الأحد 22 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
مهرجان للحرف التقليدية يبعث الحياة في المشغولات التراثية
مهرجان للحرف التقليدية يبعث الحياة في المشغولات التراثية
24 يونيو 2011 21:51
عودة إلى الزمن القديم رحلة فنية ممزوجة بالخيال. رائحة البخور تستقبلك وأجواء المكان العتيق تثير الوجدان، وألحان المزمار الشعبي والربابة ونجوم الفن الشعبي والأزياء المزركشة المبهجة تمنح الصورة لمسة من “الفانتازيا” في وكالة الغوري بالقاهرة التاريخية، حيث أقيم المهرجان السنوي للحرف التقليدية والتراثية، الذي افتتحه أشرف رضا، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية. (القاهرة) - أصبح المهرجان السنوي للحرف التقليدية والتراثية، الذي يقام في وكالة الغوري بالقاهرة، أحد أهم مكونات الذاكرة المصرية الحضارية من خلال رعايته للتراث الحضاري والشعبي الذي يشير إلى عبقرية الشخصية المصرية وهويتها، ما يؤشر على أن استمرار الحرف التقليدية على مدار العصور دلالة قاطعة على حب المصري للحياة والجمال. جماليات العمارة عن أنشطة المهرجان وطبيعته، قالت ناهد رستم، المشرف العام على المهرجان، إن فكرة المهرجان هذا العام جاءت تحت عنوان “فنون وحرف شعبية من إبداعات مصرية”، حيث يتضمن المهرجان العديد من الأنشطة التراثية والفنية المتنوعة، منها معرض الحرف التقليدية والمنتجات التراثية ومعرض للفنون التشكيلية وعروض الفنون والموسيقى الشعبية ومعرض تسويقي لمنتجات الحرف التقليدية وعروض للحلي المصرية بينها إبداعات الفنانة وهاد سمير. وتقع وكالة الغوري ضمن مجموعة معمارية بنيت في آخر العصر المملوكي، وترجع أهميتها إلى أنها أنشئت في عصر مملوك شركسي هو الأشرف أبو النصر قنصوه الغوري، الذي تولى حكم مصر في الفترة من 1501 إلى 1516، وهو آخر سلاطين المماليك ومع نهاية عصره جاء الغزو العثماني. ووكالة الغوري نموذج لما كانت عليه الوكالات في ذلك العصر، وهي مكونة من أربعة طوابق، ويتكون كل طابق من 28 غرفة بأسقف مقببة تطل على صحن مستطيل تتوسطه نافورة رخامية. والمكان يزداد سحرا في المساء مع الإضاءة التي تم توزيعها لتكشف جماليات العمارة من خلال انعكاس أشعة الضوء عبر المشربيات في تناغم فني مريح، ويستقبل الزائرين عدد من الفنانين الذين توارث بعضهم الحرف والفنون التراثية عن الآباء والأجداد وبعضهم انضم للوكالة بموهبة فطرية وعشق حقيقي جعله يبدع بأنامله قطع الخزف أو النحاس أو الخشب المحفور. ويروي ياسين محمد، فنان الحفر على الخشب الأيما، قصته مع تلك الحرفة الفنية التي كادت تنقرض قائلا “لا أعرف سبب تعلقي بهذا الفن الصعب، لكني أذكر بداية اهتمامي به عندما كنت طالبا في الصف الثالث الابتدائي وعمري ثماني سنوات واصطحبني والدي معه للعمل فقد كان أحد أمهر صناع فن الخيامية، وصاحب شهرة كبيرة وحاصل على جوائز من معظم دول العالم، وتم تكريمه في العديد من المهرجانات الدولية، وحصل على لقب شيخ الحرفيين”. ويضيف “شاهدت بعض الفنانين ينحتون الخشب وانجذبت جدا لهذا الفن ووجدت فيه متعة كبيرة، وربما كان السبب هو أن نتيجة العمل تظهر بوضوح مع كل دقة”. تقنيات قديمة حول مشاركته في المهرجان، يقول محمد “أشارك في مهرجانات الحرف التقليدية منذ العام 1995، وأساس العمل في وكالة الغوري هو