الاتحاد

الملحق الثقافي

أرنست همنغواي: حكاية الشيخ الذي هزمه البحر

أرنست همنغواي

أرنست همنغواي

في 21 يوليو من العام 1899 أبصر أرنست همنغواي النور في أحد المنازل المتواضعة الكائنة في ميتشيغان، شمال غرب الولايات المتحدة، والدته كانت مغنية وكانت تطمح لأن يكون ابنها عازفا موسيقيا، لكن الموسيقى لم تستهو الولد الضخم، الذي عمل في مهن متعددة، قد تكون الملاكمة أكثر ما يثير الاهتمام بينها· سعى همنغواي خلال الحرب العالمية الأولى للتطوع في الجيش، لكن علة في عينيه حالت دون ذلك، في وقت لاحق حصل على موافقة الصليب الأحمر للعمل بصفة سائق لسيارات الإسعاف، هكذا أمضى الحرب ينقل الجرحى إلى المستشفيات من خط النار، حتى تعرض لإصابة خطرة جعلته يسير على عكازين·



في الحرب الاسبانية كان يؤيد الجمهوريين، وفي الحرب العالمية الثانية عمل على جمع المواد الطبية، حيث بلغت قيمة ما جمعه أربعة آلاف دولار، لاحقا سافر إلى إنجلترا وانضم إلى سلاح الجو الملكي، قبل ان يعمل مراسلا حربيا في الجيش الأميركي الثالث·
يمنع الدخول دون موعد
عام 1936 كتب مقالة في مجلة ''اسكواير'' منحها عنوان ''على المياه الزرقاء''، وقع المقالة حينها باسم ''أرنولد غيغريش''، وذات ليلة من ربيع العام 1950 كان الملاكم القديم قد أضحى كاتبا مشهورا يقيم في منزل راق، أطلق عليه اسم ''فينكا فيجيا'' يقع بالقرب من هافانا عاصمة كوبا، وقد اختارها مكاناً للعيش في العقد الأخير من عمره، طلباً للعزلة ولممارسة هوايته في صيد السمك، ولما كانت الجزيرة تتمتع به من جمال طبيعي أخاذ ومطارح ترفيه جعلتها مقصداً لعشاق السيجار، والعديد من الأثرياء من أهل الفن والأدب والسياسة· كانت روعة المنزل وبشاشة صاحبه، ناهيك عن المآدب الفاخرة التي تقيمها زوجته ماريا، تغوي الضيوف بتطويل أمد الزيارة، لكن همنغواي نهض عن المائدة بصورة مفاجئة، وشرع يقرأ بعض المسودات بصوت عال، كانت الصفحتان أو الثلاث التي قرأها عبارة عن حوار بين صياد عجوز وصبي، فجأة أوقف القراءة وبدأ يسال نفسه: ''هل هذا صحيح؟ أيتحدث الناس هكذا؟'' حاول الضيوف الاستفسار عما يحصل، لكن إيماءة من ماريا جعلتهم يحجمون، غادر الحاضرون، وفي صبيحة اليوم التالي كان رينيه خادم همنغواي يرفع اللافتة المعهودة أمام المنزل: ''يمنع الدخول دون موعد''· العبارة تعني بالنسبة لمن يعرف همنغواي أنه بصدد إنجاز عمل أدبي جديد· هكذا بدأت حكاية تحويل المقالة المنشورة قبل أربعة عشر عاما إلى رواية وشمت الذاكرة الإنسانية: ''الشيخ والبحر''·
صعوبة البساطة
كانت لديه أستاذة يثق برأيها هي غيرترود شتاين، شاعرة أميركية تعرّف عليها في باريس، حين كان يعمل مراسلا صحافيا، وعندما قرأت الصفحات الأولى من رواية ''الشيخ والبحر'' لم تبد حماسا حيالها، اكتفت بالقول: ''انك صحافي جيد تحسن الوصف، أما الكاتب فليس عليه ان يصف''· وتابعت عيله أن يدع الناس يعيشون حياتهم، لا تقل شيئا عنهم، فقط دعهم يتكلمون · أما الأستاذ الآخر، الشاعر عزرا باوند فكان يتولى تصحيح مسودات همنغواي، وينصحه ببذل الجهد من أجل الحصول على أسلوب أكثر رشاقة: ''أترك الألفاظ المدوية، ودع البساطة تأخذ مجراها''· وكان همنغواي يتمتم متذمرا: ''البساطة، كما لو أن الأمر بسيط''·
عمر للكتابة
