الاتحاد

دنيا

طب الأجنة يقتحم ظلمات الرحم


القاهرة ـ سيد العبادي:
قبل سنوات كانت رؤية الجنين في رحم الأم ومتابعة نموه ومشاهدة حركاته والاستماع إلى نبض قلبه ضربا من ضروب الخيال العلمي المغرق في المبالغة·· وكانت معرفة جنس الجنين لا تتم إلا لحظة الولادة عندما تخرج 'الداية' أو طبيبة النساء من غرفة الولادة لتعلن العبارة الشهيرة 'مبروك ولد·· أو بنت'·· واليوم تجاوز العلم كل ذلك·· أصبح في الإمكان تشخيص أمراض وتشوهات الجنين وهو لا يزال في مراحل تكوينه الأولى داخل الرحم·· وأصبح في الإمكان إصلاح الاعطاب وعلاج التشوهات قبل أن يولد الطفل، ليخرج إلى الحياة سليما معافى·· وتحول علم الأجنة إلى تخصص طبي مستقل ومعقد·· وساهم في ازدهار هذا العلم ما وصلت إليه الهندسة الطبية من تقدم أدى إلى ابتكارات مذهلة في الأشعة وأجهزة القياس والمناظير وأدوات التحليل والتشخيص·· تفاصيل هذا التطور المذهل نطالعها في هذه المحاورة مع الأستاذ الدكتور خالد جابر، أستاذ ورئيس قسم تشخيص أمراض الأجنة بالمركز القومي للبحوث في القاهرة·
يقول الدكتور خالد جابر: الجنين كائن حي داخل الرحم منذ التقاء البويضة والحيوان المنوي حيث تتكون نطفة بها التركيب الوراثي الكامل لكائن حي وتستمر حياته داخل الرحم وخارجه· ومنذ تلك اللحظة يعتبر هذا الكائن جديدا وفريدا ولا يتكرر مرة أخرى في التكوين الوراثي، فكل شخص له تكوين وراثي مستقل، لكن كلما كانت درجة القرابة اقرب حدث تشابه في التركيب الوراثي، وأعلى تركيب وراثي متشابه يوجد بين التوائم·
والتركيب الوراثي للجنين يكون 50 في المئة منه من الأب و 50 في المئة من الأم·· وخلال وجود الجنين داخل الرحم تحدث التطورات الطبيعية لنموه، حيث تتكون الحواس، وأهم شيء يتميز به الجنين خلال فترة نموه ويمكن إدراكه عن طريق الأم ومن خلال الموجات فوق الصوتية هو الحركة، وأول ما يظهر حركة القلب خلال الأسبوع الخامس من الحمل، ثم تتوالى جميع الحركات الخاصة بالجسم مثل الأطراف سواء كانت حركات إرادية أو ردود أفعال، كأن تدخل إبرة لعلاجه كما انه يتحرك عند فحص الأم الحامل بجهاز الموجات فوق الصوتية·
وحركة الجنين داخل الرحم ليست فقط للدلالة على نموه أو حياته لكنها أيضا مفيدة في نمو عضلاته وأطرافه كما تساعده على الحياة خارج الرحم، حيث انه خلال الشهور الأخيرة من الحمل تساهم حركة الجنين في نمو الرئتين والجهاز التنفسي وهو لا يحتاج إلى هذا الجهاز داخل الرحم لأنه يحصل على الأوكسجين عن طريق الأم عبر الحبل السري وبعد الولادة يبدأ الجنين عملية التنفس عن طريق الرئتين والجهاز التنفسي·
ويبدأ وجه الجنين في الأسبوع الخامس من الحمل إدراك اللمس، ثم يتوالى الإحساس في الكفين ثم باطن القدم والمنطقة السفلى من البطن ويتبع ذلك باقي الجسم مما يعني أن الجنين يشعر بالألم من خلال حاسة اللمس·
أمراض الأجنة
* ما الأمراض التي يمكن أن تصيب الجنين؟
* * الأمراض ناتجة عن البيئة المحيطة به أو نتيجة لتناول الأم لبعض الأدوية الضارة أو تعرضها للأشعة، كما تتسبب بعض الأمراض التي تصيب الأم الحامل في إصابة الجنين بتشوهات، وقد تنتقل إليه بعض الأمراض الوراثية من الأبوين سواء كانت عيوب ناتجة عن اختلال في الهرمونات أو الجينات الخاصة بالأسرة·
ومن الأمثلة على اختلال الكروموسومات وجود اختلال منتظم في احد الأبوين، ويحدث أثناء تكوين الجنين اختلال آخر أو حدوث اختلال كطفرة أثناء الحمل ومن اشهر الأمثلة لذلك وجود متلازمة تحدث للكروموسوم 21 فينتج عنه ما هو معروف بالطفل المنغولي، ويطلق عليه ذلك لأنه يشبه في شكله المنحدرين من اصل منغولي وإن كان من الآداب الطبية عدم تشبيه الأمراض بعرق بشري أو بشعب معين، لذلك يعرف الآن في الأوساط الطبية باسم 'متلازمة داون'·
