الإثنين 6 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
متحف بيروت الوطني صرح ثقافي يختصر تاريخ لبنان القديم
متحف بيروت الوطني صرح ثقافي يختصر تاريخ لبنان القديم
الثلاثاء 21 سبتمبر 2010 20:56

تمتاز السياحة في لبنان بمحطات مهمة، جعلت منه رفيق السائح الذي يقصد معالمه وآثاره، وتحديداً متحف بيروت الوطني، الذي تردد أرجاؤه قراءة تاريخية تختصر حقبات طويلة من حضارات الوطن القديم. بالرغم من الخراب الذي أصاب المتحف خلال الحرب الأهلية المؤسفة في لبنان (1975-1991)، فما توفر له من دعم رسمي وخاص، مكنّه أن يعود سليماً معافى، ويفتح أبوابه مجدداً في 8 أكتوبر 1999. عند افتتاح المتحف في مايو 1943 كانت معروضات المتحف الوطني الذي أنشئ أصلاً في العشرينيات من القرن الماضي، حيث اشتدت الحاجة إلى مقر مركزي يضم المكتشفات الأثرية التي تم اكتشافها في تنقيبات بيروت وصيدا وصور ومناطق أخرى من لبنان. وبعد تحديد الموقع على طريق الشام، بدأ العمل في بنائه عام 1930 بهندسة فرعونية محدثة وانتهى عام 1937.. وعاماً بعد عام راحت محتوياته تزداد من كل المناطق اللبنانية، حتى بات في العقود الثلاثة اللاحقة، أبرز مؤسسة ثقافية في لبنان. وعند انفجار الوضع الأمني عام 1975، تمت حماية مجموعات المتحف النادرة عبر تغطية قسم منها بطبقة كثيفة من الباطون المسلح، ونقل القسم الآخر خارج المتحف وحماية قطع الفسيفساء بعازل سميك من أوراق بلاستيكية مغلفة بالإسمنت. لكن رغم هذه الاحتياطات، نخر القصف مبنى المتحف وأصاب محتوياته وأتلف الكثير منها مع مرور الوقت من دون صيانة، أو لتسرب المياه المالحة من شقوق الفجوات، وبلغت القذائف عمق الردهات الداخلية، فقضت على الموجودات فيها التي كانت تنتظر فرزها، وإذ بمكتبة المتحف ( تضم 17 ألف مجلد) تتبعثر بين الركام. مهمة مستحيلة مع نهاية الحرب عام 1991، وجدت المديرية العامة للآثار أنها أمام مهمة شبه مستحيلة، وهي ترميم المبنى ولمّ المحتويات وفهرستها ثم عرضها بشكل عصري وعلمي وحديث، وإعادة المتحف إلى دوره السابق مع الإضافات التي استجدت. وتم ذلك بجهد كبير فظهر البناء عام 1997، بواجهته الجميلة وعاد نظيفاً واسعاً مع تقسيمات داخلية جديدة، وعوازل للصوت ومصاعد جديدة ونظام تكييف يحفظ المحتويات من الحرارة والرطوبة. يلاحظ الزائر للمتحف أن الطبقة الأرضية مخصصة للفسيفساء والقطع الصخرية، وبعضها كبير الحجم. وفي الجناح الأوسط والجناح الأيمن ثمة محتويات من المرحلة الرومانية- البيزنطية، سليمة بكل تفاصيلها، وهناك فسيفساء الحكماء السبعة، وهي كانت ذات يوم تزّين غرفة الطعام من صرح روماني فخم في بعلبك. قرب هذه الفسيفساء من المرحلة التاريخية نفسها تمثال للإمبراطور “هوريان” مقطوع الرأس من مكتشفات صور. على جانبي الجناح الأوسط يجد الزائر أربعة نواويس (مدافن) من القرن الميلادي الثاني، ظهرت في صور داخل مقبرة جماعية كبيرة، كانت تحوي أيضاً عشرات من القبور الأخرى، اكتشفها الأمير موريس شهاب أول مدير عام للآثار في لبنان، هذه النواويس هي من أكثر المحتويات روعة في المتحف.. على الأول توجد نقوش تماثيل مترنحة لإله الحب “كيوبيد”، وعلى الثاني نقوش لمعارك الإغريق، وعلى الناووسين الباقيين نقوش من أسطورة “أخيل”. وثمة نماذج لأشكال هندسية صخرية من المدرج الروماني في بعلبك. مقتنيات قيّمة استعيد من المعبد الروماني في نيحا- البقاع، بناء لمذبح حجري مزّين بنقوش أسود موجود في هذه الطبقة الأرضية من المتحف مع مقتنيات تعود إلى الألفين الأول والثاني قبل الميلاد. وفي الجهة اليمنى من الردهة محتويات منسوبة إلى “أشمون” إله الشفاء عند الفينيقيين، كما توجد في تلك الناحية من الردهة منصة