الإثنين 4 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
«الربيع العربي»... وصعوبة الإصلاح
«الربيع العربي»... وصعوبة الإصلاح
24 يونيو 2011 22:17
رغم اتساع رقعة الاحتجاجات التي أطاحت بمبارك إلى باقي المدن المصرية واتخاذها طابعاً وطنياً تبقى ساحة التحرير وسط العاصمة القاهرة القلب النابض للتحولات المصرية، إذ فيها اجتمع المصريون من كافة المشارب والتوجهات من "إخوان" وشيوعيين، والشباب غير المسيس الذين توحدوا جميعاً ضد نظام مبارك وقواته الأمنية، مركزين على الاتحاد فيما بينهم لتغيير مصر، ومن بين هؤلاء الشباب الذين غصت بهم ساحة التحرير رامي عصام الطامح إلى شق طريقه في عالم الموسيقى والغناء، حيث غادر مدينته المنصورة التي تبعد عن القاهرة بحوالي سبعين كيلومتراً وجاء كغيره من الشباب إلى ساحة التحرير للمشاركة في الإطاحة بالنظام، وحتى عندما بدأت القوات الأمنية تترنح تحت وطأة الضغط الشعبي الجارف، وأُرسل البلطجية لتفريق المحتجين، كان عصام في قلب المعركة. ومع انحسار العنف استعاد عصام قيثارته وراح يعزف لباقي الشباب ألحاناً مرتجلة تحولت إلى ما يشبه نشيد الثورة الذي يتردد على كل لسان، وقد أخبرني عصام في 12 فبراير الماضي، مساء الإطاحة بالنظام، قائلاً "لم أهتم قط بالسياسة، لكن هذه المرة جاءت الفرصة للقيام بشيء من أجل البلد وتغيير الأمور لم أتردد، وما كان لي أن أتخلف عن ذلك". لكن وفيما كان يتحدث عن الوحدة الوطنية والأمل وعن قناعته الراسخة بالديمقراطية ورغبته في العودة لاستكمال مشواره الموسيقي كانت بوادر الصعوبات المرتبطة بتأسيس مرحلة ما بعد مبارك قد بدأت تظهر في الأفق. وعلى امتداد الشهور التي أعقبت تنحي مبارك بدت تجربة عصام وباقي الشباب الذين أشعلوا الثورة، وكأنها نتيجة لتدافع القوى النافذة داخل المجتمع المصري، بل وفي مختلف بلدان المنطقة، وهو ما يعني أن الوعود التي حملها "الربيع العربي" في طياته مازالت حتى الآن بعيدة عن التحقق. وفي الوقت الذي حظيت فيه الأحداث الأخرى في المنطقة بالاهتمام الإعلامي الواسع والمكثف مثل القمع الدموي للاحتجاجات في سوريا وتواصل الحرب في ليبيا تستميت مصر في نضالها للتخلص من العادات القديمة المرتبطة بالاستبداد والبلطجة وترويع السكان. في التاسع من شهر مارس الماضي، وفيما كان عصام وزملاؤه يعتصمون في ساحة التحرير لإبقاء الضغط على المجلس العسكري الحاكم تم اعتقاله واقتيد إلى المتحف الوطني الذي تحول إلى سجن مؤقت حيث تعرض للضرب، وهو ما تعرض له أيضاً العشرات من النشطاء منذ الإطاحة بالنظام السابق، هذه الممارسات وغيرها تشير إلى أن عادات الماضي لن تختفي بين ليلة وضحاها وأن المزيد من النضال مازال مطلوباً لتفكيك البنى الذهنية المستحكمة. ففي كل من مصر وتونس مازالت بقايا الدولة البوليسية تعتمد على التعذيب والإكراه، كما أن حلفاء مبارك وبن علي مازلوا يحاربون من الخلف؛ وفي المقابل كان القذافي والأسد يتعلمان الدرس، مفضلين إغراق بلديهما في حروب دموية على الانتهاء إلى مصير مبارك وبن علي. وبالنسبة للنظام السوري يبدو أنه مصمم على عدم المخاطرة بتقديم تنازلات وإبداء الليونة، مؤثراً انتهاج أسلوب القمع والقوة ضد المتظاهرين منذ البداية حيث سقط لحد الآن 1600 قتيل من المحتجين المطالبين بالديمقراطية، هذا بالإضافة إلى التعذيب الذي طال معارضي النظام بمن فيهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة، كما وثقت ذلك منظمات حقوق الإنسان، فيما أرسل الجيش لاقتحام المدن واحتواء المظاهرات. وقد اختار الأسد الذي رأى كيف قدم مبارك وبن علي تنازلات فقط لتتصاعد الاحتجاجات إعمال قمع الدولة البوليسية الذي نجح في تثبيت النظام الحاكم في سوريا طيلة السنوات الماضية، لا سيما في عام 1982 عندما قتلت قوات الأمن التابعة للنظام عشرات الآلاف في حماة إثر انتفاضة إسلامية مسلحة، ومع الأسف نجح القمع الوحشي في توطيد أركان النظام على مدى الثلاثين عاماً الماضية. لكن حتى عندما تسقط الأنظمة يظل الإصلاح عملاً مستمراً وشاقاً، فمصر حالياً تتلمس طريقها نحو عملية انتقال ديمقراطي برعاية الجيش، ويبدو أن مرحلة الانتشاء بالثورة التي وحدت الأقباط والمسلمين وباقي أطياف الشعب المصري وحساسياته السياسية قد فسحت المجال اليوم لعودة الجدال السياسي والخلافات القديمة، وليس أدل على ذلك ما تعرض له الشاب رامي عصام الذي في اليوم التالي على تنحي مبارك صعد إلى المنصة في ساحة التحرير لإسعاد الجمهور بإحدى أغانيه فما كان إلا أن صعدت معه مجموعة من النساء المحجبات متبوعين بشباب سعوا إلى التفريق بين الرجال والنساء، والتقطت إحدى النساء الميكروفون لتتحدث عن قدسية وقت الصلاة وضرورة التقيد بالدين، وبعد فترة من الأخذ والرد وتعبير الجمهور عن انزعاجهم تمكن عصام بشعره الطويل إكمال أغنيته وسط تصفيق حار من الجمهور. أما في الشهور اللاحقة فقد ظهرت جماعة "الإخوان المسلمين"، مستفيدة من مناخ الحرية الجديد، لكنها في الوقت نفسه حرصت على عدم إخافة الناس، أو المجتمع الدولي وتجنب مصير الجزائر في التسعينات وغزة بعد فوز "حماس". وقد كان لافتاً إعلان الجماعة عدم ترشحها في الانتخابات الرئاسية والاكتفاء بحوالي 49 في المئة من الدوائر الانتخابية البرلمانية، ويستبعد "مارك لينتش"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن والخبير في الشؤون المصرية المخاوف التي يثيرها البعض من توجه مصر نحو نظام الدولة الإسلامية، قائلا "يدرك الإخوان جيداً ما حصل في الجزائر وغزة، ففي الجزائر عندما اكتسح الإسلاميون الانتخابات عام 1991 تدخل الجيش ليغرق البلد في حرب أهلية، وعندما فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية لعام 2006 أدت المواجهات اللاحقة إلى تقسيم الأراضي الفلسطينية". دان ميرفي محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان سيانس مونيتور»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©