وكثير من الظواهر الخلقية بالجنين الناتجة عن اعتلال صحة الأم تكون بسبب عدم متابعة الحمل عند الطبيب المختص لاكتشاف بعض الأمراض المصاحبة مثل السكر حيث يؤدي اختلال درجة الجلوكوز في الدم في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل إلى ظواهر في تكوين العمود الفقري والأطراف للجنين وإذا استمر اختلال الجلوكوز طوال اشهر الحمل ينتج عنه كبر حجم الجنين مما يسبب صعوبة في عملية الولادة كما يؤثر هذا الاختلال على نسبة الجلوكوز في دم الجنين بعد الولادة قد يؤدي إلى الوفاة حيث يحدث انخفاض حاد في نسبة السكر في دمه·
ومن الظواهر الأخرى التي تصيب الجنين اختلال القناة العصبية نتيجة لعدم تناول الحامل حمض الفوليك الموجود في كثير من الخضروات الطازجة وبسبب زواج الأقارب حيث أن هذه القناة التي تمتد من أعلى الرأس وحتى مؤخرة العمود الفقري تتكون خلال الشهور الأولى من الحمل، فإذا لم يحدث التئام طبيعي للقناة العصبية ينتج ما يعرف باسم انفلاج القناة العصبية وتكون المضاعفات على مقدار الإصابة التي تتراوح بين عدم اكتمال تكوين الرأس إلى بروز مكونات الحبل الشوكي أو العمود الفقري خارج الجسم·
علاج مبكر
* ما دور طب الأجنة في علاج أمراض الأجنة قبل الولادة؟
* * أهمية طب الجنين تكمن في الاكتشاف المبكر للأمراض أو الظواهر التي قد تصيب الجنين وتعرضه لمشاكل صحية والعلاج يبدأ باكتشاف مبكر بالدلالات البيوكيمائية والموجات فوق الصوتية والتحاليل الوراثية ويكون العلاج كيميائيا أو جراحيا وفقا لنوع المرض·
ويمكن الآن عن طريق إجراء عملية بذل لأخذ عينات من دم الأم في الأسابيع الأولى من الحمل مع الفحص بالموجات فوق الصوتية اكتشاف اختلال أو مؤشر لاحتمال وجود تشوهات أو مضاعفات للحمل مما يعطي فرصة لإجراء مزيد من الفحوص التي يمكن عن طريقها تشخيص المرض، أو إجراء متابعة أدق للحمل·
والعلاج الكيميائي للجنين يكون عادة عن طريق الأم حيث أن الدورة الدموية للام والجنين متلازمتان ويمكن إعطاء الدواء للام بحيث يصل إلى الجنين·
أما العلاج الجراحي فهو مازال في طور التجارب التي تنحصر في بعض المراكز الطبية بالولايات المتحدة والدول الأوروبية، ومن أهم الأمراض التي تجرى عليها الأبحاث الآن وأثبتت نجاحا كبيرا هي انفلاج القناة العصبية وعيوب الحجاب الحاجز والجهاز البولي والقلب·
ومعظم هذه العمليات يتم إجراؤها عن طريق المناظير أو جراحة الرحم المفتوح، حيث يتم إخراج الجنين من الرحم لإجراء العملية ثم يعاد مرة أخرى داخل الرحم وهي جراحة تحتاج إلى تقدم تكنولوجي عال جدا في مجال الأجهزة ويمكن إجراء الجراحات للجنين المريض بعد الأسبوع العشرين للحمل وهي أساسا تكون لعلاج الظواهر الخلقية أو لتفادي مضاعفاتها، وتتم الجراحة بعمل شق رحمي ثم إخراج الجنين وتخديره لإجراء الجراحة ويعاد بعد ذلك إلى الرحم·
ومن المهم في جراحات الجنين إدراك أهمية التقدم التكنولوجي اللازم لقياس الوظائف الحيوية للجنين أثناء التخدير للام والجنين وقياس فترة الجراحة التي يكون خلالها الجنين خارج الرحم حيث من الأفضل أن تطول فترة بقائه خارج الرحم·
التاريخ الصحي
