صحيفة الاتحاد

ألوان

«زايد التراثي».. كرنفال عالمي في أبوظبي

شغف الصغار يلتقي مع إرث الكبار (تصوير: حميد شاهول)

شغف الصغار يلتقي مع إرث الكبار (تصوير: حميد شاهول)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

يؤكد مهرجان الشيخ زايد التراثي، منذ انطلاق دورته الأولى قبل عدة سنوات، أنه الحدث التراثي الأهم والأبرز في الإمارات والمنطقة، عبر زخم هائل من فعاليات يتردد صداها في ساحاته بشكل يومي، والأعداد الهائلة التي تزور المهرجان والقادمة من كل حدب وصوب، سواء من داخل الإمارات أو خارجها، وهو ما يرسخ القيمة الرفيعة التي صار يحتلها مهرجان الشيخ زايد التراثي، حيث أشاد كثيرون بحسن تنظيم الحدث التراثي وكذا اختيار توقيته، المواكب للعطلات الدراسية واعتدال الأجواء في فصل الشتاء، ما منح الجمهور القدرة على مطالعة كنوز التراث الإماراتي واكتشاف أسراره، وفي الوقت ذاته الاستمتاع بمظاهر البهجة والفرح التي منحت منطقة الوثبة سمتاً كرنفالياً منذ انطلاق المهرجان في الأول من ديسمبر الماضي، وحتى إعلان ختام الفعاليات في السابع والعشرين من الشهر الجاري.

بيئات الإمارات
ويقول عايض مفرّح الأحبابي، إن المهرجان يعتبر من أهم الأحداث التراثية التي تشهدها الدولة، وهذا تكريس لما قدمه الوالد زايد، رحمه الله، من نهج قويم في ضرورة حفظ التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة بما يحفظ لهم هويتهم، ويكرس فيهم قيمة الانتماء للوطن ومعرفة ما قدمه الآباء والأجداد من عطاء لأرض الإمارات على مر الزمن، ويقدرون قيمة هذا العطاء الذي لولاه لما رأينا هذه الدولة الفتية التي ينظر إليها العالم بإعجاب.
ويشير إلى أن المهرجان نجح إلى حد كبير في تحقيق أهدافه في إعلاء قيمة التراث وإظهار ملامح مهمة من تاريخ الدولة، عبر المجسمات وورش العمل للحرف تقليدية والبيئات الإماراتية المختلفة التي مثلت العناصر الرئيسة لنجاح المهرجان، من بحرية وبرية وزراعية وجبلية، وهي البيئات التي عرفها أهل الإمارات منذ مئات السنين وأحسنوا التعامل مع مكوناتها، ولولا وجود هذا المهرجان وغيره من الفعاليات كحلقة وصل بين الماضي والحاضر، لانقطعت الصلة مع هذا الماضي العريق.
«الليف» و«الحجلة»
أما سعيد الهاجري، فأوضح أن أكثر ما لفت نظره في المهرجان، أن كل ركن به يتزين بناحية مهمة من تراثنا، فنجد بيوت العريش وبيوت الشعر والطوي والألعاب الشعبية والحرف الشعبية والملابس التراثية للصغار والكبار، وغيرها من المفردات التي اخترعتها حاجة البدوي القديم، الذي تعايش مع الطبيعة ومكوناتها البسيطة مثل «الليف» من النخل، «الحجلة» من الطين والتي استخدمت لحفظ الماء قبل ظهور انتشار القوارير الزجاجية والمبردات وغيرها من الأدوات الحديثة، وهذا كله يعطي دروساً للجميع في الكيفية التي بنى بها الإنسان الإماراتي حضارته بمكونات الطبيعة المحيطة به، وهذا يجعلنا ندرك أن كل بلد ليس له ماضٍ لن يكون له حاضر ولا مستقبل، وعملية التطور السليمة يحب أن تنبني على إرث قوي يعتمد على عادات وتقاليد وأفكار وموروثات حرفية يتميز بها كل شعب عن الآخر، ولذلك فإن مهرجان زايد التراثي يعتبر دليلاً حياً على عراقة الشعب الإماراتي، وبأنه به جذوراً ضاربة في التاريخ.

