الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
سيرة التحول المصري
24 يونيو 2011 22:18

في الأيام الأخيرة ذهبت إلى مصر متسائلاً وباحثاً عن الذي تغير والذي لم يتغير، وعن تلك القوة المجتمعية التي وقفت وراء التغيير، فعدت أكثر تفاؤلاً مما كنت. لقد بدأ التحول المصري على مراحل من خلال حركات مثل «كفاية» الرافضة للتوريث والتمديد عام 2004، ثم التحالف الذي قاده البرادعي، بعد عودته إلى مصر في فبراير 2010، فحملة «كلنا خالد سعيد» على الفيسبوك في العام نفسه، وبعدها تزوير انتخابات 2010 تمهيداً لتوريث الحكم. وقد اقترن كل هذا بتزايد كبير في القمع الذي تقوم به الأجهزة الأمنية. الثورة بدأت في عقول المصريين انطلاقاً من أنهم يستحقون أفضل من واقعهم، حيث كانت البلاد سائرة نحو هاوية اجتماعية وسياسية واقتصادية. فقد أطلق مبارك يد ابنه جمال في شؤون البلاد الداخلية، وأصبح الابن يعيش حلم الرئاسة القادمة، لكن فكرة التوريث في نظام جمهوري تحولت إلى مقتل للنظام. وفي الوقت نفسه استطاع المقربون من الرئيس، فضلاً عن المحيطين بالابن تحويل الوريث بالاتجاه الذي يخدم مصالحهم، فبرزت مشكلة الخصخصة وتوزيع الأراضي للمقربين وسط انتشار الفساد. نموذج التوريث كان خياراً مفضلاً لمن أرادوا حكم مصر من خلال جمال. لقد بدأت أغلبية المصريين تكتشف أن توريث الحكم سيخلق كارثة أكبر للبلاد. لكن لينجح مشروع التوريث، كان لابد من إطلاق يد الأجهزة الأمنية على أوسع نطاق، ولم تكن حادثة مقتل خالد سعيد مصادفة، فحملة «كلنا خالد سعيد» قبل سبعة شهور على الثورة عنت عملياً أن كل شاب شعر بأنه مثل خالد سعيد معرض لتلفيق تهمة أمنية، مما دفع الناس للتضامن. لكن الثورة التي كان ينتظر أن تنطلق من مصر انطلقت من بلد عربي آخر، فنجاح الثورة التونسية ألهب حماس المصريين وأعطاهم الأمل. وعندما نزل المصريون إلى الميدان ماكانوا يعلمون أنهم يصنعون ثورة، مع أنهم قرروا الذهاب لثورة بموعد وإعلان واضح على الفيسبوك. استخف النظام بهم، وأما هم ففوجئوا بأن ما قاموا به حرّك كل المصريين. ووسط الانقسام حول خطاب الرئيس، صُدم المتظاهرون في ميدان التحرير بالهجوم عليهم من قبل أنصار "الحزب الوطني" وبلطجيته المسلحين بالسيوف والجمال، قبل أن ينضم إليهم قناصة بدأوا بقتل المتظاهرين بهدف فض الاعتصام. هنا بدأت المعركة التي أبلى فيها الثوار بلاء حسناً، إذ نجحوا في تأمين الميدان بعد أن انسحبت الدبابات وتركت للمهاجمين حرية الدخول، لكن عند أحد البوابات نجح نقيب قبطي مصري من الجيش في منع الاقتحام رغم ما بدا أنه أوامر بوقوف الجيش على الحياد. موقعة الجمل أسهمت بصورة مباشرة في إنهاء حكم مبارك سريعاً، وجعله يخسر آخر مواقع التأييد الممكنة بين الجمهور المصري. الجيل المصري من الشبان والشابات ممن لاتتجاوز أعمار معظمهم أواخر العشرينيات، هم أكثر من تعرض لجرعات مركزة ومركبة تعكس مدى عمقهم السياسي، وقدرتهم على التحليل المنطقي وصنع القرار. هؤلاء الشبان تحملوا مسؤولية كبيرة، بل قاموا أثناء الثورة وأمام القرارات الصعبة باستشارة قضاة ومفكرين ليستنيروا، ويسألوا أعمق الأسئلة قبل أن يقرروا، وهم في الميدان، خطوتهم التالية. أفرزت التحولات شريحة كبيرة من شبان مصر ممن يؤمنون بقيم الديمقراطية وبالرأي والرأي والآخر، وتداول السلطة والتعبير المفتوح عن الرأي. وهذا يفسر حجم المبادرات الشعبية المصرية المنتشرة حول العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، وحول الدستور القادم، وحول الحريات وحول العدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي والمدونات والمناطق العشوائية. وهناك الآن نمو للقوى الوسطية والليبرالية واليسارية مقابل استقالات في صفوف بعض ناشطي «الإخوان». الديمقراطية قادمة أيضاً إلى «الإخوان» وجميع التيارات السياسية التقليدية في صفوف الوفد واليسار. وبما أن مصر في مرحلة التحولات الديمقراطية، وبما أن الثوار لم يصلوا إلى السلطة، فهناك توتر وحوار مع المجلس العسكري الذي يحكم مصر الآن والذي يؤكد أنه لا يطمح للبقاء في السياسة إلا لفترة قصيرة، قبل تسليم البلاد لسياسيين منتخبين. أما الشبان الثوريون فأخذوا على عاتقهم التحول إلى قوة ضغط أساسية لمصلحة الثورة واستكمالها. د. شفيق ناظم الغبرا - كاتب كويتي ينشر بترتيب مع مشروع «منبر الحرية»

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©