السبت 2 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
متقاعدون في فخ الديون وآخرون يواصلون العطاء
متقاعدون في فخ الديون وآخرون يواصلون العطاء
26 يونيو 2011 20:03
ينظر البعض إلى موضوع التقاعد نظرة سوداوية قاتمة، فهو بالنسبة لهم نهاية حزينة لحياة العمل والعطاء، وسير في طريق لا أمل فيه. فيما ينظر آخرون إلى هذا الأمر بعين التفاؤل، تدفعهم لاستقباله بخطط عمل كبيرة باعتباره بداية سعيدة لحياة يتم فيها اكتشاف المواهب والمهارات الحياتية والعملية وربما العلمية. يثير موضوع التقاعد، لا سيما المبكّر، نقاشات واسعة، وبين التشاؤم والاستسلام للكسل واللاعمل، أو التفاؤل والتخطيط للاستثمار والإبداع النموذجين، يعيش الكثيرون من المتقاعدين، سواء أولئك الذين تقاعدوا بشكل مبكر أو الذين استحق تقاعدهم بالفعل. في المشهد الأول يمضي المتقاعد وقته بين النوم والجلوس في المنزل بلا دور أو هدف، ما يجعله عبئا على الأسرة وثقل يجثم على صدرها، وقد يتفاقم الأمر ليصبح عالة على المجتمع والحكومة، حيث يحمّل نفسه القروض والديون، ثم يبدأ بالبحث عن جهة تتكفل بالسداد. يقابله مشهد آخر، على النقيض تماما، لمتقاعدين كبروا في السنّ، لكنهم لم يتكبروا على العمل، وإنما تابعوه بشغف باعتباره أصبح جزءا لا يتجزأ من حياتهم. مثقل بالديون إذا كان التقاعد شرّاً لا بد منه بالنسبة لمن وصلوا إلى السن القانوني، فهو لدى آخرين ما زالوا صغارا في السن، خير مستحب، وهو خلاص من المسؤوليات والمهمات المنوطة بهم، واستسلام للراحة التامة طوال الوقت، وهو ما يدفع إلى التسريع به وتقديمه قدر الإمكان، طالما أن ثمة جهات تتكفل بعلاج آثاره السلبية مهما بلغت. وتعتبر حال عبد الله، وهو موظف سابق أحال نفسه إلى التقاعد مبكرا، ترجمة عملية على هذا الكلام، حيث كان في زيارة إلى جمعية للمتقاعدين، بهدف تقديم طلب لكي تساعده الجمعية في سداد ديونه البالغة 350 ألف درهم، والتي تراكمت، بحسب قوله، بعد قيامه ببناء منزل استنفد منه مبالغ طائلة، لم يستطع دفعها كاملة ما دفعه إلى الاستدانة من البنوك. ويفيد عبد الله، الذي جاء من رأس الخيمة إلى أبوظبي لطلب المساعدة المالية، بأنه لا يوجد له أي نشاط يقوم به، باستثناء الإشراف على بناء منزله، ومتابعة تأمين النقود اللازمة لعملية البناء. من جانبه، تحدّث راشد عيسى، عن وضع والده الذي خرج إلى التقاعد مبكرا، مشيرا إلى أن هذا التقاعد قد أثر على العائلة بشكل سلبي، فقد أصبح الوالد، يفرض نظاماً صارماً على المنزل، سواء من حيث الاستيقاظ أو النوم أو أداء الفروض المنزلية والأعمال وغيرها. وأوضح راشد أن الفراغ الذي كان يعانيه الوالد، دفعه لمحاولة شغله بمتابعة أمورنا ومراقبتنا في كل كبيرة وصغيرة، وذلك بسبب الملل الذي كان يعاني منه نتيجة عدم وجود عمل له، لافتا إلى أن تجربة الوالد مع التقاعد علمته درسا سيعمل على تطبيقه مستقبلا، ومفاده أن يبدأ ومنذ الآن بإعداد خطة والتفكير فيما سيقوم به من مهمات بعد التقاعد حتى لا تتحول هذه الفترة إلى كآبة في حياته وحياة أسرته بنفس الوقت. بداية الإبداع لا تبدو مسألة التقاعد بهذا السوء بالنسبة لمتقاعدين آخرين، بل إنهم جعلوا هذه الفترة من حياتهم نقطة تحّول مهمة، وبداية لحياة جديدة مليئة بالعمـــل والإنتاج بل والإبداع. ويقدّم سعيد الحمادي، نموذجا إيجـابيا في هذه المسـألة، فقد تحوّل، بعد التقاعد مباشرة، إلى العمل الخاص، حيث