الاتحاد

دنيا

عائشة جمعة: أمضيت بجوار القربة 30 عاماً

تتبادل بعض الأحاديث مع قريبة لها أثناء العمل

تتبادل بعض الأحاديث مع قريبة لها أثناء العمل

بينما يتجول الزوار والسياح خلال مهرجانات أبوظبي في السوق الشعبي، ويطوفون على دكاكين الحرف اليدوية القديمة، يلفت أنظارهم سيدة كبيرة في السن، تنهمك في عملها، فيما الناس حولها يتابعون كيف تهز ''القربة'' بيديها في حرفية عالية، ويرون اللبن يخرج من بين يديها، نظيفاً وشهياً وصحياً، بعد أن خضته أمام أعينهم لعدة دقائق·
إلى ذلك، استفاد أجدادنا من معطيات البيئة المحيطة بهم، لتأمين أدواتهم المستخدمة في حياتهم اليومية· وكذلك استفادوا من لحوم الحيوانات وجلودها، فصنعوا منها قرب الماء واللبن، مثل ''السقا'' المستخدمة في خض المنتجات الحيوانية، والتي تجيد استخدامها معظم أمهاتنا·· فالوالدة عائشة جمعة ''أم محمد'' (63 سنة)، أمضت بجوار القربة نحو ثلاثين عاماً، تمارس مهنة تحضير اللبن، من خلال خضه وتقديمه للضيوف والسياح في المهرجانات والاحتفالات الرسمية·
ما قبل الاتحاد
وكانت النسوة قديماً يقمن بأدوار إضافية إلى جانب أدوارهن الاعتيادية اليومية، تقول الوالدة عائشة: ''كانت جداتنا وأمهاتنا يصنعن مما توفره البيئة من حولهن، الكثير من أدوات البيت ومستلزماته· وكن يبدعن من الصوف وسعف النخيل العديد من القطع النسيجية والأدوات الخوصية التي تتوزع في مختلف أركان البيت الذي غالباً ما يكون من سعف النخل ''العريش'' لسكان الساحل، أو خيمة ''بيت شعر'' لسكان البادية· وقد ورثنا عنهن براعتهن في إنجاز عدة حرف، لازلنا نتناقلها ونتوارثها جيلاً بعد جيل كي نحافظ على استمراريتها''·
وتضيف: ''تعلمت على يد والدتي العديد من الأعمال المنزلية، بما فيها ''خض اللبن'' الذي يتطلب قوة في الساعدين وصبرا وثباتا، وذلك قبل زواجي وانتقالي إلى بيت زوجي، حيث تابعت أسوة بقريناتي، القيام بالأعمال المنزلية الاعتيادية، وكات جاراتي وقريباتي يطلبن مشورتي ومساعدتي بخصوص خض اللبن وتحضير السمن والجبن منه· فقد كانت لدينا أوقات فراغ طويلة لا نعرف كيف نجزيها، بينما أزواجنا يعملون في صيد الأسماك، أو مواسم خراف النخيل، أو البيع والشراء، كي نستطيع تأمين قوت يومنا الذي كان يمر بصعوبة، نظراً لقسوة ظروف الحياة بخاصة في منطقة صحراوية وحارّة ولا ثروات أو إمكانيات لديها''·
بعد قيام الدولة
لم يدم ذلك الحال طويلاً، حيث حدث ما جعلها تغادر وأسرتها مدينة العين باتجاه أبوظبي للإقامة فيها، تقول: ''بعد مرور عشرة أعوام على زواجي، كنت آنذاك قد بلغت من العمر 25 سنة، ولدي أربعة من الأبناء والبنات، أعلن الاتحاد، وقامت دولتنا الحبيبة الإمارات العربية المتحدة· وبدأت أمور كثيرة تتغير في معالم المدينة وملامح حياتنا اليومية ذاتها، فبدأت تظهر بيوت الإسمنت، ومن ثم المزارع التي تجول فيها الإبل والأغنام والأبقار· وبتنا نشاهد يومياً شق الطرقات واستحداث الشوارع وبناء المدارس والمستوصفات ووصول المواصلات، بحيث انبثقت نهضة حضارية شملت كافة ميادين الحياة، وبدأ الخير يغمرنا، وتطورت حياتنا من الفقر إلى اليسر''·
لكن، ثمة شيء لم يتغير في الوالدة عائشة، تشير إليه قائلة: ''بعد قيام الدولة بعدة سنوات، أُشهرت الاتحادات والجمعيات النسائية التي تعنى بتعليم وعمل المرأة، وتنشيط تراث الأجداد والمحافظة عليه، فعملت في تحضير وخض اللبن تأكيداً مني في الالتزام بتاريخ وتقاليد أجدادي وصرت أشارك عبر فريق الضيافة الذي يتألف من ''القهوة العربية، الحلوى والتمور، اللبن'' في المهرجانات والمعارض التي تقيمها أو تستضيفها الدولة، وأقوم من خلال مهنتي بتعريف الزائرات بأصول استخدام السقا وخض اللبن، كما كنت أقدم للضيوف أكواب اللبن وحليب النوق''·
المحرض الجميل
