الاتحاد

الملحق الثقافي

حنا مينة وتطويع الأيديولوجيا

أحد شواطئ اللاذقية حيث عاش حنا مينة

أحد شواطئ اللاذقية حيث عاش حنا مينة

بحياتي كلها لم ألتق حنا مينة. أقول ذلك على الرغم من أني أنتمي إلى محافظة اللاذقية، مدينته الأصلية. عندما غادرت سوريا عام 1976 ذاهباً في بعثة دراسية إلى فرنسا لتحضير شهادة الدكتوراه كان حنا مينة قد أصبح كاتباً شهيراً منذ زمن طويل. وقد شاءت المصادفة أن أختار إحدى رواياته لتحليلها أدبياً ونيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة عليها من جامعة السوربون عام 1977 - 1978.

لماذا اخترت «الثلج يأتي من النافذة»؟ لأني كنت قد قرأتها سابقاً وأعجبتني، فانتهزت الفرصة لكي أنال على دراستها وتطبيق مناهج النقد الأدبي عليها أول شهادة جامعية في فرنسا. هذه هي الأمور بكل بساطة. وفي أثناء الاشتغال عليها قلت بيني وبين نفسي: لماذا لا أراسله وأحكي له قصتي؟ وهكذا تجرأت على الاتصال به على الرغم من خجلي الشديد، أو بالأحرى تهوري الأشد. والتهور مفيد أحياناً. ولا أعرف من أين أخذت عنوانه. وفوجئت بأنه رد علي! فقد وردتني منه رسالة مطولة مكتوبة بخط اليد لأنه لم يكن يوجد آنذاك أنترنت ولا إيميل. وقد أضعت رسالته بعد أن احتفظت بها زمناً طويلاً. وإذا كان هناك شيء أتأسف عليه فهو هذا الشيء، إضافة إلى إضاعة رسائل عشيقتي في بيزانسون. لو بقيت معي رسالة حنا مينة الشخصية المكتوبة بخط يده لكانت تمثل الآن وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن. في الواقع أن كل رسائلي القديمة ذهبت أدراج الرياح. حياتي السابقة كلها لم يعد لها وجود. هل أنا شخص مقطوع من شجرة؟ كل رسائل «ما قبل التاريخ»، أي ما قبل الثورة المعلوماتية والأنترنت لم يعد لها أثر. خسارة. ليتها كانت لا تزال معي لكي أمليها عليكم إملاء في هذه اللحظة بالذات وبمناسبة رحيله. كنا وجدنا فيها شيئا من شخصه، من أسلوبه، من مزاجه الحميمي. فقد تحدث لي فيها عن تصوره للأدب والكتابة والالتزام الخ..
وبالمناسبة، فإن عنوان أطروحتي عنه بالفرنسية هو التالي: «فن الكتابة لدى حنا مينة: تحليل لرواية الثلج يأتي من النافذة». ولحسن الحظ، فإنها لم تضع هي الأخرى أيضاً. ولا أعرف كيف سلمت من الغرق: أقصد من تنقلاتي العديدة في منازل عديدة بين المغرب وفرنسا. وفي كل مرة كان ينبغي أن تحمل مكتبتك وأوراقك على ظهرك وتمشي.. وأحيانا تطير أشياء في الريح. وهذا شيء محتوم. أين ذهبت؟ أين تبخرت؟ كيف تساقطت حياتك قطعة قطعة على أرصفة العالم؟ لم تعد ملك نفسك أيها المذعور الهارب من مكان إلى مكان ومن بلاد إلى بلاد. هل أنت هارب من نفسك أم مطارد من قبل العفاريت اللامرئية والوحوش الميتافيزيقية؟ متى سأستقر؟ وأين؟ أخشى ألا يكون ذلك ممكناً إلا في العالم الآخر. ولكن على ما يبدو، فإن حياة التشتت والضياع، حياة البدو الرحل، تناسبني تماماً. في أعماقي الحقيقية أنا شخص بدوي من عرب الجاهلية. ولا أنتعش إلا بالوقوف على الأطلال. من هنا تعلقي بالشعر العربي القديم وانصهاري فيه إلى حد الذوبان. على أي حال فإن أطروحة الدكتوراه ضاعت في مكان ما على الطريق، أما هي التي سبقتها مباشرة فلم تضع. ولذلك أضعها الآن أمامي على الطاولة لتدبيج هذا المقال. ولولاها لما استطعت كتابته أصلاً.

بنية الرواية
ماذا قلت في تلك الأطروحة البدائية التي نلت عليها أول شهادة فرنسية من جامعة السوربون؟ بصراحة لم أفتحها منذ أربعين سنة. وأنا الآن أتهيّب العودة إليها بعد كل هذا الزمن الطويل. في الواقع أشعر بأني أتعرف عليها معكم هنا لأول مرة. قسّمت الأطروحة إلى خمسة أقسام. أولها: لمحة سريعة عن السيرة الذاتية للمؤلف وأعماله. وثانيها: عرض عام للرواية. وثالثها: تقنيات الرواية. ورابعها: مضمون الرواية. وخامسها: شخصيات الرواية. لإيضاح الأمور أكثر ينبغي العلم بأن البنيوية كانت تسيطر على النقد الأدبي الفرنسي آنذاك. ولهذا السبب توقفت مطولاً عند تحليل تقنيات الرواية وشخصياتها، ولكني لم أهمل مضمون الرواية لحسن الحظ. لا ريب في أن التحليل التقني الداخلي للرواية مفيد، ولكن لا ينبغي الاكتفاء به كما أوهمتنا الموجة البنيوية الطاغية في لحظة من اللحظات.
عم تتحدث رواية «الثلج يأتي من النافذة»؟
عن معارض سياسي سوري يدعى فياض إبان سنوات الخمسينيات من القرن الماضي. ويبدو أن النظام آنذاك كان رجعياً قمعياً يلاحق الماركسيين والشيوعيين من أمثال فياض هذا. ولهذا السبب هرب إلى لبنان المجاور بعد حملة قمعية واسعة. في الواقع إنه اختبأ في مكان ما داخل سوريا للوهلة الأولى، ولكن عندما سنحت له الفرصة هرب إلى لبنان. وهناك التجأ عند صديق تقدمي يدعى خليل. وقد آوته عائلته وأخفته عن الأنظار لأنه كان ملاحقاً أيضا في لبنان من قبل السلطات المتواطئة مع نظام دمشق، ولكنه بعد فترة اضطر لمغادرة هذه العائلة العمالية البروليتارية لأنه لم يعد في أمان. فالتجأ إلى جبل لبنان، حيث اشتغل كمساعد طباخ في أحد المطاعم تحت اسم مستعار: ميشيل. وهناك اكتشف الوجه الآخر للمجتمع اللبناني: نقصد مجتمع الورثة الأغنياء الذين يعيشون حياة المتع والبطر بلا هم ولاغم ولا تعب ولاعمل. وهؤلاء يتناقض وجودهم بشكل صارخ مع أغلبية الشعب الفقير الكادح،. ولكن بعد أن أذلّه أحد الزبائن النافذين الوقحين قرر العودة إلى عائلة خليل. وقد استقبلته بكل ترحاب وآوته في جو كامل من السرية والكتمان. ولكن بعد فترة ما عاد يشعر بالأمان فترك بيت خليل وذهب إلى بيت جوزيف، وهو أحد رفاق النضال الشيوعي مثله ومثل الكاتب حنا مينة ذاته. فمعلوم أنه كان فقيراً مدقعاً في بداية حياته، ولذلك انتسب إلى الحزب الشيوعي الذي كان يشكل الأمل الوحيد للطبقة المحرومة من كل شيء.
ولكنه بعد أن سرّح جوزيف من العمل وفقد وظيفته لم يشأ فياض أن يبقى في بيته يأكل ويشرب ويشكل عبئا عليه. ثم في نهاية الملاحقات الضارية نجده وقد ترك بيروت نهائياً والتجأ إلى قرية ضائعة في رؤوس الجبال، قرية لا تصل إليها المخابرات (في تلك الأيام على الأقل).. وهناك عاش في بيت شبه مهجور. وفي أحد الصباحات عندما استيقظ وجد الثلج في الخارج وقد غطى كل شيء: الأرض والأشجار والبيوت... وكان منظراً أبيض رائع الجمال. وقد انصهر فيه فياض انصهاراً خالصاً حرّره حتى من ذاته وهمومه وكوابيسه ولو للحظة. وعندما فتح النافذة دخلت بعض كتل الثلج إلى داخل المنزل وغطت أرضية الغرفة أيضاً. من هنا نتج عنوان الرواية: الثلج يأتي من النافذة. بعد بضعة أيام من ذلك التاريخ ترك فياض لبنان نهائياً وعاد إلى وطنه سوريا. وقرر عندئذ ألا يغادر الوطن العزيز مهما حصل وأياً تكن الظروف. قرر عدم مغادرة أمه وبلاده وأصدقائه. وقرر في ذات الوقت تكريس نفسه للقضية التي يناضل من أجلها.
زمن الصراعات
هذا هو مخطط الرواية بشكل عام. والآن دعونا ندخل في التفاصيل. هذه هي ثالث رواية لحنا مينة بعد «المصابيح الزرق»، و«الشراع والعاصفة». وهي أول رواية يغادر فيها البيئة السورية وبالأخص بيئة مدينته الأصلية: اللاذقية. فنلاحظ أنه ينتقل إلى بيئة أخرى هي لبنان، حيث تجري معظم أحداث الرواية. وحتما فإن الرواية تعبر عن شخصية حنا مينة ذاته. فهو أيضا كان مناضلاً شيوعياً وملاحقاً من قبل السلطات. وهو أيضا لجأ إلى لبنان كما يفعل المناضلون السوريون عادة عندما يلاحقون. انطلاقاً من ذلك يمكن أن نستعير عبارة تشيخوف عن مكسيم غوركي ونطبقها على حنا مينة: «هذا ليس مكتوباً فقط وإنما معاشاً أيضاً». وبالتالي فحنا مينة ينتمي حتماً إلى التيار الواقعي في الأدب الروائي.
ولكن واقعيته بل وحتى التزامه الشيوعي لم يمنعاه من خلق مناخ روائي طبيعي وغير تعسفي على الإطلاق. ولهذا السبب نجح حنا مينة في حين فشل الآخرون. نقصد أولئك الذين كتبوا روايات أيديولوجية مسطحة لا تقنع أحدا. فالواقعية الاشتراكية أضرت كثيرا بالفن الروائي عندما مارسها ضعاف المواهب والنفوس وحولوها إلى قوالب دوغمائية. أما حنا مينة، فقد استطاع بفضل موهبته الفنية الكبيرة تحاشي السقوط في هذه الدوغمائية المتحجرة للشيوعيين. لقد تحاشى تحويل رواياته إلى بروباغندا ماركسية - لينينية. ولولا ذلك لما تبقى منه شيء. بمعنى آخر، لقد انتصر على أيديولوجيته السياسية كفنان وروائي من أعلى طراز.
كان جورج لوكاتش يقول ما معناه: «لكي تكون هناك رواية ينبغي أن يكون هناك صراع راديكالي بين الإنسان والعالم، أو بين الفرد والمجتمع». فإلى أي مدى ينطبق هذا التعريف على حنا مينة؟ للإجابة عن هذا السؤال سوف نقول ما يلي: عندما نتمعن في رواية «الثلج يأتي من النافذة» نلمح بالفعل نوعين من الصراع. النوع الأول يمكن نعته بالخارجي. إنه يخص ذلك التناقض الكائن بين الطبقات الفقيرة المعدمة/‏‏ والطبقات الغنية المترفة. وهو ما يدعوه الماركسيون بصراع الطبقات. وهذا الصراع كان حاداً في عهد حنا مينة، لأنه لم تكن هناك طبقة وسطى تقريباً. كان الناس، إما أغنياء، وإما فقراء، ولا يوجد شيء بين بين. وأما الصراع الثاني، فهو داخلي بمعنى أنه يجري داخل نفسية البطل فياض ذاته. فهذا الشخص على الرغم من إيمانه الصلب بالمبادئ الاشتراكية التي كلّفته السجن والتعذيب إلا أنه في بعض الأحيان كان يقع فريسة للشك والإحباط. كان يشك في انتصار القضية يوماً ما ويشعر عندئذ باليأس والقنوط، ولكنه سرعان ما ينسى ذلك ويعود إلى الإيمان بقضيته من جديد. الصوت الأول هو صوت الشيطان الذي يريد حرفه عن مهمته وأما الصوت الثاني، فهو صوت المسيح الذي يدعوه إلى مواصلة الكفاح من أجل العدالة والحرية. كان يسمع السيد المسيح وكأنه يقول له هذه الكلمات: «الحق أقول لكم: من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني.. فالإنسان لم يُخلق لكي يُخدم، وإنما لكي يخدم ويضحي بحياته من أجل الآخرين».
هذه الكلمات الإنجيلية التي استعرضناها ببعض التصرف كانت تقوي عزيمة فياض الماركسي الشيوعي بشكل لا يكاد يصدق. وكانت تنقذه من جحيم القلق والشك بمستقبل القضية. وهذا يعني أن الوعي الديني لدى حنا مينة لم يلتغ بعد أن أصبح شيوعياً على عكس ما نتوهم. وإنما ظل رابضاً في أعماق ذاته. فالمسيحية تشكل أعمق طبقة في تكوينه تماما كالشيوعيين المسلمين. فهم كانوا مسلمين قبل أن يصبحوا شيوعيين. وأعتقد أن معظمهم رفض شيئاً واحداً في الشيوعية هو: الإلحاد المادي المحض، وتبنى ما تبقى من دفاع عن الفقراء والمسحوقين المعدمين. على أي حال فالإسلام يدعو إلى العدالة الاجتماعية تماما كالمسيحية. ولهذا السبب وجدنا أن الكثيرين من الشيوعيين العرب عادوا إلى الإسلام بعد السقوط المدوي للحلم الشيوعي الكبير، ولكن هذه قصة أخرى وحديث يطول.

عناوين
معظم روايات حنا مينة تدور حول البحر وأهله، دلالة على تأثره بحياة البحارة أثناء حياته في اللاذقية. وهنا ثبت بعناوين تلك الروايات:
«المصابيح الزرق»، وتم تحويلها لمسلسل يحمل نفس الاسم، «الشراع والعاصفة»، «الياطر»، «الأبنوسة البيضاء»، «حكاية بحار»، «نهاية رجل شجاع»، وتم تحويلها إلى مسلسل يحمل نفس الاسم، «الثلج يأتي من النافذة»، «الشمس في يوم غائم» وتم تحويلها لفيلم بنفس الاسم، «بقايا صور»، وتم تحويلها لفيلم بنفس الاسم، «المستنقع»، «القطاف»، «الربيع والخريف»، «حمامة زرقاء في السحب»، «الولاعة»، «فوق الجبل وتحت الثلج»، «حدث في بيتاخو»، «النجوم تحاكي القمر»، «القمر في المحاق»، «عروس الموجة السوداء»، «الرجل الذي يكره نفسه»، «الفم الكرزي»، «الذئب الأسود»، «الأرقش والغجرية»، «حين مات النهد»، «صراع امرأتين»، «حارة الشحادين»، «البحر والسفينة وهي»، «المرصد»، «الدقل»، «المرفأ البعيد»، «مأساة ديمترو»، «الرحيل عند الغروب»، «المرأة ذات الثوب الأسود»، «المغامرة الأخيرة»، «امرأة تجهل أنها امرأة»، «النار بين أصابع امرأة»، «عاهرة ونصف مجنون»، «شرف قاطع طريق».

اقرأ أيضا