اشترى مزرعة ثابر على زراعتها وتطويرها بمساعدة زوجته، حتى باتت جنة خضراء تسرّ الناظرين. ويقول الحمادي، الذي قارب عمره السبعين، إنه سعيد بما يقوم به من عمل، مشيرا إلى أن فترة ما بعد التقاعد هي بداية الإنجاز الحقيقي بالنسبة له، فخلالها استطاع أن يكتشف مواهبه في الزراعة والاهتمام بالأرض وهو ما يشعره بوجوده وأهميته، ويدخل السعادة إلى قلبه. من جهته، يقول فاضل خميس، الذي تجاوز عمره السبعين عاما، إنه لا يستطيع أن يتخيّل نفسه بدون عمل، حتى لو كان هذا العمل يتمثل في القيام بأعمال صيانة للمنزل أو لمصلحته أو مكان العمل الذي يديره حاليا أولاده، ويقومون به على أكمل وجه. ويوضح “عملت بجدّ في فترة شبابي، واستطعت أن أكون مشروعي الخاص، الذي أصبح يديره أولادي حاليا، ورغم أنني أثق بقدرتهم على القيام بكافة الأعمال، إلا أنني لا أستطيع الجلوس دون عمل أو إنجاز، لذلك أقوم ببعض الأعمال، كالصيانة مثلا في المنزل أو في مكان العمل، وأقوم بها بنفسي حتى بوجود العمال”. ويتابع “ما زلت أنتهج النظام نفسه الذي كنت أعتمده منذ بداية حياتي العملية، حيث أخلد للنوم في وقت مبكر إلى حدّ ما، وأستيقظ في وقت مبكرّ أيضا، حيث أعدّ مشروبي الصباحي بنفسي، ولا أعتمد على الآخرين في عمله، ثم أجد لنفسي عملا خلال اليوم، هذا في حال عدم وجود خطة مسبقة لذلك، وهذا هو ما يشعرني بأهمية وجودي في الحياة”. المتقاعدون يؤكد عبيد الهاجري، أن التقاعد بالنسبة له كان بداية لمستقبل وخدمة جديدة للمجتمع، حيث شغل إثره منصب رئيس جمعية للمتقاعدين، ينتسب لها حوالي 16 ألف متقاعد حتى الآن. ويضيف أن العديد من الناس ينظرون لموضوع التقاعد على أنه استسلام للكسل وعدم العمل، وهذا يتوضح من خلال الحالات التي ترد للجمعية، وهي كثيرة بالمناسبة، والتي غرق أصحابها في بحر الديون والقروض البنكية، حيث يفدون إلى الجمعية من أجل مساعدتهم في سدادها، مشيرا إلى أن الجمعية تعمل جاهدة على حلّ هذه المشاكل المالية بمعاونة وعدم بعض الجهات الحكومية. ويؤكد الهاجري أن التقاعد لا يعني نهاية الحياة، كما أنه لا يعني عدم أهلية صاحبه للعمل، إنما هو سنة قانونية لها أهداف إيجابية عديدة تتمثل في فتح المجال لصاحبها للتفرّغ لنفسه ولنشاطات عائلية وعملية أخرى، وبنفس الوقت تفتح المجال لأشخاص آخرين من أجل أن يحتلوا أماكنهم في المجتمع أسوة بمن سبقهم. وينصح المتقاعدين، لا سيما ممن خرجوا إلى التقاعد المبكّر، بوضع خطط مستقبلية لما بعد التقاعد، واستغلاله بعمل مشاريع واستثمارات خاصة تعود بالنفع عليهم وعلى المجتمع ككل. وعن تجربته الشــخصية، يقول الهاجري إنه مرتبط بالعمـل والإنجاز من الناحية النفسية، حيث يحـرص على الالتـزام بالدوام في الجمعية يومـيا ودون انقطـاع، مشــيرا إلى أنه في بعض الأحــيان يأتي إلى المقرّ مســاء لإنجاز بعض الفــروض، أو للإشـراف على العمل، أو لإشغال أوقات فراغه، حيث لا يستطيع الجلوس في المنزل بلا عمل أو هدف محدّد. وينصح الهاجري المتقاعدين بالتعامل مع الأمر بشكل إيجابي، واستغلال هذه الفترة من أجل اكتشاف أنفسهم ومواهبهم والبدء باستثمارات وأعمال تعود عليهم بالمنفعة النفسية والمادية في الوقت نفسه، فهنالك الكثير من المشاريع التي يمكن المباشرة بها بعد التقاعد، وهي لا تحتاج سوى إلى إرادة وتخطيط ومباشرة بالعمل على الفور.
المصدر: أبوظبي
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©