الاتحاد

الملحق الثقافي

عن عصبوية الشعر

سيف الرحبي

سيف الرحبي

عندما يصيب الاستنكار واللعن الممارسة الإبداعية في الشعر، فهو تأكيد آخر على مركزيته في الذاكرة العربية، كون ذلك أيضا لا ينفي مشروعية الدفاع عن المنجز الإبداعي الهام فيه والذي لو استقبله نقد موضوعي في إطار حضاري (ليس شلليا أو عشائريا) لغذى الذاكرة العربية المنكوبة بدم جديد ومساءلة جديدة· يبقى هذا الأمر قائما ضمن هذا التصور حتى لو اندفع الشعر الجديد في مسالك من العدم والفوضى بالمعنى الأصيل الخلاق، تلك الفوضى التي هي قرينة التجريب والتي يصفها كلود ليفي شتراوس بقنطرة البحث عن نظام أفضل للأشياء·
لم يكن الأدب العربي الكلاسيكي أيضا إلا مخترقا بهواجس هذا الوجود المضطرب روحا وشكلا حسب الفترات والأزمنة والشخوص، ولم يكن أسير الوظيفية الساذجة لمفهوم الأدب والشعر إلا في جوانبه الضعيفة·
يختلط المشهد الشعري العربي ويغيم، ويلتبس، ليس في ذهن متلقيه أو قارئه بالمعنى العادي فحسب، وانما يحتدم السجال والصراع ويصل إلى حد الإلغاء المتبادل بين أطراف منتجيه ومبدعيه، فلا تتداخل موجاته وتتحاور في سياق ابداعي حقيقي وانما تنبني تفتعل القطيعة والتفرد المطلق بأشكال مختلفة، من انبثاق أجيال ومجموعات متوهمة، يصل وهم تفردها واعتدادها بمثالها الابداعي حد العصبية التي لا تلين ولا تتنازل عن حق السحق والتفوق· ينطبق هذا التلميح على أطراف الشعر الحديث أو معظمها، المتقدم والمتأخر منها، فالمتقدم يزعم السبق والأصالة والخبرة وغير ذلك الذي لا يرده اللاحق المنضوي تحت لواء أكثر جدة وهامشية واختراقا· ليست عصبية الشعر الجديد أو القصيدة النثرية وحدها التي تمارس نفي الآخر أو تهميشه فقد سبقت قصيدة التفعيلة، دعك من شعر العمود الخليلي المعروف، الى هذا الإلغاء والتهميش بزمن طويل، فقد مارست حقا شبه مطلق في احتكار الشعرية العربية ومنابرها واعلامها ونقدها· فجاء الرد الصاعق لاحقا بما يتساوى أو يزيد وينقص مع حجم الاجحاف والعشوائية التي مارسها السابقون· وانحشر جدل الشعر بهذا المعنى في زوايا ضيقة واستقطابات عصبية لا ترى شيئا خارج ذاتها ومثالها المسبق· والشاعر قبل أن يستوي ويلامس قدرا من نضج وتأمل واستقلالية تفكير، لابد غارق في تلك العصبية واغراء جماعيتها التي توهم بالحماية والأمان الشعري السهل، بما يعنيه من ترويج اسم وكتابة يشبه الربح السريع في عالم التجارة والمقاولات·
الشاعر اللاحق أو الجديد، في هذا السياق ينقلب على نفسه وأطروحته التي تحاول اجترار عزلة وهامشية يرى أنها ذات منحى قطيعي، عكس شاعر المرحلة السابقة الذي يتواءم مع مشروع وهم جماعي لم يلبث أن أصابه العطب والانكسار أمام اختبارات الوقائع والتاريخ·
هل يتمخض في خضم هذا المشهد العصبي شعر حقيقي أو يتجاوز بانفتاح الحوار على الاتجاهات والرؤى التي لا يمكن تعليبها في قالب أو مثال؟

اقرأ أيضا