين الذين يأكلون ولا يقدمون شيئاً للمدينة، فإذا استمر الوضع على ما هو فإن المؤونة تنفد بسرعة، ولا يعود أمامهم سوى الاستسلام، بينما لو تخلصوا من المسنين، ونسبتهم ليست قليلة، فإن المؤونة تكفي ريثما يأتيهم المدد. وينجح الشيوخ في ابتكار طريقة تنقذ المدينة مما يتبين للغلاة من الشبان أن حكمة الشيوخ خير من اندفاع الفتوة.
ربما تجلت الشيخوخة بصورة أبرز عند إميل زولا في روايته «الأرض» فقد تابع سيرورة الأب وكيف نقل أملاكه لأبنائه بعد أن وثق بزوجاتهم، فإذا الأمور تنقلب عليه، ويصبح مثل المتسولين على أبواب أبنائه. وقد ركز زولا على الناحية الجسدية وأظهر أن متطلبات الجسد دفعت الأب إلى مثل هذا السلوك... وهناك مشاهد مدروسة جسدياً بصورة مذهلة، وخاصة عدوانيته في الحقل...
بلزاك أقرب إلى العوامل الاجتماعية من زولا، فالأب غوريو يدفن بلا جنازة، ولا مشاركة أي ابنة في المراسم الدينية... إنه يصوّر العصر وقد سار في الاتجاه المعاكس للطقوس القديمة في عبادة الأجداد.
تظل الشيخوخة موضوعاً صعباً في الأدب، لما فيها من جوانب متشعبة، جسدية ونفسية وروحية. ولا نظن أحداً صور الأعماق الحزينة التي يشعر بها العجوز. ولم نقرأ كيف ينظر الأحفاد إلى الأجداد ويسخرون منهم أثناء سيرهم أو تناولهم الطعام، بحركات خفيفة حتى لا يؤذوهم، ولكن الأجداد المجربين يدركون ذلك مباشرة، فيتوقفون عما يفعلون، وينتحون جانباً حزانى متألمين، يحاولون تصحيح أفعالهم فلا يستطيعون.
من صوّر لنا مشاعر المرأة العجوز التي يأكل الروماتيزم مفاصلها، ويهدّ العجز هيكلها؟ تنظر إلى الخلف فتختلط عليها الذكريات ولا تعود تذكر من كانأول من غازلها، فلان أم فلان، ولا أول من قدم لها وردة، ولا أول من طلب يدها... تختلط الوجوه وتضيع الذكريات لتتحول إلى منغصات بدلاً من أن تنشط عقلها. تذكر الأولاد والأحفاد، ولكن وحدتها تدير شؤون الذكريات أكثر من المشاركة في الحاضر...
من صور لنا مشاعر الشيخ وقد فقد أحد أترابه؟ من صور لنا محاولته لنظم بعض الأبيات في الرثاء أو ذكريات الصبا فخاب فبكى فاعتزل ولزم الصمت؟ من صوره لنا وهو يعتمد على غيره في قضاء حوائجه، وغيره يكتم امتعاضه الدفين، فيلحظه فيتصنع اللطف وفي أعماق نفسه ينزف ألماً؟
حاول ماركيز في روايته «الحب في زمن الكوليرا» أن يقدم صورة للشيخوخة ينافس فيها همنغواي فسار مع الشاب العاشق حتى صار شيخاً، منتظراً وصال عشيقته التي تزوجها الطبيب، الذي كان سيعمر ويحرمه منها لولا تدخل ربة الحظ تايكي فتدفعه إلى الانزلاق وكسر الساق والموت السريع. ويواصلها وقد بات عجوزاً، ويفلح في الوصال لأنه ظل محتفظاً بالإرادة التي لم تضعف بمرور الزمن. اختار همنغواي من الجسد العضلات وحدثنا عن الشيخوخة وإرادتها الصلبة، واختار ماركيز الجنس وحدثنا عن إرادة هذه الشيخوخة التي لم تركع ولم تجرفها الظروف... بيد أن الصورة المفصلة للشيخوخةظلت غائبة عن الأدب.
إن الحديث عن الشيخوخة في الأدب من أصعب الأمور. فليس سهلاً أن يغامر الكاتب وهو في سن الشباب، بتصوير الشيخوخة، أو حتى تجربة من تجاربها، وبخاصة إذا كان حريصاً ألا يجلب الملل لقرائه.

اقرأ أيضا