الاتحاد

عربي ودولي

الراحل يوحنا بولس الثاني ·· ونهج العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والعالم العربي

روما-منار حرفوش: لقد كانت للفاتيكان وبابا روما تأثيرات سياسية على الأحداث الكبرى خلال القرن العشرين، بل يمكن القول انهما قد ساهما في صناعة بعض منها، وأصبح السؤال المتداول متركزًا حول المدى الذي يبلغه هذا الدور وآليته وحجم قدرته على التأثير، فمن أوروبا الشرقية وقضايا الصراع العربي الصهيوني إلى دعم انتشار الكنيسة الكاثوليكية وطبيعة التحرُّك باتجاه إفريقيا، لا يمكن إنكار الدور السياسي لكل من الفاتيكان والبابا، لقد أثبت القرن العشرون أن الافتراض القائل باعتبار الثورة الفرنسية قد وضعت حداً لممارسة الكنيسة سلطة زمنية إلى جانب سلطتها الروحية هو افتراض نظري تمامًا، إذ ثبت أن الفاتيكان مازال يملك قوة تأثير كبيرة، وأن الاستخدام السياسي لهذه القوة كان ولا يزال حقيقة قائمة، لكن ممارسة السلطة الزمنية هذه تتأثر بشخصية البابا نفسه، وهذا ما يجعل رحيل البابا يوحنا بولس الثاني والتخمينات الخاصة باسم خلفه محل اهتمام عالمي، فما هي الكنيسة الكاثوليكية؟ ومن هو يوحنا بولس الثاني؟ وكيف يمكن النظر إلى دور الكنيسة السياسي خلال فترة جلوسه على كرسي البابا؟
من الصعب قراءة تاريخ الكنيسة الكاثوليكية بدون تأمل حدود صلاحيات البابا فيها، وأثر ذلك على السياسة من حوله، ففي حين تولى الباباوات تتويج بعض الأباطرة خلال العصور الوسطى، ليستمد الملوك حقهم الإلهي في الحكم من سلطة الكنيسة، كان بعض الباباوات يقررون شكل السياسة الأوروبية قاطبة، كما فعل البابا أوربان الثاني حين أطلق الحروب الصليبية لقرنين من الزمان، وكان أسقف روما بصفته بابا عاهلاً دنيويًا يحكم إيطاليا الوسطى والولايات الباباوية، وكان يملك أيضًا أفينيون في جنوب فرنسا، وكان الإكليروس ككل يملك ثروات طائلة، وكانت أملاك الكنيسة معفاة من الضرائب بصورة عامة، وكان للكنيسة قانونها الكنسي ومحاكمها الكنسية، بغية تأمين حماية أملاكها، وفرض رقابتها على رجال الدين وتوجيه المؤمنين، ويرى الباحث أنتونيو مارينيللي أن التاريخ الأوروبي لم يكن إلا صراعاً على السلطة بين الملوك والباباوات، أكثر مما كان بين الملوك بعضهم وبعض، وأن الكنيسة قد شاركت بقوة في دعم الحملات الأوروبية الاستعمارية على الشرق، بل وباركت فتح أميركا، غير أن محاكم التفتيش، والنظام الهرمي للسلطة، والصلاحيات المطلقة للبابا كل ذلك قد ساهم في إثارة الفتن والانقسامات ضد الكنيسة الكاثوليكية·
انقسامات وحروب
من الصعب التمييز بين الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وبين الكنيسة الأولى التي أسسها تلاميذ المسيح، وربما يكون القديس بطرس أو بيتر -والذي يسمى سيمون أيضاً- هو الشخصية الأكثر أهمية من بين هؤلاء التلاميذ، فهو الذي قام بتنظيم الكنيسة وتحويلها من مجرد فكرة روحية إلى عمل منظم، وقد اعترف بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية بشكل رسمي عام ثلاثمائة وثلاثة عشر، وذلك بواسطة الامبراطور الروماني قسطنطين، وفي عام ثلاثمائة وثمانين أصبحت الديانة الرسمية للامبراطورية الرومانية·