مكونات أساسية
سلطان محمد النعيمي، قدم الشكر لمسؤولي الدولة على اهتمامهم بهذا القطاع الحيوي، وهو قطاع التراث، الذي يعد من مقومات الحياة الحديثة، لأن كل دولة لها ماضٍ ومكونات أساسية وهذا الموروث بذل فيه الأقدمون جهداً كبيرا وأورثوه لنا وتركوا بصمة ليكون نقطة انطلاق للأجيال التالية من حيث كان الأجداد الذين عاشوا الحياة البدوية على بساطتها، سواء في البر أو البحر أو أي مكان، ومع مرور الأيام تطورت هذه الأشياء، وعلى سبيل المثال دخلت بعض الآلات على الفنون الشعبية وهو نوع من التطوير، كما أن بعض الحرف جرى عليها التطوير وصار بعضها ممزوجاً بلمسة عصرية، غير أن العنصر الجمالي والإبداع الإنساني عامل مشترك بين كل هذه الملامح التراثية التي يراها الزائرون في الأجنحة الإماراتية المختلفة بمهرجان الشيخ زايد التراثي.

خير دليل
أما عوض عبدالله الكعبي، فأكد من جانبه أن المهرجان بكل فعالياته كان خير دليل على أن التنمية القوية التي تعيشها الدولة، هي امتداد لجهد الأسلاف، وإن مكانة الإمارات العالمية، نتيجة ما بذله الأجداد وحافظ عليه الآباء والأحفاد، والمطلوب في هذا الإطار المحافظة على هذه المسيرة بمختلف الأشكال والطرق، ومنها دعم النجاح الكبير الذي حققه مهرجان الشيخ زايد التراثي وتشجيع القائمين عليه على المضي قدماً في درب النجاح، حيث إن المهرجان صار يتسم بسمات متطورة من حيث البنية، التنوع، وكثرة عدد الدول المشاركة فيه من كل القارات، وإحياء مهن تراثية قديمة وعادات وتقاليد صارت معروفة بشكل كبير بين الأجيال الجديدة مثل الألعاب الشعبية التي يتنافس الصغار الآن على ممارستها في ساحات المهرجان، وهو درس عملي لهم في مطالعة جانب من حياة الأقدمين ويمارسون ألعابهم بذات الطريقة، وهي بادرة تستحق الشكر الإشادة لأنها نقلت الأطفال من واقع المشاهدة إلى التطبيق العملي لبعض ممارسات الأجداد.

نجاح الأهداف
سالم عبيد الراشدي، من ناحيته، ذكر أن المهرجان، تحدث عن نفسه عبر هذا الحجم اللافت من النجاح والأعداد الكبيرة من الجمهور من جنسيات مختلفة وليس فقط أبناء الإمارات، وهذا بحد ذاته أوضح برهان أن إدارة المهرجان نجحت في الوصول إلى الأهداف التي وضعتها بترسيخ قيمة التراث الوطني في نفوس الجميع على اختلاف ثقافتهم وجنسياتهم، ولا يغيب عن أي زائر هذه المشاهد لسائحين أجانب أو شباب مواطن وعائلات مواطنة ومقيمة تتجول في إرجاء المهرجان وتطالع بشغف هذه النماذج الحية من التراث الإماراتي، والتي جرى طرحها على الحضور وفق أعلى قدر من التنظيم وتوفير الراحة للجمهور، من حيث مواقف السيارات الفسيحة والمطاعم والخدمات الراقية، وحتى الاستراحات وأماكن الجلوس المنتشرة في المهرجان، لتعطي للجمهور مزيداً من الشعور بالراحة وبأن زيارتهم لأرض المهرجان بمنطقة الوثبة، بمثابة رحلة إلى تاريخ الإمارات في أجواء من الضيافة والمناخ الشتوي الرائع، حيث أحسن القائمون على المهرجان اختيار توقيته، وكذلك إتاحة الفرصة لدول شقيقة لعرض منتجاتها التراثية ليصبح المهرجان حدثاً عالمياً بامتياز ومتحف إماراتي يفخر به كل إنسان يعيش على أرض هذه الدولة.

