الاتحاد

دنيا

وجبـة سـرية·· تلغـي العمليـة

سري وشخصي
في حياة كل طبيب لحظات حرجة ومواقف صعبة وحكايات لا تنسى، يحرص على تسجيلها والاحتفاظ بها في مذكراته الشخصية· لحظات لا يبوح بها لأحد، مواقف لا يعترف بها إلا لنفسه، تتكثف فيها المشاعر وتتباين، بين الفرحة الغامرة والسعادة الطاغية وبين الخوف والقلق والترقب· لحظات يجد نفسه خلالها في مواجهة ما لا يتوقع، وربما ما لا يرغرب· هي بالتأكيد لحظات خاصة جدا وغالبا سرية للغاية·· ولكنها بمرور الزمن تصبح قصة تروى، ومادة للتأمل، وتجربة مفيدة لصاحبها ولمن يعرف تفاصيلها· وفي هذه الحلقات نطالع سويا صفحات من المذكرات الشخصية لبعض الأطباء، بما تحويه من مواقف وتجارب غريبة وحقائق مهمة·
محمد صلاح الدين:
آخر ما يمكن توقعه حدث·· في غرفة العمليات وبعد أن تمدد المريض على الطاولة وقبل أن نبدأ المرحلة الأولى من تخديره، قال ان لديه سر يريد أن يبوح به قبل التخدير·· وفجر مفاجأة أربكت الجميع·· بهذه الكلمات يواصل الدكتور محمود يوسف استشاري ورئيس قسم التخدير والعناية المركزة في مستشفى النور تفاصيل قصة المريض الظريف الغريب في صفحة من صفحات مذكراته الخاصة جدا·
يقول الدكتور محمود يوسف: قال المريض أنه تناول تفاحة قبل نصف ساعة من موعد الجراحة·· أحس بجوع شديد لم يستطع مقاومته واعتقد أن تناول تفاحة واحدة لن يؤثر كثيرا· شعرت بأنه قال بعض الحقيقة وانه يخفي شيئا ما·· طلبت منه الجلوس وخرجنا من غرفة العلميات إلى استراحة الأطباء·· طلبت منه أن يخبرني بالحقيقة·· فقال إنها لم تكن تفاحة فقط·· بل إفطار كامل·· شريحة كبيرة من الجبن وبيضتان مسلوقتان وعسل وخبز·· باختصار كان بطنه ممتلئا تماما بالطعام·· والخطير في الأمر أنه كان يمكن أن يحتفظ بسره لنفسه ويضعنا أمام موقف شديد الصعوبة بسبب عدم التوقع وعدم الاستعداد·
القرار كان تأجيل العلمية·· لأن الجراحة من النوع البارد·· أو ليست طارئة ولأنه لا يوجد ما يبرر تعريض المريض لمخاطر شديدة·· ولان الموقف يمكن أن يتكرر·· ولان المريض يمكن أن يتناول الطعام يوم العملية وربما لا يخبرنا بذلك·· كان لا بد من شرح كل المخاطر التي كانت تنتظره لو أن العملية أجريت وبطنه ممتليء بالطعام·· وكيف تتضاعف المخاطر إذا كان طبيب التخدير لا يعرف·
قلت للمريض: امتلاء المعدة أثناء التخدير الجراحي يعرض المريض للقيء ولاحتمال دخول العصارة المعدية الحامضة مع المواد الصلبة الموجودة في المعدة إلى القصبة الهوائية مما يؤدي إلى انسداد المجاري التنفسية بالرئة أو إلى التهاب شديد الخطورة ناتج عن تأثير المادة الحمضية المعدية·· فهي تعمل كما لو كانت مادة كاوية داخل الرئة مما يسبب التهابا غير ميكروبي شديد الخطورة وليس له دواء مضاد كما في الالتهابات الجرثومية·· ولا تكمن المشكلة فقط في القيء ولكن أيضا في تأثير المخدر على المعدة مما يزيد احتمال رجوع سائل المعدة الحمضي مع ما فيه من طعام إلى الفم ومن ثم احتمال وصوله إلى الرئة·· فالمعدة تتميز بوجود عضلة في كل من المدخل والمخرج تتحكم في مرور الطعام في اتجاه واحد بمعنى دخوله من المريء إلى المعدة وعدم الرجوع أو خروجه من المعدة والاثني عشر إلى الأمعاء الدقيقة وعدم الرجوع إلى المعدة·· وعند التخدير ترتخي هذه البوابات العضلية وتفقد تأثيرها وفي حالة وجود طعام في المعدة فإنه يرتد إلى أعلى لان المريض يكون نائما على ظهره·
وتبقى بعد ذلك الحقيقة التي قد تبدو غريبة بالنسبة للكثيرين ومفاجئة من الناحية الإحصائية·· وهي إن أهم أسباب الوفيات عالميا بما في ذلك أكثر الدول تقدما في الطب، أثناء عمليات الحوادث التي يتم فيها إدخال المصاب فورا إلى غرفة العلميات وبدء تخديره بسرعة فائقة بسبب خطورة الحالة، هو امتلاء المعدة بالطعام ويليها مشكلة النزف·
قلت للمريض ان ما يطلبه منه طبيب التخدير هدفه الأول والأخير المحافظة على سلامته·· وعدم الالتزام به وإخفاء الأمر عليه يمكن أن يعرضه لمخاطر يصعب تصورها·· ألا تستحق السلامة 7 ساعات صيام؟

اقرأ أيضا