لم تلق كتبه الأولى النجاح المنتظر، ولم يتجاوز عدد النسخ المباعة منها المائتي نسخة، لكن خمسين أديبا فرنسيا، كانوا يتحلقون في ''كافيه دي روم''، توقعوا له مستقبلا لامعا منذ اللحظة الأولى، وكانوا محقين· أما روايته ''الشمس تشرق أيضا'' التي صدرت في العام 1926 فقد أحدثت دويا كبيرا، تناول فيها جيل ما بعد الحرب الذي فقد قابليته للحياة، وكان الأسلوب المستخدم بمثابة فتحا في عالم الرواية، أصاب القراء بالذهول· عدد النسخ المباعة تجاوز في الولايات المتحدة وحدها الست وعشرين ألفا، وكان الرقم قياسيا بمنظار تلك الأيام· كان يقرأ كثيرا للكاتب الروسي لوي تولستوي، وكان يعجب من قدرته الفائقة على الخلق، ويتعلم منه كيف يسع المرء أن يشكك بتفكيره، وأن يكتب بشكل حقيقي وموضوعي، وبواسطته أدرك ان توثيق حياة البشر هي أصعب أنواع الكتابة: ''يجب إتقان الموضوع وكيفية كتابته، والمسألة تحتاج إلى عمر بأكمله''· في وقت لاحق توصل إلى استنتاج مكلف وهو ان الكتابة الروائية لا تقبل مشاركة حتى من الحياة الصحافية، وكان عليه ان يأخذ القرار الجريء بالتخلي عن مهنة المتاعب والتفرغ للكتابة وحدها، وكان ذلك يعني أشياء كثيرة في مقدمتها أن يقيم في إحدى الغرف المتواضعة في ''مونتمارتر'' الباريسية، وان يكتفي من الغذاء بالبطاطس المقلية، لفترة طويلة، وأحيانا كان يستشعر نكهة الجوع·
موعد مع النجاح
استغرق وقتا طويلا للتخلص مما اعتبره فائضا عن حاجة الكتابة الصحيحة التي لا تخدع القارئ· كان يطبق هذه القواعد الصارمة عندما أنجز كتابه الرائع ''في بلاد أخرى''، وبعد ذلك بوقت غير قصير أنتج رائعته المميزة: ''لمن تقرع الأجراس''، كان المرء يحتاج إلى جرأة فائقة ليقنع الناس أن الحرية أهم من الحب، وأن الموت يصبح معبرا طبيعيا، عندما يتعلق الأمر بإنقاذ القيم من الاندثار· غادر الضيوف وشرع همنغواي في كتابة ''الشيخ والبحر''، صياد عجوز يصطاد على مركبه وحيدا، وطيلة أربع وثمانين ليلة كان يخرج إلى البحر ويعود خالي الوفاض، في الليالي الأربعين كان يرافقه صبي يتولى مساعدته، لكن أهل الصبي اعتبروا أن العجوز مصاب بلعنة، ونقلوا ابنهم إلى مركب آخر· الصبي كان يشعر بالحزن عندما يرى العجوز عائدا بمركبه الفارغ· لم يكن الصياد وحده في متاهة البحث عن الرزق، همنغواي أيضا كان في واقع مماثل لما يعيشه بطل روايته، كان يتساءل مع كل صفحة: ''هل سيراه الناس كما أراه؟''· العجوز كان مصرا على إثبات كونه صيادا ماهرا، والكاتب كان يكافح للخروج بصيد أدبي ثمين، وكانت الأيام تمر ثقيلة على الرجلين·
تحالف الأضداد
الشيخ يعثر على سمكته أخيرا، هو يدرك جيدا ان عليه الا يدعها تفلت منه، السمكة تحاول الإفلات من المصير المأسوي الذي ينتظرها، لكن نجاتها تعني نهاية العجوز جوعا، يخوض الطرفان صراعا مصيريا، الشيخ يتعرف على ملامح طريدته، لونها، مقاييسها، شكل الرأس، ويكتشف ان حجمها اكبر من مركبه، أما قدرتها على المقاومة فمخيفة، ''انك تقتلينني''، يقول الشيخ، ''لكن لديك الحق في ذلك''، السمكة تتحول من عدو إلى صديق، هو يعرف ان عليه أن يقتلها، ويعرف بالقدر نفسه ان الأمر غير عادل، لكن الإنسان محكوم بإثبات قدرته على الإنجاز· لتحقيق الهدف يحاول الشيخ أن يضع نفسه مكان السمكة، معرفة ما الذي يدور في رأسها، يقول همنغواي عن الصياد: ''نظر إلى البحر وأدرك كم هو وحيد''· ترى ألم يكن ذلك شأنه هو أيضا؟