غير أن المسيحيين سرعان ما انقسموا إلى كنيستين بسبب انشقاق الكنيسة الأرثوذكسية عن الكنيسة الأم، وذلك بعد أن اختلفت الكنيستان حول سلطة البابا المطلقة على جميع الأبرشيات والأساقفة، وكذلك حول تعريف المسيح، ففي حين كانتا قد اتفقتا على ألوهية المسيح في رفض تام للأريانية المنسوبة للمفكر المسيحي الإغريقي القديم إيروس، والتي تعتبر المسيح إنساناً ذا مرتبة عليا بين الناس، دون أن تصفه بالألوهية، وهو ما اعتبرتاه الكنيستان هرطقة منذ اجتماع نيقية في العام ثلاثمائة وخمسة وعشرين للميلاد، عادتا للخلاف حول نفس القضية، فاعتبر الكاثوليك المسيح ذا طبيعتين إحداهما إلهية والأخرى إنسانية بينما اعتقد الأقباط بالطبيعة الواحدة التي يتحد فيها البعدان الإلهي والإنساني دون اختلاط أو تغيير، وقد بقيت كنيسة روما رافضة لهذا التفسير لمدة خمسة عشر قرناً قبل أن تعترف بقبوله تفسيراً مغايراً·
وقد عاد الخلاف الفلسفي للوجود بسبب إدخال كلمات جديدة على تعريف الإيمان الأساسي الذي أصدره مجلسا نيقية والقسطنطينية في القرن الرابع، فقد أضافت كنيسة روما بضغط من الامبراطور شارلمان كلمة فيلوك اللاتينية -والتي تعني من الإبن- إلى الفكر المسيحي، ليصبح الإيمان بالروح القدس الآتية من الأب والابن، وفي حين اعتقدت كنيسة روما أن هذه الإضافة ستحافظ على روح مبدأ الإيمان الأصلي اعتقد الأرثوذكس أنها إضافة تتعارض مع سلطة المجلس المسيحي العالمي، كما أنها من وجهة نظرهم تمثل إخلالاً بوحدة مبدأ الثالوث·
وفيما بدأت الكنيستان تتهمان بعضهما البعض بالابتعاد عن الحقيقة المسيحية، ازدادت خلافاتهما حول عدد من القضايا لعل في مقدمتها السماح للقساوسة بالزواج، وهو ما يجيزه الأرثوذكس بينما يرفضه الكاثوليك، وكذلك حدود دور المرأة في الكنيسة، ولم تتوقف أزمة الكنيسة الكاثوليكية عند حدود الانقسام الأرثوذكسي بل سرعان ما تعرضت لتحد كبير خلال القرن السادس عشر مثله خروج لوثر عليها بتعاليمه المطالبة بالإصلاح، ومرة أخرى مثلث صلاحيات البابا السبب الرئيسي للأزمة التي انتهت بانقسام المسيحيين الغربيين إلى كاثوليك وبروتستانت، وقد تطور هذا الانقسام إلى حروب واضطهاد متبادل من كل طرف لأتباع الطرف الآخر·
صمود أسطوري
تزايدت حدة الحروب الدينية بين المذاهب الكاثوليكية واللوثرية والكالفانية والإنجليكانية والبروتستانتية ، وعادت صلاحيات الكنيسة وعلاقتها بالملوك وطبقة النبلاء تضغط على الأوروبيين حتى كانت الثورة الفرنسية بمبادئها العلمانية التي جاءت في إثرها أحداث متتالية من الثورة الأميركية إلى التطورات السياسية التي شكلت أوروبا الحديثة، وكان دخول قوات جاريبالدي إلى روما الحدث الأهم بالنسبة للكنيسة حيث فقد البابا بعدها آلاف الكيلومترات من الأراضي التي كانت تخضع لسلطته، لكنه رغم كل هذه الصراعات بقيت الكنيسة الكاثوليكية قوية وصامدة، إذ يتبعها اليوم أكثر من مليار إنسان يمثلون ستة عشر بالمائة من سكان الأرض، يتركزون في أوروبا الجنوبية والوسطى وأميركا اللاتينية وأيرلندا·
وترجع قوة الكنيسة الكاثوليكية إلى اعتمادها على التنظيم الهرمي القوي، والذي يتربع على قمته الحبر الأعظم، وإن كانت عصمة البابا عن الخطأ لم تقرّ بعدُ كعقيدة من عقائد المذهب الكاثوليكي، فإن المكانة التي كان يتمتَّع بها الحبر الأعظم كانت تجعل منه مرجعًا للأساقفة في نزاعاتهم مع حكومات بلادهم، ورغم تقلص أملاك الكنيسة وحصار سلطتها الدنيوية داخل حدود الفاتيكان إلا أن البابا لم يفقد تأثيره على الملايين من أتباعه، ولم يخرج نهائياً من الساحة السياسية حتى داخل إيطاليا التي ينص دستورها على فصل الدين عن الدولة، فهو يؤثر في قرارات البرلمان من خلال الحزب الديمقراطي المسيحي، كما أن الكتلتان الأهم في الساحة السياسية الإيطالية، كتلة يمين الوسط، وكتلة يسار الوسط تحافظان كلتاهما على مسافة محسوبة من الكنيسة، وتعتبر كل منهما نفسها معبرة عن الوسط المسيحي!
