الاتحاد

تقارير

الصين وهلع السوق المالية

أعتقد أن القرار الذي اتخذته السلطات الصينية الأسبوع الماضي بتشغيل آلية «قطع التداول»، أي (إيقاف التداول في سوق الأوراق المالية مؤقتاً) ثم التراجع عنه بسرعة، زاد من حجم الفوضى التي تضرب أسواقها المالية، وفاقم القلق بشأن ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وبمدى التزامه بمبادئ حرية السوق.
وقد تعرضت الصين لانتقادات من الجميع تقريباً، لاعتمادها على أسلوب المحاولة والخطأ في التحكم في التقلبات الزائدة في السوق المالية، وإبقائها قيد السيطرة.
ومع ذلك، قد يكون مجدياً في هذا السياق، تذكر أن آليات مماثلة لإيقاف التداول في حالة ارتفاع أسعار الأسهم أو انخفاضها بشكل حاد، مطبقة بالفعل في العديد من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة، وأن هذه الآليات قد جرى تطويرها، على مدى ما يزيد عن قرن من خلال المحاولة والخطأ.
والنظام المطبق حالياً الذي يتم بموجبه إيقاف التداول في بورصة نيويورك للأوراق المالية في حالة التقلبات الحادة في أسعار الأسهم ما بين 7 في المئة و13 في المئة، وإغلاق السوق لبقية اليوم عندما تصل تلك التقلبات إلى 20 في المئة، هو من نتائج ما عرف تاريخياً بـ«انهيار يوم الإثنين الأسود» عام 1987.
وقبل ذلك التاريخ، وفي مناسبات عديدة، أغلقت سوق الأوراق المالية، ولكن بطريقة أكثر ارتباطاً بتطورات وأحداث تاريخية كبرى، وليس بتقلبات التداول اليومي.
وفي رأيي أن أفضل مقابل للأزمة التي تعرضت لها أسواق الصين المالية، هو الإغلاق الأول لسوق نيويورك للأوراق المالية، خلال ما عرف بـ«هلع عام 1873»، وهذه الواقعة، شأنها في ذلك شأن مثيلتها في الصين حدثت على خلفية الاستثمار الهائل في مشروعات البنية الأساسية في تلك الفترة، والروافع الكبيرة المستخدمة في القطاع المالي آنذاك.
ففي صيف ذلك العام 1873 جرى تضخيم عدة أخبار سيئة، مما تسبب في هلع شديد في «وول ستريت»، ومع ذلك وحتى شهر سبتمبر من ذلك العام كان معظم مراقبي السوق واثقين من إمكانية تجنب وقوع كارثة.
وبعد ذلك جاء خبر انهيار بنك «جاي كوك وشركاؤه» الذي كان يعتبر واحداً من أهم البنوك الاستثمارية في ذلك الوقت، وعندما وصل الخبر إلى قاعة بورصة نيويورك للأوراق المالية، فقد المضاربون السيطرة على أنفسهم، وتحولت قاعة التداول إلى مسرح لمشاهد من اليأس الشديد، خصوصاً عندما لم تجد الأسهم والسندات مشترين، وهبطت الأسعار إلى حدود قياسية، ومع ذلك ظل المضاربون يقاومون فكرة إغلاق السوق.
وبحلول اليوم التالي، كانت الحالة المزاجية قد تغيرت، وتوجه وفد من السماسرة إلى نائب الرئيس في ذلك الوقت «إم إيه ويلوك»، مطالبين إياه بإصدار أمر بإيقاف التداول، ولكنه رفض بحجة أن ذلك من اختصاص اللجنة الحاكمة المنوط بها إدارة شؤون الأسواق المالية. وعند ذلك قرر المضاربون أن يضطلعوا بالأمر بأنفسهم، وأصدروا قراراً بإغلاق السوق، ومنحوا اللجنة الحاكمة سلطة إعادة فتحه، ولم تجد اللجنة أمام هذا التحدي سوى أن تغلق السوق رسمياً لأول مرة في تاريخ الأسواق المالية.
وكان قرار الإغلاق مثيراً للجدل، ولكن الكثير من المراقبين رأوا أنه لم يكن هناك خيار آخر. وليس هذا فحسب، بل إن نائب الرئيس «ويلوك» نفسه قال للمراسلين إنه يعتقد أنه كان يجب إغلاق السوق في اليوم السابق على اليوم الذي أغلقت فيه.
وبعد ذلك وصل الرئيس «يوليسيس جرانت» إلى نيويورك في اليوم التالي للإغلاق، وبرفقته وزير الخزانة ويليام ريتشاردسون، وانتهز الممولون الكبار في المدينة الفرصة، ليطلبوا من الحكومة الفيدرالية التدخل، وهو ما حدث بالفعل، حيث بدأ ريتشاردسون يوم الأحد في شراء السندات الحكومية لضخ السيولة في السوق.
وبالنسبة لمعظم مراقبي السوق فقد تغلبت البراجماتية في تلك الحالة على المثالية، وعلى أي حال نجح العلاج. وفي يوم الإثنين نشرت «التايمز» تقريراً مؤداه أن الهلع قد بدأ ينحسر. وأعادت السوق فتح أبوابها يوم الثلاثاء 30 سبتمبر، وأدى فتحها إلى ارتفاع أسعار الأسهم.
وكان معنى ذلك أن آلية «قواطع التداول» قد نجحت على رغم حقيقة أن أسعار الأسهم والسندات انخفضت مرة ثانية، في الأسابيع التالية، ولكن ليس بنفس مستويات الانخفاض، الذي أدى إلى حدوث الهلع في المقام الأول.
ولذلك يمكن القول إنه ينبغي عدم نقد شجب الصين لمحاولتها كبح جماح الهلع في أسواق الأوراق المالية الناشئة الخاصة بها، كما فعلت الولايات المتحدة منذ سنوات بعيدة، ولكن الدرس التاريخي الأوسع نطاقاً الذي قدمته حادثة إغلاق بورصة نيويورك لا يزال صالحاً حتى الآن: وهو أنه حتى إذا ما نجحت تلك الإجراءات في المدى القصير، فإن أي قدر من الوساطة لا يستطيع إيقاف الانكماش الذي سيعقب الانتعاش.

*أستاذ التاريخ المشارك في جامعة جورجيا الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا