الاتحاد

دنيا

قلعة صيدا·· جزيرة صخرية عائمة فوق بحر من الفن المعماري

تقع صيدا على بعد (48 كيلومتراً) إلى الجنوب من بيروت، وتعتبر من أعرق مدن الساحل اللبناني، بيد أن تاريخها القديم ما زال يكتنفه الغموض بسبب قلة أعمال التنقيب الأثرية التي تناولتها من جهة، وبسبب الهدر الذي تعرض له تراثها من جهة ثانية، ولا سيما في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على يد هواة الكنوز والأشياء الأثرية، الأمر الذي يفسر وجود عدد لا بأس به من الروائع الصيدونية في المتاحف الأجنبية والمجموعات الخاصة·
وعلى الرغم من أن تراب صيدا ما زال يحتضن الشواهد الكثيرة على ماضيها المشرق، فإن توسع المدينة العمراني الحالي يهدد بإبادة هذه البقايا المطمورة، من هنا كان على الزائر أن يعمل مخيلته ليتسنى له تلمس تاريخ المدينة من خلال آثارها القليلة التي ما تزال باينة للعيان·
وإذا كانت عاصمة الجنوب وثالث المدن اللبنانية قد تحولت اليوم إلى مركز عمراني وتجاري ناشط، فإنها ما تزال تحتفظ بالكثير من خصائص المدن الساحلية التقليدية، فهي مدينة مفتوحة على البحر من خلال مرفأ يحتل المرتبة الثالثة بين مرافئ لبنان، وتشرف عليها قلعة تاريخية تعود الى القرون الوسطى، فيما تحيط بها مزروعاتها وبساتينها المغروسة بالموز والحمضيات· أما أحياؤها القديمة فما تزال تعبق بأريج القرون الوسطى، فيما تنتشر على جوانب طرقها الرئيسية المحال الحديثة التي تتكدس فيها جميع أنواع البضائع والحلويات·
يشعر من يدخل صيدا بأنه يدخل مدينة يعود معظم أبنيتها لمئات السنين، ومن أبرز تلك البنايات قلعتها المطلة على البحر الأبيض المتوسط· وتطل قلعة صيدا التي بناها الصليبيون عام (1228 م) على مدخل المدينة، وشيدت على جزيرة صخرية تبعد حوالي (80 متراً) من الشاطئ، ويربطها به جسر صخري مبني على تسع قناطر، ويزين مدخل القلعة أحجارا سوداء منحوتة، ويقع داخلها مسجد بناه الأشرف خليل بن قلاوون، وجدده الأمير فخر الدين· وللحديث عن تاريخ صيدا وقلعتها يقول أحد المؤرخين، إن مدينة صيدا التي تبعد عن العاصمة (48 كيلومتراً) واسمها القديم ''صيدون''، تتميز بمبانيها القديمة، اذ تشكل البلدة القديمة من صيدا بمساحتها البالغة 200 الف متر مربع، جزءاً مهماً من المنطقة الاثرية التاريخية للمدينة، وتضم البلدة القديمة محالا وأسواقاً ومساجد وحانات ومدارس ومقاهي ومشاغل صغيرة وحمامات عربية ويعود معظم مبانيها للقرنين الثامن والتاسع عشر·
بالعودة إلى تاريخ القلعة التي بناها الصليبيون الآتون من أوروبا وتمركزوا فيها بانتظار مجيء الإمبراطور فريدريك الثاني قائد الحملة الصليبية السادسة، تقع القلعة البحرية على جزيرة صغيرة وكانت وسيلة اتصالها مع البر بجسر متحرك قد رمم حديثاً، يقود هذا الجسر إلى البوابة الكبيرة ذات البابين، وحين تدخل القلعة تلاحظ قاعدة برج او ما تبقى منه· وهذا البرج استعمل في بنائه اعمدة الجرانيت التي مازالت موجودة حتى اليوم، وحين تدخل الى القلعة وتجتاز البوابة الرئيسية، تجد سوراً ثانياً وساحات واسعة وهذه الساحات مكشوفة للبحر اليوم وقد تهدم جزء كبير منها· القسم الشرقي من القلعة يضم برجا كبيرا له عدة بوابات ومازال البرج موجوداً، اضافة الى ان أحد الابواب من جهة الشرق مازال موجوداً·
تصعد إلى أعلى القلعة عبر درج صخري ما زال قائماً، وإضافة إلى الدرج، هناك عدة غرف داخل القلعة ما زالت بحال جيدة وداخل الغرف والفتحات على طول القلعة، هناك فجوات صغيرة لرمي النبال وللدفاع عن القلعة وتستطيع من خلال هذه الفجوات مشاهدة كل أجزاء المدينة· إن الزائر لمدينة صيدا اليوم، لا بد وان يتوقف امام قلعتها ويجول بأسواقها· ووفقاً لأرقام بلدية صيدا، فإن حوالي 50 الف سائح لبناني وعربي واجنبي يزورون قلعة صيدا البحرية سنويا، وتقوم البلدية بحراسة وتنظيف القلعة، فيما تعنى مديرية الآثار بحمايتها والاهتمام بها·

