الاتحاد

ثقافة

حروب الشعر الحر.. من الولادة إلى الريادة

محمد عريقات (عمّان)

تسلل حب الشعر إلى قلب الشاعرة العراقية نازك الملائكة (1923 ـ 2007) عبر حنان الأمومةِ ودفئها، فوالدتها شاعرة وأديبة عملت على تنمية ثقافة طفلتها، وزرعت بها حب اللغة العربية من خلال قصائد الشعر العربي القديم الذي حفظت نازك معظمه في سن مبكرة إضافة إلى تعلمها الأوزان الشعرية والقوافي، أما والدها فهو من اختار لها اسمها تيمنا بالثائرة «نازك العابد» التي حاربت جيش الاحتلال الفرنسي في سوريا عام 1923، لتكبر الطفلة وتقود حملة ثورية انقلابية على كلاسيكية الشعر العربي القديم، ولتكون في طليعة المؤسسين للشعر العربي المعاصر ومن أبرز رواد القصيدة العربية الحرة.
نشرت نازك الملائكة، التي صادف الثالث والعشرين من أغسطس الجاري مرور 95 عاماً على ولادتها، مجموعتها الشعرية الأولى «عشاق الليل» 1947 بالأسلوب الكلاسيكي المتعارف عليه، ثم ما لبثت أن ساقها الوباء الذي أصاب مصر في تلك الأيام إلى كتابة قصيدتها «الكوليرا» التي خرجت بها عن الشكل العمودي نحو أفق كتابيّ حر لا يلزمها بعدد تفاعيل في سطور القصيدة وكانت تباعد وتقارب بين القوافي دون قيد أو نظام، مدركة مدى العاصفة التي ستشعلها والمعارضة التي ستواجه ولكنها أيضًا كانت مدركة بأن قصيدتها ستفتح أفقاً جديداً أمام القصيدة العربية لتكون أكثر استيعاباً لقضايا الإنسان الحديث.
كان استهزاء الأهل ومعارضتهم لقصيدتها أول ما واجهته الشاعرة، حيث رفضت والدتها أن تنسب مثل هذه الكتابة إلى الشعر، ورأى والدها أنها لن تحصد غير الخيبة منها، وحول ذلك تقول في مذكراتها: «في ساعة واحدة انتهيت من قصيدة «الكوليرا» بشكلها الأخير، وذهبت ركضاً إلى البيت، وصحت بأختي إحسان: «انظري لقد نظمت قصيدة عجيبة الشكل أظنها ستثير ضجة فلاقت استحسانها، أما أمي فتلقتها ببرودة، وقامت الثورة الجامحة في البيت عندما قرأها أبي وقد سخر منها وتنبأ لها بالفشل». وإلى جانب صدامها مع الأسرة خاضت الشاعرة حرباً مع نقاد عصرها لكن ذلك لم يثنها عن مواصلة الكتابة بالشكل الجديد حيث أصدرت: «شظايا الرماد» 1949، «قرارة الموجة» 1957، «شجرة القمر» 1968، «ويغير ألوانه البحر» 1970، «مأساة الحياة وأغنية للإنسان» 1977، «الصلاة والثورة» 1978.
دخلت نازك الملائكة أيضاً في جدل كبير مع الشاعر العراقي بدر شاكر السياب الذي قال بأن الريادة للشعر الحر تعود له من خلال قصيدته «هل كان حباً» من ديوانه «أزهار ذابلة» والتي كتبها عام 1946 وأن قصيدته تلك صاحبة السبق، وظل الجدل دائراً بينهما لأعوام رغم أن هذا الشكل الجديد من الكتابة ظهر فيما بعد بنتاجات عدد من الشعراء كان من أبرزهم الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي الذي يسجل له أيضاً ريادته في إضافة تطوير على شكل ومضمون القصيدة العربية الحرة تماشيا مع حركة الحداثة التي بدأ يشهدها العالم العربي آنذاك، لكن النقاد والدارسين حسموا الجدل بأن جعلوا من نازك الملائكة والسياب والبياتي أقطابا للريادة الشعرية الحديثة ومن أبرز المؤسسين للقصيدة الحرة.
اعتبرت نازك الملائكة مزاحمة السياب لها على الريادة شيء من الإهانة لجهدها، فأغلقت الباب في وجه العالم الخارجي، وصارت أميل إلى العزلة والكآبة، وهما صفتان مجتمعتان بها منذ شبابها ويرى نقاد أن سبب ذلك قد يعود إلى قراءاتها لفلسفة شوبنهاور وفريدريش نيتشه والعديد من الفلسفة والأدب السوداوي، حتى أن البعض لقبها بالشاعرة الحزينة حيث كان الحزن هو الغيمة التي تظلل كتابتها الشعرية والنثرية، ولم تكن بواعث تلك الكآبة، بحسب عبد اللطيف شرارة، «ليست من الحرمان، ولا من الحبّ الضائع ولا من فكرة الموت، وإنما هو «حزن فكريّ» نشأ عن تفكير في الحياة والموت وتأمُّل في أحوال الإنسانية».
ونعود للبدايات حيث درست نازك الملائكة اللغة العربية وتخرجت عام 1944، واحترفت العزف على آلة العود، بدراستها الموسيقى، بعدها واصلت تعليمها بدراسة اللغات اللاتينية والإنجليزية والفرنسية في الولايات المتحدة الأميركية، عادت بعدها إلى بغداد لتدرس في جامعتها ثم انتقلت إلى الكويت للتدريس بجامعتها. ومن الكويت انتقلت الشاعرة إلى بيروت لعام واحد بعدها اختارت العيش والاستقرار في القاهرة إلى أن توفيت عن عمر ناهز 84 عاماً بعد سنوات قضتها في العزلة والمرض.

اقرأ أيضا

كريستوف بيترز يشرب الشاي مع المتصوفة