يقول رانييري دي ماريا الأستاذ بجامعة روما: إن قدرات البابا نفسه، وشخصيته هي الأكثر أهمية في تحديد نفوذ الكنيسة، وذلك بسبب تكرس سلطة الكنيسة كلها في يده، فهي مقسمة إلى أبرشيات يرأس كل منها أسقف يعينه البابا، ويعتبر البابا الوريث الشرعي الوحيد للتعاليم والقوة التي منحها المسيح لتلاميذه الاثني عشر، باعتباره آخر السلسلة غير المقطوعة والممتدة من الأساقفة الخلفاء المنحدرين من القديس بطرس إلى يومنا هذا، وهو ما يعطى البابا نفوذاً سحرياً على الكاثوليك المؤمنين·
يوحنا بولس الثاني
اسمه الأصلي كارول فويتيلا، ترعرع في قرية فادوفيتش بجنوب بولندا، وكان والده الضابط بالجيش قد رباه تربية صارمة وورعة، توفيت أمه وأخوه قبل أن يبلغ الرابعة عشرة، وكان كشاب يعشق الرياضة، ومنها كرة القدم والتزحلق على الجليد، كما كان يحب التمثيل والمسرح، وكان في سن المراهقة حينما اجتاحت الدبابات الألمانية بولندا عام تسعة وثلاثين·
عمل خلال الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي كعامل بينما كان يدرس اللاهوت سراً، اضطر للاختباء عام أربعة وأربعين عقب حملة على التعليم الديني، حيث كان قد تم إرسال الكثير من أصدقائه لمعسكرات الاعتقال، واصل فويتيلا دراسته بعد الحرب، ورسم قساً عام ستة وأربعين، وبعد ثمانية عشر عاماً وصل إلى منصب رئيس أساقفة كراكوف وبعد ذلك بثلاث سنوات أصبح كاردينالاً، وقد حظي خلال تلك السنوات بالاحترام لموقفه إزاء النظام الشيوعي ببولندا·
لقد كان اختيار كارول فويتيلا غير متوقع لتولي البابوية حينما انتخب للمنصب عام ثمانية وسبعين، ولم يكن قد تجاوز الثامنة والخمسين من عمره، ليصبح أول بابا غير إيطالي منذ أربعمائة وخمسين عاماً، وقد تولى البابوية تحت اسم يوحنا بولس الثاني، وكان ينظر إليه في البداية باعتباره غريباً على المنصب لكنه وبالمقارنة مع سابقيه في المنصب، عرف بأنه رجل أفعال، وأصبح يوحنا بولس الثاني أكثر بابا يقوم بجولات خارجية في التاريخ·
زجاج واقٍ من الرصاص
لم يستمع البابا لتحذيرات مستشاريه من أن نفوذه المتنامي قد يجعله هدفاً للاغتيال، ولم يقلل من ظهوره بشكل عام، وفي الثالث عشر من مايو عام واحد وثمانين تعرض لإطلاق النار وأصيب برصاص شخص تركي مأجور يدعى محمد علي أغا، وذلك في ساحة القديس بطرس بينما كان يميل لتحيه الجماهير، وبعد فترة طويلة من التعافي التقى البابا مع من أطلق عليه الرصاص، وأعلن له عن صفحه، واعتقد البابا دائماً بأن العذراء قد أنقذت حياته، وقد تم تشديد الأمن المحيط بالبابا منذ محاولة اغتياله، واشتهر خلال جولاته الخارجية العديدة بالعربة البابوية التي تنقله، والتي يمكنه الوقوف داخلها محاطاً بالزجاج المضاد للرصاص، حيث تشاهده الحشود التي يبادلها التحية·
تحركات سياسية
يقول الباحث أومبرتو جاننيني: لقد جاء البابا يوحنا بولس الثاني إلى السلطة بعد انقضاء عصر الثورات في أميركا اللاتينية، وهو ما كان يمثل أزمة لسلفه، بسبب إصرار رهبان تلك البلدان على الانخراط في تلك الثورات التحررية التي كانت في مجملها بدعم شيوعي ضد نظم مدعومة من الغرب، وهو ما استلزم من الكنيسة مواقف مزدوجة بين التحالف مع الغرب ومناصرة حركات التحرر، لذا فإن البابا الجديد قد وصل إلى كرسيه ويداه مطلقتان في مساندة الغرب ضد