كبرى من معبده محفورة عليها من جهة آلهة وإلهات، ومن الجهة الأخرى راقصون وراقصات. في الجهة اليسرى من الردهة الوسط، عرش “أشمون” ومعه ستة عروش صغيرة للآلهة “عشتروت”، وعليها عدة نقوش لأبي الهول المجنح من الحقبتين الفارسية والرومانية، اكتشفت في عدة أماكن أثرية بلبنان. أما إلى عمق اليسار من تلك الردهة، فينتصب تمثال ضخم كلسي الحجر مصري الهندسة، وجد في “بيبلوس” وهو من صنع محلي غير محدد التاريخ، وعلى النصف الأسفل من التمثال، آثار حروق تشير إلى تعرض المكان ذات يوم لحريق كبير. وفي الناحية نفسها من الردهة، ناووس مرمري من مكتشفات “بيبلوس” عليه نقوش فينيقية ويعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد. أما أهم موجودات المتحف على الإطلاق، فهو ناووس الملك “احيرام” والكتابة المحفورة على طرف غطائه فهي أقدم كتابة معروفة بالأبجدية الفينيقية التي تعتبر أهم الأبجديات. وعلى نقيض النواويس الرومانية- البيزنطية المحفورة والمزركشة، يشير تابوت كلسي حجري إلى مزيج من التأثيرات المصرية والآشورية معاً. وهو يرتكز على أربعة أسود جاثمة، وإلى جهة منه يجلس الملك على عرش تحرسه تماثيل أبو الهول المجنح، فيما على الجهة الأخرى نقوش موكب من حملة الهدايا والقرابين. أما إلى يسار المدخل، وبين جميع هذه الموجودات الحجرية، يوجد أثر خشبي واحد: قطعة من خشب الأرز، تشير إلى الميزة الدهرية المتينة التي جعلت خشب الأرز يلعب دوراً رئيساً في تجارة صور وصيدا وبيبلوس. ما قبل التاريخ تضم الطبقة الثانية موجودات فنية منمنمة الحجم، وكأن مسيرة التاريخ هنا تتمهل عند الفخاريات والزجاجيات والحلى النادرة. وتبدأ الجولة في هذه الطبقة مثل عقرب الساعة، حيث تأخذ الزائر وفق التسلسل الزمني منذ عصر ما قبل التاريخ حيث العصر البرونزي، وصولاً إلى الفتوحات العربية فالمرحلة العثمانية. والمعروضات نماذج خزفية هي من بين أقدم حفريات الإنسان، وهي اللغة المشتركة في علم الآثار: جرار فخارية، عاجيات من العصر البرونزي، خزفيات من العصر الحديدي، وأوعية رومانية وخزفيات إسلامية جميلة. وتبقى “بيبلوس” القديمة من أبرز مصادر كنوز المتحف، فهي من أقدم وأهم المدن الفينيقية. حيث قبور الملوك الحاوية تيجاناً وأكاليل ودروعاً وصولجانات وأسلحة ذهبية مرصعة جميعها. وثمة إناء زجاجي بركاني أسود وصندوق مذهب وهدايا من الفراعنة، إضافة إلى فؤوس ذهبية وبرونزية ذات فتحات، وإناء ذهبي وخنجر مرصع بالذهب والفضة والعاج معاً. مع هذه المعروضات الفنية الدقيقة، واجهتان: في الأولى نماذج من القماش المصبوغ بالأرجوان، أصله من “الحلزون” البحري. وفي الواجهة الأخرى آثار من مشوهات الحرب، بقع ذائبة من الزجاج، حجارة محروقة، قطع حديدية مفتولة، هي صورة عما اقترفته الحرب في التراث التاريخي اللبناني، وعما واجهت مهمة إعادة تأهيل المتحف من صعوبات. إضاءات ? لا يعرض المتحف الوطني إلا اثنين فقط من أصل مجموعة 26 ناووساً (مدفناً) مرمرياً أبيض على كل واحد وجه محفور، تم اكتشاف 19 منها قرب صيدا عام 1901، تعود إلى القرن 15 ق.م. ? ستضاف لاحقاً مجموعة النفيسة من النواويس كاملة بعد إنجاز العمل في الطبقة السفلى للمتحف، حيث سيتم عرض “ناووس” آخر من صيدون، منقوشة عليه سفينة فينيقية مبحرة. ? لا تقتصر مهمة المتحف الوطني اللبناني على كونه صرحاً ثقافياً يختصر تاريخ لبنان القديم، ولكنه يشكل محطة دورية تستضيف هواة الفن والثقافة. ? من يهوى الاحتفاظ بتذكارات لبنانية، فسيجد ضالته في إحدى قاعات المعرض التي تقدم بدورها تحفاً فنية وأشغالاً يدوية وتقليدية صنعتها أياد حرفيين لبنانيين.

المصدر: بيروت
الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©