نجح الشيخ أخيرا في قتل السمكة، ضربها بالرمح فسال الدم وصبغ لون البحر الأزرق، وبدا سمك القرش بالوصول إلى ساحة المجزرة، الشيخ يستمر في المعركة، يقتل السمك واحدة تلو الأخرى، لا يفوته ان يعتذر منهم، لكنها المعركة الضرورية للاستمرار، الظلام يلف المكان، وأسراب سمك القرش تتسلل تحت جناحه بكثافة، هنا لم يعد لمقاومة الصياد أي معنى·
الشيخ يحس بالوحدة بعد أن تهشمت السمكة، لم يعد لديه من يحاوره، ولو من موقع الصراع المزعوم، تبدو خسارته فادحة، لكنه يعرف تماما كيف يتأقلم مع نتائجها: ''المرء قد ينكسر لكنه لا ينهزم أبدا، وغدا يوم آخر''·
رجل آخر
أنهى همنغواي روايته، والنصوص وصلت إلى الناشر، وكل من قرأها تملكه إحساس انه أمام نسخة جديدة من الروائي، لم يكن هناك من وجود لهمنغواي الملاهي الليلية وحلبات الملاكمة، ومصارعة الثيران، ثمة رجل آخر هادئ، بسيط وذو كلاسيكية مفرطة· صدرت الرواية في الأول من سبتمبر 1952 وفور صدورها بيعت منها خمسة عشر ألف نسخة، المطبعة عادت إلى العمل مجددا، والرواية حلت في المرتبة الأولى طيلة شهور· غادر همنغواي إلى إفريقيا في رحلة صيد، وفي يناير من عام 1954 سقطت طائرة الرياضة التي كانت تقله في منطقة ''ألبرت سيس'' حيث عثر عليه مركب سياحي، واستطاع إنقاذه، في السنة نفسها حصل على جائزة نوبل للآداب، لكن حالته الصحية لم تكن تسمح له بالحضور لتسلمها· يعلق على نيله الجائزة بالقول: ''أخيرا سيسعني دفع ديوني''· لكن التشاؤم يتملك منه، ويقول لأحد أصدقائه: ''أن يشيخ المرء، بظهر مهشم وجمجمته مكسورة، وكليته معصورة، فذلك يعني أنه ليس في أفضل أحواله''·
المجزرة
رواية ''الشيخ والبحر'' لم تمر دون ضجة أحدثتها مجلة ''اكسلسيور'' الكوبية، فقد ادعت أن الصياد ''ميغيل راميرز'' الذي يبلغ 68 عاما من العمر، هو البطل الحقيقي والوحيد لرواية همنغواي، وان الكاتب اشترى الحكاية منه مقابل وعد بمركب جديد، حال صدور الرواية، هكذا كتبت ''اكسلسيور''، التي ما أن قرأها همنغواي حتى تحامل على أوجاعه وسافر في اليوم التالي إلى ''كوجيمار''، قرية الصياد ليتحدث معه حول ما أوردته المجلة، حاملا في يده آلة تسجيل· راميرز أكد انه لم يذكر كلاما مماثلا، لكن التحقيق الصحفي بدا جذابا للقراء، ذلك أنه يتعرض لحكاية عجوز خدعه أحد كبار الكتّاب، وكما اجتذبت الدماء سمك القرش في الرواية، سرعان ما اتجهت كبريات الصحف إلى كوجيمار ليغدو راميرز نجما إعلاميا، حتى انه بدأ يستسيغ الحكاية ويصدقها: القرية تحولت إلى مقصد للسياح، الجميع كان مسرورا إلا همنغواي· تمنى حينذاك لو أنه لا يزال محتفظا بقدرته الجسدية الفائقة، ''كنت مستعدا لأن اضرب الجميع''·
رحيل صاخب
بعد حوالي ثلاثة أسابيع من إكماله الثانية والستين من العمر، وضع أرنست همنغواي حدا لحياته بإطلاق الرصاص على رأسه من بندقية الصيد التي يملكها· صباح الأول من فبراير عام 1961 في منزله الجميل نفسه· ويعتقد البعض بوجود مرض وراثي في عائلته يسبب زيادة تركيز الحديد في الدم، مما يؤدي إلى تلف البنكرياس ويسبب الاكتئاب أو عدم الاستقرار في المخ· ما دفعه للانتحار في النهايه خوفاً من الجنون· وقد تحول منزله في كوبا إلى متحف يضم مقتنياته وصوره·

اقرأ أيضا