النظام الشيوعي، عوضاً عن كونه قد قدم نفسه باعتباره واحداً ممن تعرضوا للاضهاد الشيوعي، لذا فقد قام البابا بأولى زياراته لمسقط رأسه بولندا، لتصبح أول زيارة بابوية لبلد تحت حكم شيوعي، وقد شجعت الناس وساعدت في زرع بذور الثورة التي قدر لها الميلاد بعد ذلك بعشر سنوات ، وقد قيل: إن بابا روما قد لعب الدور الأساسي في إسقاط الشيوعية الذي بدأ في بلده الأصلي بولندا، كما زار البابا جنوب إفريقيا، ودعم روحياً إنهاء نظام الفصل العنصري فيها·
لم يكن وقوف البابا إلى جانب الغرب الرأسمالي غير محاولة لتثبيت أقدامه وسط مجتمعات بدأت تجنح نحو العلمانية، وهو في مقابل ذلك كان يقاوم تلك التيارات العلمانية من خلال دفاعه عما اعتبره مسيحياً أو أخلاقياً، فهو قد عارض القوانين التي تسمح بالطلاق، ورفض الإجهاض، وزواج المثليين، وحقوق غير المتزوجين، عوضاً عن رفضه تجارب الإخصاب، وهي الأمور التي ما كان يمكنه الدفاع عنها لو لم يكن رجل الغرب المؤثر في حربه ضد الشيوعية·
في السنوات الأخيرة زادت المتاعب الصحية للبابا بسبب التهاب المفاصل وداء باركينسون (الشلل الرعاش)، وقد أجريت له جراحة في الفخذ عام أربعة وتسعين، ورغم أنه سقط مغشيا عليه خلال رحلة لفرنسا بعد ذلك بعامين إلا أنه واصل رحلاته بشكل مكثف، وزار كوبا عام ثمانية وتسعين حيث كان فيدل كاسترو في استقباله، وهو الزعيم الشيوعي للبلد الكاثوليكي تقليديا·
داعية سلام
إلى جانب تصميمه على تزعم المراسم الخاصة بانقضاء الألفية الميلادية الثانية، وضع البابا يوحنا بولس الثاني جدولا مضنيا لزياراته في العام ألفين، فوقف على جبل نبو، غربي عمان بالأردن، حيث يعتقد المسيحيون أن موسى لمح من بعيد أرض الموعد للمرة الأولى، ثم أصبح أول بابا يزور مصر، التي تقطنها غالبية من المسلمين، وأقلية من الأقباط، ونسبة قليلة جداً من الكاثوليك تزايدت في العقود الأخيرة، حيث دعا إلى الوئام بين الأديان، وكان أول بابا كاثوليكي يزور مسجداً أو معبداً يهودياً، وفي مارس أعرب عن تعاطفه مع محنة الفلسطينيين، كما أعرب عن حزن الكنيسة للاضطهاد المعادي للسامية الذي ارتكبه المسيحيون ضد اليهود، ورغم تدهور صحته المتزايد واصل البابا العمل، حيث قام بزيارة مؤثرة لمسقط رأسه بولندا عام ألفين واثنين كما أعرب عن معارضته لحرب العراق عام ألفين وثلاثة·
لكن هناك من يقول بأن الفاتيكان خلال النصف الثاني من القرن العشرين كان دائماً برجماتياً في التعامل مع الأزمات العالمية، فهو لم يكن ذا موقف مزدوج في تعامله مع ثورات التحرر في أميركا اللاتينية وحسب، وإنما كان كذلك أيضاً في تعامله مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي، فبينما كان يتجه إلى توطيد العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والعالم العربي، حتى يتسنَّى للفاتيكان حماية مصالح المسيحيين في الشرق أولاً، ثم بناء جبهة واحدة مع المسلمين ضد تيارات الكفر والإلحاد -والمقصود بها الشيوعية- كان في الوقت نفسه يوازي ذلك بالبحث عن إيجاد صيغة للتفاهم بين المسيحية واليهودية رغم العداء المستحكم بينهما، بسبب إيمان المسيحيين بثبوت جريمة اليهود في صلب المسيح، وكانت هذه الازدواجية تجد تفسيرها في الدعوة للسلام·

اقرأ أيضا

اتهام سيدة بالتخطيط لتفجير كاتدرائية في لندن