الاتحاد

الملحق الثقافي

العشق كما تبوح به الكاميرا

صورة لمحمد يوسف راضي - الكويت

صورة لمحمد يوسف راضي - الكويت

كيف تبصر العين؟ ما كل الذي يبصر يصير مدهشاً· فللعين لغتها وللكلام صمته عند إبهام الفنان وهو يضغط على زر آلة التصوير·
كل شيء يصمت فليس للكلام مكان وليس للجسد إلا أن يتسمر صمتاً أيضاً حينذاك لا يتحدث سوى العين، ولكن لنعد ونقلْ ماذا تبصر عين الفنان؟ هل ترى الأشياء جامدة أم أنها تبحث عن المعاني خلف ذاك الجمود؟ جمود ينطق بكل قوة يعبر أكثر مما لو تكلم·

يقول ريمارك صاحب روايتي ''للحب وقت وللموت وقت'' و''كل شيء هادئ في الجانب الغربي'': ''القتلى من الجنود الألمان في أصقاع سيبيريا في الحرب العالمية الثانية يغطيهم ثلج كانون·· وعندما يأتي الربيع ينصهر الثلج فيظهرون وحينها ترى الثلج في عيونهم قد تحوّل إلى ماء ومن زوايا عيونهم تنزل قطرات بطيئة كأنها الدمع· حينها ترى الجنود القتلى يبكون''·
هل وصلت عدسة المصور البارع الى حد القدرة على تحويل هذا النص الى صورة؟ ربما استطاع البعض هنا أن يحوّل الصمت إلى لغة تشير الى مغزى، معنى، رسالة·
في معرض ''لغة الصحراء'' ضمن مسابقة الإمارات للتصوير الفوتغرافي في دورته الثالثة لهذا العام الذي افتتح قبل أسبوع، الذي اقامته هيئة أبوظبي للثقافة والتراث اشترك 450 فناناً مصوراً جاؤوا ومعهم 4000 صورة كلها تحمل معها حكايات الناس· كلها تحكي بصمت وتقول في ذاتها: ها هي قصتي وها هي مأساتي وفرحي وتألقي·
ظلال الصحراء فوق التلال وخطوط سوداء متراصة حتى الأفق، ممتدة في اللانهائي، بينما هناك حيث الزاوية البعيدة ترى شجرة الغاف مستوحدة في فضاء كوني خلاب ''لسعيد الشامسي- الإمارات''·
وللطوارق ألثمتهم، وللنساء حليهن، وللأزرق لباساً صفاؤه·· وللعيون بريقها وتألقها·· جذور لامرأة تتوسط الرمل وكفها تقبض على شجرة صغيرة يابسة وهي تحدق في الأفق البعيد عيونها أكثر ألقاً من رمل الصحراء الأصفر ''يوسف القيس- لبنان''·
كأسان نصفهما مملوء بالماء وكلاهما ينحرف الماء فيه باتجاه اليمين بنفس الزاوية في تزاوج عجيب وكأننا نقرأ لغة عشق بينهما·· بلا إفصاح ''طارق حسين مال الله- الكويت''·
أما سوزان باعقيل من المملكة العربية السعودية فقد قرأت الصحراء في صورة فوتغرافية طولية لهذا الامتداد المتسلسل من الجمال الواقفة بين خط الشمس الذاهبة باحمرار الغروب وخط الصحراء الجالسة بالسواد الخافت·
كذلك تجد الأبواب القديمة والشبابيك الخشبية فوقها في بيتين متجاورين بل هما ملتصقان حد العشق المجنون بالأبيض والأسود نرجع الى الماضي وبالجدار الواحد الممتد يتجلى الحب وبالشباكين المتقاربين نحس طفولتنا ربما يحس الزائر حينذاك أنه استعاد حياة غادرها منذ زمن بعيد تلك صورة ''لسلطان علي الزعابي- الإمارات''· ''بنكاج شارما'' من الهند التقط الغروب وهو يغطي سماء ''برج العرب'' ويد الفتى وهي تمسك رأس البرج في حركة جميلة وتخطيط غير عفوي·
شجرتا الغاف وهما تنحنيان على بعضهما وكأنهما تتهامسان عشقاً، الذكر يميل للأنثى وسط الصحراء قيل في زمان قديم إن نخلة البرحية تميل نحو الفحل في همس أخّاذ·· يقول السجتاني في كتاب النخل من رجل رحل: ''كان يروي أصول النخيل فمات الرجل وعاش······'' تلك الصورة لمحمد عبدالله المرزوقي من الإمارات·
لماذا نبتعد عن البعض؟ لماذا يلتقي البعض؟ رمز جسدته ميثاء المرزوقي في بيضات ثلاث متجاورة ورابعة بعيدة تنظر متحسرة على وحدتها المميتة· صورة تعبر عن روح الإنسان عن ألمه وهو المستوحد بذاته· رمزان لرجل وامرأة فردة حذاء رجل، فردة حذاء امرأة، بحر ممتد وهما، ليس هما·· يقفان على الشاطئ صورة لليناعيد من لبنان··
''البراجيل'' وهي تتهامس تكلم بعضها وملتمة في أفق الصورة·· صورة لجوشوا جافينو من الفلبين·
الكف حين تتعانق أصابعها المضمومة إلا الإبهام النافر المنفرد وحركات الأصابع لغة·· وطريقتها إشارة تؤدي الى معنى·· كل اصبع له حكايته، له قصته التي أراد حمد عبدالله المنصوري من الإمارات أن يقولها لنا·
يدا السجين والسجان وبينهما سلسلة حديدية·· إنها لغة مقهورة تحدثت بها فاطمة عبدالله النعيمي من الإمارات·· بوابة قديمة يتجاور فيها بابان أحدهما مغلق والآخر مفتوح بصورتين لطفلة تنتظر عند الباب المفتوح·· أي إشراقة لمن يفتح أبوابه للآتي كي يطفئ نار انتظار طفلة بحاجة الى من يخلصها من الوحدة·· رمزان معاً·· باب مفتوح للأمل، باب مغلق بالوحدة، صورة لفاطمة عبدالحميد آل علي من الإمارات·
عدستان تجمعهما نظارة واحدة متجاورتين بشوق الرؤية لـ''انتصار بو خضور'' من الكويت·
أما باقر محمد جواد من سلطنة عمان والذي فاز بالجائزة الكبرى في المسابقة عن لوحته بالأبيض والأسود وهي تحكي قصة جملين لابد أن يجلسا معاً في حركة ضاجة بالصمت القائل إن ثمة زوجين من الهجن سوف يقولان شيئاً بعد أن يجلسا، وأخيراً العصافير ملتمة واقفة فوق عمود إشارة المرور الحمراء تحدق وتسخر بمن يتجاوزها فلا يعيرها بصره· تتهامس تلك العصافير بالحب طمأنينة·· تلك ذكرتني بقصة يوسف إدريس ''العصفوران'' وسلك إنها لحظات العشق للمستقبل للطبيعة ما بين ما هو جماد تحول إلى لغة بعيون المصورين الشباب في ''لغة الصحراء''·

اقرأ أيضا