الحفاظ على التراث لذلك نعيد القطع القديمة مثل الأبواب أو اللوحات، كما هي بنفس التقنية القديمة وأحيانا أقوم بتطوير بعضها في أشكال فنية لها استخدامات تناسب العصر الحديث”. ويضيف “أعتز ببعض اللوحات التي تحاكي قطع أصيلة في متاحف عالمية، ولدي خبرة في أن أمنح الروح القديمة للمشغولات الخشبية لأن أكثر ما يميز القديم هي التقنية العالية والمهارة اليدوية، وهو ما يختلف تأثيره عما تنتجه الآلة، لذلك استمتع بعملي لأني انتجه بهدف الفن وإحياء التراث، ولا يشغلني السعي وراء الربح السريع فأنا حاليا موظف في وزارة الثقافة، وأعمل مدرب حفر وزخرفة على الخشب، وهدفي أن يصل فني لكل الناس وهناك أنماط جديدة من المشغولات الخشبية التي تعيد فن الحفر على الخشب من خلال منتجات لها طابع راق مثل “البلتكانات” الخاصة بالستائر وصناديق العرائس بمختلف الأحجام والأشكال”. وفي قاعة مجاورة عرض فنان الحلي التراثية اليدوية جلال عبدالخالق عددا من قطع الحلي المتفردة من الفضة وبعضها مطعم بالأحجار وجميعها تحاكي قطعا أصيلة موثقة بينها مقتنيات في المتحف المصري. ويقول “جميع المشغولات تعتمد على الأساليب القديمة وهي تحتاج لوقت طويل نسبيا لإنجازها، ومعظم قطع الحلي من الفضة الخالصة وبعضها من الذهب والفضة معا، وقد تعلمت هذا الفن عن أبي وجدي وهي موهبة ووراثة لأن أبنائي الثلاثة ورثوا نفس الموهبة وجزء من المعروضات صنعها ابني يوسف “عشر سنوات” وابنتي سهيلة وحتى ابنتي الكبرى رنا عمرها 16 عاما تعيش بالخارج وتمارس نفس الهواية”. ويضيف “والدي آخر جيل في المهنة يعمل بالأساليب القديمة ويصر عليها. وأذكر أن جدي رحمة الله رفض أن يسمح لي بالتوقيع على أي قطعة حلي أنفذها إلا بعد أن وصلت للمستوى الذي يرضيه وكان ذلك وأنا في السادسة عشرة من عمري بعد حصولي على الإعدادية”. قواقع وحلي عن دراسته الأكاديمية لصناعة الحلي، يقول عبدالخالق “لم أدرس بشكل أكاديمي ومؤهلي الدراسي بكالوريوس زراعة فقد كان الفن بالنسبة لي هواية ومتعة خاصة، ولكني حصلت على تدريب عملي من خلال ملاحظتي لوالدي في الورشة الخاصة به وحاليا اعمل كمصمم مجوهرات للعديد من الشركات العالمية ولي مجموعات باسمي وهي حلي من الألماس والأحجار الكريمة”. وحول القواقع البحرية التي تحمل كتابات وأدعية وتتوسط الحلي، يقول “هذا الفن من النادر فعلا وهو الحفر على القواقع، وتوجد مجموعة كبيرة منه في المتحف أهدتها ليلى هانم دوس ابنة توفيق باشا دوس، والتي كانت تملك أكبر مجموعة قواقع في العالم”. ووقف يوسف مغاوري فنان متخصص في تصميم وتنفيذ العرائس المتحركة بالخيوط بجوار مجموعة من العرائس التي صنعها وصممها، والطريف أن بعض هذه العرائس أصبحوا نجوما مثل “الغازية” وراقص التنورة وغيرها. وعن عالمه، يقول “أصمم العرائس المتحركة بالخيوط بحيث يسمح التصميم بمرونة كبيرة في الحركة، وأسعى دائما لتطوير نفسي من خلال دراسات فنية متعددة، وانعكس ذلك على تصاميمي وأحدث إنتاجي عرائس تعتمد على الفن التكعيبي، وأعتبر أنني أعمل في مجال نادر وحرفة كادت تندثر رغم أنها مهمة جدا وأقدم تصاميمي لمسرح العرائس”. ويضيف “دخلت عالم العرائس في البداية كهواية، ولكني قررت التفرغ لها بعد حصولي على دبلوم الزراعة، وحصلت على دورات فنية في كلية التربية النوعية، وأستمتع