صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

إشادة شاعرية بآخر الملوك

“الإشادة بآخر الملوك” هو ديوان جديد للشاعر جمال جمعة تتوحد فيه القصائد في سعي مشترك يفضي الى البحث عن الإنسان الأول الذي جُبلَ على اكتساب الرؤى، ومهارة الأشياء، ورفقة النور، ومباراة الرياح.
لقد اختار الشاعر، كما في الفاتحة، أن لا يبدأ بالأول، وأن لا يصعد الجبل من سفحه، وأن لا يطأ السلالم من بدايتها، لقد اختار أن يبدأ بالملوك.. شعره، ليس نغماً رقراقاً، ولا همساً وشواشاً.. انه الهدير.. صهيل الكلمات يدوّي في سديم المدى، يتّردد صدى موّاجاً يرنّح الآذان والوجدان.. يحمل راية التجديد ويقود المسيرة.. يسبح عكس التيار المألوف، يتجلى الشاعر في لغة خاصة به، كتابته عن الشعر كانت شعراً.. حبذا قراءة المجموعة.
عنوان كتابه يلفت النظر عارضاً في الصفحة الأولى كيف أملاه خلال السنوات 1980 ـ 1981، من بعد ميلاد المسيح و25 عاماً من ميلاد ممليه ابن الإنسان. كما عرض في مقدمته نصّا من خطبة القاها دوق جو بين يدي الملك لي ـ وانج حوالي 845 ق.م قصة الحضارة. يقول فيها: يعرف الإمبراطور كيف يحكم إذا كان الشعراء أحراراً في قرض الشعر، والناس أحراراً في تمثيل المسرحيات، والمؤرخون أحراراً في قول الحق، والوزراء أحراراً في إسداء النصح، والفقراء أحراراً في التذمر من الضرائب، والطلبة أحراراً في تعلم العلم جهرة، والعمال أحراراً في مدح مهارتهم وفي السعي إلى العمل، والشعب حراً في أن يتحدث عن كل شيء، والشيوخ أحراراً في تخطئة كل شيء..
نبدأ معه في قصيدة الفاتحة الكلام التالي: عادةً يفتتح التعداد بالأول ويبدأ صعود الجبل الممتد نحو الرب من سفحه ودأب الناس أن يطأوا السلالم من بدايتها.. ولكني بما الذي أمليه لا جيل ولا سلم.. فإني سوف أبدأ بالملوك مقاصدي..
وتتوالى القصائد الواحدة تلو الأخرى منها بعنوان مجد الجدود الأوائل. بأيام خوال، بينما الأدغال تجمع نفسها وتعد تربتها لأمطار تجيء أشد إبهاماً من الأوراق في يدها، وإدراك الذي عجزت بقايا الأرض عن إدراكه.. كنا ملوكاً مكتفين بقوتنا، نعلي البداءة كي تكون بمستوى الأشجار، متغمسين في صون التوافق بيننا ونؤاخي الأسرار، نكتسب الرؤى ومهارة الأشياء.
يستعمل الشاعر أوصافاً مبتكرة، وتعابير جديدة، كما في قصيدة خلق الملوك. يقول فيها: كان من الممكن أن أنمو غصناً في شجرة ينخرني فيها السوس وتهجرني الثمرة. كان من الممكن أن أمسخ ذئباً يترصدني الراعي وتهرّ عليّ كلاب القرية والهررة. كان من الممكن أن أرمى حجراً في قارعة الشارع يعثر بي الأخرق والعاقل. كان من الممكن.. لكني كنت كما إلت اليه الآن غلاماً فطناً وأميراً بين الناس، يبتون بأمري وانا الحاشية المثلى والبررة.
كما يقدم للمتلقي معاني مفاجئة ذات نكهة دافئة. وفي ليل المعنى، تأتي المعاني من خارج المعنى.. كما في حكاية قديمة. قال: لما جاء به أبوه الى الدنيا في صيف ما بصق الجد الأكبر في فمه وتلا آيات الشكر على رأسه وأداروا المهد الى المشرق لينام وحيداً ملفوفاً بقماط.. لكن في اليوم التالي اندهشوا لما جاؤوه... كان قماشه مقطوعاً والطفل يحدّق في السقف..
في قصيدته “الإشادة بآخر الملوك” يرسم بالكلمات ويقول فيها: باسم الكلمة افتتح التمجيد الحق لآخر تتويج إذ أعلن بدء عهود ملوك الشعراء وأدشن عصر الكلمة. فلتسعفني الكلمات ولتلق بمئزرها فوقي ولتشدد من أزري كي أضع التاج اللائق بجلال التمجيد: تمجيد الكلمة.
يقودنا هذا الشاعر خلف قصائده، بشخوصنا ونظراتنا وانتباهاتنا، لنقرأ في قصيدة عنوانها مدح الكلمة: يقول فيها في البدء تكون الكلمة وجدت قبل التكوين وقامت قبل البدء، وظلت باقية بعد البدء وبعد التكوين وستبقى الكلمة ما دام هنالك فسحة ريح يتنفس فيها الإنسان ويدمى صوته. ستظل الكلمة حتى بعد تلاشي راقم هذي الكلمات الحرى في مدح الكلمة. مرّت فوق الأرض سلالات لا تحصى واندثرت الواح عهود ومواثيق وشرائع ربانية وشعوب عبدتها وحضارات صدأت وتهرأت الأبراج الملكية وانمسحت أسوار من حجر صلد وسدود وتبادلت الأنهار مواضعها، وتفانى النوع، وشذبت الأجناس، وفسخت الشمس جلود الحيّات. زهقت آلاف الأنجم، واحتضرت أقمار، وتغيرت الأرض وتداولها الأحفاد عن الأحفاد.. وما زالت ذات الكلمة تغمر مختلف الناس بحكمتها وتدنس من لا يحفظها. ما فتئت ذات الفاروق الكامن في شفة الإنسان، ترفع حضرة آمنها وتزل بكاحل من لا يحفظها، الكلمة.
في ذرات الريح تهب الكلمة في ندف الغيم تشب الكلمة وبنار كواكب لا تبصر. في طلع الشمس لقاح الكلمة وبأسماء مدائن لم تقبل. ستضج الكلمة: في ضرع الأم وفي إشراق الفكرة، في رايات شعوب نشرت، في قصد النطفات، وفي شفة العاقل، في دأب التاريخ، وفي صمت الحكماء، وفي خرس الأحجار، وفي المدّ وفي الجزر، وفي الحب وفي البغضاء، وفي جرح الصدّيقين الشهداء حيث يصير الدم هو الكلمة. من أجل الكلمة تبقى الجدران تكتم أسرار البيت وينضج خبز في التنور. من أجل الكلمة يكتنز البذر الميت بقوة الأحياء ويدبّ النمل، ويسعى الحيوان، وتأتلف الأشياء.
صدر الديوان عن الدار العربية للعلوم ناشرون.