«الأرشيف الوطني» يعزز معروضاته في «زايد التراثي»
عزز الأرشيف الوطني معروضات جناحه «ذاكرة الوطن»، الذي يشارك به في «مهرجان الشيخ زايد التراثي»، بعدد من الوثائق التاريخية المهمة التي تنتشر في أرجاء المعرض، كشاهد تاريخي على بعض أحداث الماضي، وتعدّ هذه الوثائق نماذج من ملايين الوثائق التاريخية التي يحتفظ بها الأرشيف الوطني.
ومن أبرز الوثائق التاريخية المعروضة، الاتفاقية المانعة، معاهدة الصداقة، وثائق عن جسر المقطع وقلعة المقطع، وثيقة إعلان انضمام دولة الإمارات إلى الأمم المتحدة في الـ 9 من ديسمبر 1971، بعض وثائق الاتحاد التي يحفظها الأرشيف الوطني في أرشيف قصر الحصن، وعدد كبير من الصور الفوتوغرافية التاريخية التي ترصد بعض اللقاءات الثنائية التي أسست لقيام الاتحاد، إلى جانب صور الآباء المؤسسين وغيرها. ومعروف أن الاتفاقية المانعة هي التي ألزمت شيوخ الساحل المتصالح بعدم الدخول في اتفاقيات أو إجراء اتصالات مع أية قوة أو دولة أخرى عدا الحكومة البريطانية، ومقابل ذلك تعهّد البريطانيون بتحمّل مسؤولية الدفاع عن الإمارات من أيّ عدوان خارجي.
ويعكس معرض «ذاكرة الوطن»، البعد التاريخي والحضاري لدولة الإمارات، وما تحويه من إرث تاريخي عريق، وما طرأ عليها من تحول ونماء وتطور في عهد القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه الآباء المؤسسين، وتؤكد هذه الوثائق التاريخية جوانب من الماضي الذي أوصل البلاد إلى حاضرها المشرق.
وتعدّ هذه الوثائق التاريخية، نماذج من الوثائق التي يحفظها في أرشيفاته الموجودة في مقره، وهي المرتكز الذي يعتمد عليه الباحثون في كتابة تاريخ دولة الإمارات ومنطقة الخليج وتراثهما، إذ إن المؤرخ والباحث لا يمكنهما الاستغناء عن الوثيقة بين مصادر بحثهما بوصفها شاهداً على الأحداث، ولها دورها الكبير في تسطير تاريخ الوطن وتدوين أمجاده.


سلطان النعيمي: الموروث الإماراتي مصدر فخر
لفت سلطان النعيمي إلى أن الموروث الإماراتي مصدر فخر لنا، كون الإمارات من الدول القلائل التي تهتم بشكل لافت بتراثها المحلي، والقائمون على هذا الأمر لهم باع طويل وخبرات قوية جعلت من مهرجان الشيخ زايد في طليعة الأحداث التراثية في المنطقة والعالم.
وبين أن أكثر ما استرعى انتباهه هو الاهتمام والشغف الواضح بين الناس بالتراث الإماراتي، سواء من الأجيال الجديدة من أبناء الإمارات أو الجنسيات الأخرى، ليتعرفوا على مرحلة ما قبل الجيل الحالي، فالشباب يبحثون كيف أن الحياة القديمة كانت بهذه البساطة ومع ذلك استطاع الإماراتيون توصيل الإمارات لهذه المكانة الحضارية الكبيرة التي نراها اليوم، بحيث أصبح التراث أقوى عوامل الربط بين الماضي وبين الجيل الحديث، وتعرف الشباب على الجهد الذي بذله أهلهم وساروا بهذا البلد إلى أعلى درجات النجاح.