والعيادات المتخصصة في طب الجنين تقدم للحوامل المعرضات لإنجاب أطفال يعانون ظواهر تكوينية أو إجهاضا متكررا من خلال فحص تاريخ الأسرة والتاريخ الطبي مع إجراء التحاليل اللازمة قبل وأثناء الحمل ويشمل ذلك الدلالات البيوكيمائية والموجات فوق الصوتية للحصول على صورة أدق للجنين أثناء فترة تكوينه في الأشهر الأولى للحمل، مع إجراء بعض الفحوص مثل بذل السائل الامينوسي لتشخيص الظواهر الوراثية سواء في الكروموسومات أو بعض الجينات ويمكن عمل البذل بداية من الأسبوع الثاني عشر للحمل وهي تقنية آمنة ولا تسبب أضرارا للام أو الجنين ولا تمثل نسبة حدوث إجهاض بسبب البذل سوى 1 من كل 200 حالة·
* ما المراحل التي يمر بها الجنين داخل الرحم؟
* * يمكن تقسيم الحمل إلى 3 مراحل الأولى تتكون فيها الأجهزة الأساسية للجنين وأهمها الرأس والأطراف التي تبدأ في الظهر كنتوءات صغيرة ويكون الجنين قابل للرؤية عن طريق أجهزة الموجات فوق الصوتية بداية من الأسبوع السادس من الحمل وفيه تظهر حركة القلب وبعد الأسبوع الثامن تظهر حركة الأطراف ومع نهاية الأسبوع الثاني عشر يكتمل ظهور الجنين وبه الرأس والأطراف·
وبداية المرحلة الثانية من الحمل وهي الأشهر الثلاثة الوسطى أهم مرحلة لتشخيص أمراض الجنين حيث تبدأ الأجهزة الحيوية في الظهور والعمل بداية من الأسبوع الرابع عشر للحمل ويتأثر مقدار السائل الامينوسي كثيرا بمدى كفاءة كليتي الجنين حيث تقل كمية السائل في حالة عدم كفاءة الكليتين لوجود ظواهر تكوينية بهما وخلال هذه المرحلة يتم الفحص بالموجات فوق الصوتية وهو ما يعرف بالفحص الوراثي للجنين لفحص أجهزته وتكوينه خلال الفترة من الأسبوع السادس عشر حتى الأسبوع الثاني والعشرين من الحمل·
أما المرحلة الثالثة وهي الشهور الثلاثة الأخيرة من الحمل ومع اكتمال الأجهزة تبدأ الزيادة في حجم الجنين وزيادة حركته وإحساس الأم بها·
ويتحدد نوع الجنين إن كان ذكرا أو أنثى منذ لحظة التقاء البويضة بالحيوان المنوي حيث ينتج عن ذلك كائن حي له التركيب الوراثي الخاص به ويمكن تحديد نوع الجنين بالوسائل الطبية خلال الأشهر الأولى من الحمل بفحص السائل الامينوسي والمشيمة معمليا لتحديد إذا كان الجنين ذكرا أو أنثى·
ويمكن حاليا بواسطة الحقن المجهري التحكم في نوع الجنين ليس إرضاء للزوجين لكن لبعض الأسباب الوراثية الخاصة مثل وجود أمراض أو ظواهر بإحدى البويضات المخصبة مجهريا مثل أمراض ضمور العضلات أو بعض أمراض الدم مثل الهيموفيليا التي تصيب الذكور فقط وعن طريق الفحص الوراثي للبويضة المخصبة تحديدا إذا كان الجنين ذكر أو أنثى فإذا كان سليما يتم نقله إلى الرحم سواء كانت البويضة المخصبة تحمل ذكرا أو أنثى·
* هل يتأثر الجنين بالحالتين النفسية والصحية لامه؟
* * أثبتت دراسات عديدة تأثر الجنين بالناحية النفسية للام وذلك من خلال دراسة حركة الجنين داخل الرحم وتجرى دراسات على ردود أفعال الجنين من خلال الموجات فوق الصوتية لمعرفة ردود أفعاله للتغيرات النفسية والعصبية للام خلال الحمل·
كما أظهرت الدراسات أن الجنين يتأثر بسماع صوت الأم والمحيطين به حيث ثبت أن الأجنة التي تنشأ في منطقة بها ضوضاء وتلوث سمعي تتأثر كثيرا بها عند الولادة بينما تتأثر الأجنة التي تتعود على سماع الموسيقى أو الألحان أثناء الحمل بذلك أيضا بعد الولادة حيث تكون طباعها هادئة·
كما يتأثر الجنين بنبض الأم وضربات قلبها خلال فترة الحمل وأثناء الرضاعة بعد الولادة وهي تزيد من هدوئه وسكينته وتؤثر على نشأته النفسية ولو حدث اضطراب في دقات قلب الأم يحدث اضطراب نفسي للجنين بعد الولادة في مرحلة الطفولة وفي حالة إصابة الأم بالإمساك يصاب طفلها الرضيع بنفس المرض ونفس الأمر إذا حدث لها انتفاخ بالبطن·· كما ثبت أن حركة الجنين تكون اعنف في حالة غضب الأم·

اقرأ أيضا