الاتحاد

الملحق الثقافي

السخرية بوصفها وقوداً شعرياً

د· علي بن تميم

د· علي بن تميم

السخرية هي محاكاة لأسلوب أدبي مميز أو مؤلف أو تقليد لإحداث أثر مضحك بين القراء· ولم ينجذب الأدباء في اللحظة المعاصرة إلى السخرية أو الباروديا لاعتبارات ذوقية فحسب، وإنما لقدرتها على إثارة جملة من الأسئلة النظرية التي تتصل بعملية الكتابة والقراءة والسياق الاجتماعي· ونجاح السخرية لا يعتمد على فهم القارئ ، وإنما أيضاً على إدراك المصدر الذي يمتح منه المؤلف من أجل أن يعكس القيم الثقافية المتجسّدة في النص المصدر الذي يعارضه المؤلف أو يعيد قراءته، وهو إجراء معقّد، لأنه على قدر ما يعيد استدعاء نص غائب إلا أنه يمعن في تغييبه وتدميره، وهذا التدمير لا يقصد به السخرية من المصدر وإنما محاولة لاستخدامه بوصفه وقوداً يستخدم في الأشكال المنهكة عن طريق تزويده بالقوة، وتحويله إلى أشكال حية وجديدة·
ويمكن التمثيل على ذلك ببيت لأبي نواس يقول فيه:
عاجَ الشقيّ على طللٍ يسائلهُ
وعجتُ أسأل عن خمّارةِ البلدِ
وهذا البيت يسخر ممن يقلّد الشكل الشعري الجاهلي، ذلك الذي يبدأ بالوقوف على الأطلال قبل الدخول إلى الغرض الشعري الأساسي· وأبو نواس هنا يجعل أهم تقليد شعري عند العرب موضعاً للسخرية عن طريق وصف الشاعر الذي يسائل الأطلال بالشقي· ولم يكتفِ أبو نواس بهذا فحسب، وإنما أظهر نفوره من هذه الطريقة الشعرية التقليدية، بلجوئه إلى الحانة بدل وقوفه على الأطلال· وما يثير السخرية هنا هذه الاستبدالات في القيم الثقافية بين الشعراء، فما كان محل تقدير يتحوّل إلى موضع للتسفيه· وإذا افترضنا بأن القارئ هنا لا يعرف بأن الوقوف على الأطلال هو تقليد شعري جاهلي، لما أدرك السخرية في البيت، ثم لو اكتفى أبو نواس بوصف الواقف على الأطلال بالشقي من دون أن يقدم معارضته لهذه الطريقة لما كانت السخرية أصلاً قد تحققت·
ويمكن التأكيد هنا بأن أبا نواس لم يكن يهدف في هذا البيت إلى تدمير التقاليد الشعرية، وإنما كان يسعى إلى إنعاشها وتوظيفها بوصفها محفزاً إبداعياً· وكأن أبا نواس يريد أن يشجّع على تجاوز شعر القدماء لا المشي في ظلاله، لأن تقليد القدماء عن طريق الاستسلام لمضامينهم لن ينعش حضورهم إبداعياً، وما ينعش التقاليد في القول الشعري هو السعي إلى إعادة قراءتها والسخرية منها·
وأبو نواس في سخريته هذه يقدم لنا استراتيجية مهمة في القول الشعري، تتجلى في أن المعنى إذا ما أصبح مطروقاً بشكل مستمر فإنه لن يوصل إلى الخصوصية الشعرية، ولذلك فهو يرى أن من يقلّد القدماء في مساءلة الأطلال قد يعثر على المعنى ومن ثم يبدأ في مساءلته، لكن من يحاول البحث عن معانٍ غير مطروقة فإنه لن يصل إليها، وسيظل يسأل عنها من دون أن يعثر عليها، وكأننا بصدد الإخفاق في الوصول إلى معنى محدد وجامد·

اقرأ أيضا