بمشاهدة الابتسامة على وجوه الجماهير وهي تتابع عروض العرائس وبعض العرائس أصبحوا نجوماً يحبهم الجمهور مثل راقص التحطيب والفارس وعازف الربابة”. قسم النسجيات تحتل مجموعة رائعة من النسجيات جدران الوكالة بعضها على الجنبات خارج الحجرات في البهو الرئيسي وأخرى في حجرات خاصة وأغلبها يحمل أسماء كبار الفنانين التشكيليين أمثال محمود سعيد وبيكار ومحسن شعلان ومنها ما ينتمي إلى الفن الفرعوني والقبطي والإسلامي أوالشعبي الحديث. وحول هذه الطرز الفنية المتباينة، توضح المهندسة عبير محمد محمود، مدير مركز الفن والحياة، أن معظم الأعمال تخص قسم النسجيات والذي يضم عددا من الفنانين المهرة الذين يحولون العديد من اللوحات المصورة لكبار الفنانين التشكيليين إلى قطع نسيج يتم تنفيذها على أنوال، وينتج هذا القسم سجاجيد ومعلقات ولوحات فنية ومعظم تلك القطع موثقة وموجودة كمقتنيات في المتاحف داخل وخارج مصر. وتشير إلى أقسام أخرى بالمركز مثل قسم الطباعة الذي يقدم فنون الباتيك والرسم على القماش وقسم الجلود وهو أحد الفنون التراثية المميزة، ويضم مجموعة من الفنانين يعملون بالتقنيات القديمة ويطرحون أعمالهم في أشكال بعضها تقليدي بحت وبعضها يحمل أفكارا متطورة مثل الحقائب اليدوية. وتشرح المهندسة مهجة صابر، مدير دار النسجيات، كيف يتم ترشيح فنان معين لتنفيذ إحدى اللوحات قائلة “في البداية هناك لجنة فنية تضم نخبة من الفنانين المتخصصين تختار اللوحات الأصلية التي يتم تنفيذها على النول وفقا لخطة سنوية لأن هناك تعقيدات كبيرة في العمل، وبعض اللوحات لا تصلح لتحويلها إلى قطعة نسيج لأسباب فنية خاصة، وتعرض اللوحات والتصاميم على الفنانين الذين يختار كل منهم اللوحة التي يحبها ويتحمس لتنفيذها”. وتضيف صابر “فن النسجيات المرسمة من الفنون التراثية الصعبة، ويستغرق تنفيذ اللوحة ثمانية شهور على الأقل وبعض الأعمال يستمر تصميمه عامين ليخرج على نفس المستوى من التفاصيل الدقيقة التي يحملها الأصل سواء كان لوحة تشكيلية أو قطعة نسيج أصلية وبعض الفنانين الكبار أبدوا إعجابهم بالنسجيات ومهارة الفنانين، الذين نجحوا في تحويل لوحاتهم التشكيلية إلى قطع مبهرة من النسيج المرسم ومنهم الفنان رضا خليل، الذي قال عن لوحته الشهيرة “ملامح مصرية” إنها عندما تحولت إلى لوحة نسجية تفوقت في جمالها على اللوحة الأصلية التي رسمها بيديه”. وتروي أمل محمود سر تعلقها بأعمال الجلود، قائلة “هذا الفن القديم به عدة تقنيات يجب أن يجيدها الفنان، وبعدها يمكن أن يضيف لمسته وروحه لأي قطعة من الجلد حيث تسمح الجلود الطبيعية باستخدام عناصر متعددة مثل الأحجار والمرايا والتثقيب والتطريز بالخيوط الملونة”. الرسم على الحرير وفاء مليجي جذبت عددا من جمهور المهرجان بلوحاتها الفنية المميزة وألوانها الزاهية البراقة. وعن العلاقة بين أعمالها والفنون التراثية، تقول “تخصصت في الرسم على الحرير وبعدها بدأت أنفذ لوحات تتداخل فيها عناصر عديدة مثل الشمواه والخرز وخيوط السيرما الذهبية والفضية الملونة واحيانا الفصوص والأحجار ومعظم لوحاتي مستمدة من الفنون القديمة، وأعتمد فيها على موتيفات شعبية متنوعة مثل الوشم ومظاهر الموالد وبعضها من المنمنمات والزخارف الإسلامية”.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©