القلعة في مهب العواصف

أدت العواصف الهوجاء التي ضربت لبنان خلال الشتاء الماضي إلى إلحاق أضرار في قلعة صيدا البحرية، فتهدم قسم جدارها عند الطرف الشمالي الشرقي، وبات القسم المتهدم يهدد بانفراط العقد الحجري المتصل بالقلعة، إضافة الى ظهور تشققات في جدران اخرى·
ولحماية هذا المخزون الحضاري والإرث الثقافي الذي يؤرخ لوقفات المدينة في وجه المعتدين والحملات التي طالتها في سالف الزمان، حتى غدت القلعة ''حارس المدينة الامين'' على مرّ العصور والايام، سارع المهتمون إلى اتخاذ تدابير والمباشرة في إجراءات تكفل ضمان عدم حصول انهيارات جديدة في المستقبل·
يشير المؤرخون والباحثون الى أن بناء قلعة صيدا البحرية يعود الى القرن الثالث عشر، وعلى وجه الخصوص بين عامي 1227 و ،1228 وقد شيدّت على أيدي الصليبيين عندما احتلوا المدينة وتمركزوا في داخلها، بحيث انتشرت آنذاك فكرة إقامة الحصون والقلاع ذوداً عن الثغور ودفاعاً عن السواحل من الحملات والهجمات المعادية، وقد بنيت القلعة على جزيرة صخرية صغيرة على بعد (80 متراً) من الشاطئ، ويعتقد المؤرخون ان القلعة وهي عبارة عن نموذج فريد في فن العمارة، بنيت فوق معبد فينيقي قديم، كان مكرساً لتكريم ''الإلهة ملكارت''، والقلعة نموذج للفن المعماري في القرون الوسطى، ولا سيما العمارة الصليبية والاسلامية، (بعدما اضافت الفتوحات الاسلامية جوانب عمرانية على القلعة)·
وكانت القلعة البحرية التي تحيط بها المياه من جوانبها كافة، تتألف في الأصل من مجموعة من الأبراج المحصنة والمتصلة ببعضها، عبر ممرات ومسارب ثم ما لبثت ان توسعت وأضيفت اليها بعض الجدران والدعائم· وتتألف القلعة من برج شرقي صليبي وبرج غربي اسلامي، بني في عهد المماليك، وفيها مسجد صغير بناه السلطان الاشرف خليل، وجدده الامير فخر الدين المعني الكبير كما ذكرنا سالفاً، وللقلعة صالة كبيرة تطل على البحر، كما توجد بداخلها كنيسة ينسب بناؤها الى فرسان الهيكل، والقلعة متصلة بالبر بـ''جسر عبور'' مؤلف من قسمين منفصلين، ومع إدخال إضافات عليها أصبحت تتصل بالبر عبر جسر حجري، يرتكز على قواعد على شكل تسع قناطر، وينتهي المآل بها الى جسر خشبي كان يحرق خلال الحصار والغزوات لعزل من بداخلها، وعدم تمكن الغازين من دخولها·
وتجدر الإشارة إلى أن الصليبيين نزحوا عن القلعة عام 1291 بعد سقوط عكا، وعلى الرغم من أهمية قلعة صيدا البحرية التاريخية وموقعها في البحر، إلاّ أن تحويلها إلى مرفق سياحي هام، والاستفادة من الموقع الذي يسحر العين ويأسر النظر، وبالتالي إقامة مهرجانات داخلها ونشاطات تستقطب حركة سياحية مقيمة ووافدة لم يتم باستثناء المهرجانات التي أقيمت في الستينيات، اذ استضافت حجارتها وجنباتها، حفلات لمطربين لبنانيين وعرب كبار، كذلك نظمت فيها المعارض فيما يقتصر نشاط القلعة اليوم على حركة للزائرين تنشط خلال مواسم الاصطياف·

اقرأ أيضا