وبدأ تأهيل قطاع السيدات والشابات ليكن فاعلات في المجتمع، في إطار من ثقافة وتراث الدولة، وبما يتواكب مع طبيعة العصر ومتطلباته· فتقدمت آنذاك الوالدة عائشة إلى ''فرق الضيافة'' لتعليم وتثقيف الصغيرات بتراث الأجداد، عبر دورات تدريبية مبسطة، تقول عن تلك المرحلة: ''تمّ في عام 1993 تأسيس ''نادي تراث الإمارات'' الذي حرص أن ينقل للزوار والسياح واقع وتفاصيل الحياة اليومية لأجدادنا، وتقديم كل ما كان يرتبط بتلك الحياة من أدوات ومستلزمات، كأدوات صيد اللؤلؤ، ودلال القهوة العربية، والأزياء الفلكلورية، والحلي وأدوات الزينة عند المرأة، وطرق إعداد الحلوى والمأكولات الشعبية، وخض اللبن في السقا، الذي كنت أجيده، وأتوق للعمل في مجاله، لأن القيام بدوري في خدمة مجتمعي من خلال نشر عاداته وتقاليده الجميلة، كان المحرض القوي لدي· فأنا لا أبتغي المال ولا أطلبه، وكل همي نشر تراثيات وحِرف الجدات''·
وتضيف مشيرة إلى عملها الحالي: ''لازلت أشعر بالقوة والقدرة على تقديم الخدمة لبلدي، من خلال عكس كرمها الأصيل وحسن ضيافتها وترحيبها بزوارها، لذلك أكون في مقدمة فرق الضيافة، مع انطلاقة أي مهرجان في أبوظبي، بخاصة مهرجانات ''قرية التراث'' الذي تقدم بالمجان للزائر شتى أنواع الضيافة، ومن ضمنها اللبن·
الأداة
وفيما يخص أداة السقا، ومما يتألف، توضح الوالدة عائشة، وتقول: ''يعتمد خض اللبن على توفر ''السباي'' أولاً، وهي عبارة عن ثلاث جرايد أو أعمدة بطول مترين، تربط من الأطراف العلوية وتتباعد الأطراف السفلية كأنها أوتاد خيمة، وبكل عمود يوجد فتحة تدخل منها الحبال، تحمل بواسطتها ''السقا'' أو القربة، وهي وعاء مصنوع من جلد الماعز، بعد تهيئته وتنظيفه وتطهيره جيداً، ليستعمل في خض اللبن لدى أهل البادية والحضر على حد سواء· ويوضع به اللبن المخيض ''حليب الأبقار والماعز'' المراد منه استخراج الجبن والزبدة، حيث تجلس المرأة القرفصاء بمحاذاته لإمساكه من الحبل والقيام بعملية خض اللبن داخل ''السقا'' الذي يختلف في الحجم، بين كبير ووسط وصغير''·
الطريقة
وتصف الوالدة عائشة، طريقة استخراج المنتجات الغذائية من اللبن داخل السقا، تقول: ''حين نستخرج الزبدة من السقا، يبقى بعض اللبن المخيض، فنضيف إليه قليلا من الملح والحلبة ليعطيانه مذاقاً شهياً، ويؤكل مع خبز الرقاق· كما يُقدم اللبن كمشروب مميز مع الوجبات أو في فوالة الضحى مع ''الجامي'' المستخلص من تسخين اللبن المخيض حيث يوضع اللبن على نار هادئة ولا يحرك حتى تتكون قطع بيضاء معتزلة عن الماء، يرفع عن النار ثم يترك ليبرد ويصفى من الماء، وبعدها يؤكل مع السمن البلدي والرطب أو تمر الخلاص''·
حياة بلون اللبن
وحرصت الوالدة عائشة على تعليم بناتها الأعمال المنزلية التي كانت الجدات يقمن بها، على الرغم من كون بناتها شابات عصريات يعملن في سلك التعليم، تقول:
''قضيت نصف عمري تقريباً، أتعلم وأمارس حرف الجدات، وأعلمها وأنشرها لئلا تندثر بفعل سيطرة الأدوات الإلكترونية العصرية الخاصة بالعصير والتقطيع والخفق والخض، وخلافه·· فوجود شغالة أو مدبرة للمنزل لا يمنع بناتنا من إتقان الأعمال المنزلية، من باب العلم بها والمحافظة عليها''·
وتأمل الوالدة عائشة، أن تواصل تقديم ''اللبن'' الذي تراعي أن يكون نظيفاً وصحياً وشهياً، للجمهور الزائر للمهرجانات، وتتمنى أن يمدّ الله سبحانه وتعالى في عمرها كي تصنع السقا لحفيداتها وتعلمهن خض اللبن، مرددة ''من فات جديمه تاه''·

القربة

؟ يتوفر من القِرب القديمة، عدة أنواع وأحجام تختلف فيما بينها·
؟ ثمة أسماء عديدة للقربة، متداولة عربياً، فهي (المزود، والشنة، والحربة، والوطب، والشكوة، والسعن، والراوية، والإيكاء)·
؟ لكل حجم من القِرب مسمى واستخدام مختلف· إذ يطلق اسم ''الصميل'' على القربة الشبيهة بالسقا، لكن حجمها يكون أصغر· أما ''المروب'' فهو وعاء جلدي كبير يجمع فيه الحليب حتى يروب· بينما ''المكرش'' فهو وعاء من الجلد يستخدم في حفظ الزبدة· في حين تعتبر ''القرعة'' إحدى أنواع القرع الطويل، مجوفة من الداخل، ويتم تعليقها في السقا لحفظ السوائل''·

اقرأ أيضا