الاتحاد

الملحق الثقافي

قصة لن تنتهي ابداً

لوحة للفنان الروسي ديميتري دونسكوي بعنوان  قبل المعركة

لوحة للفنان الروسي ديميتري دونسكوي بعنوان قبل المعركة

ارتميت على سريري بملابسي متعباً من عناء ذلك اليوم، وفجأة اقتربت مني زوجتي· كانت تحمل في يدها شمعة مضيئة بدت وكأنها شمس متوهجة في منتصف الليل·
قالت: ''هل تعلم أنهم يبنون الحواجز على الطريق؟''
كان الهدوء يخيم على المكان· وكنا ننظر مباشرة إلى عيون بعضنا بعضاً، وكنت أحس وجهي أصبح شاحباً· ''هل أنتِ خائفة؟'' سألت·
الذقن الباهت ارتجف ولكن عينيها بقيتا ساكنتين ونظرتا إلي من دون أن تطرفا· فقط الآن بدأت الاحظ ما هو الشيء غير المألوف والمروع من خلال تلك العينين· لعشر سنواتٍ كنت أنظر اليهما وأفهمهما أكثر من عينيّ· والآن هناك شيء جديد لا أستطيع تحديده· كنت لأسميه الكبرياء ولكنه شيء آخر غير ذلك، شيء جديد، جديد تماماً· أمسكت بيدها، كانت باردة· أمسكت هي بيدي بقوة، وكان هناك شيء جديد لم ألفه في قبضة يدها·
سألت: منذ متى؟
''منذ حوالي ساعة تقريباً· قد رحل أخوك· ويبدو أنه كان خائفاً من أنك لن تدعه يذهب، فرحل بهدوء· ولكنني رأيته''
لقد كان هذا صحيحا إذاً، الوقت حان· فقمت من الفراش، ولسبب ما بقيت فترة طويلة أغتسل كما كانت عادتي في الصباح قبل الذهاب الى العمل، وزوجتي كانت تحمل المصباح· وضعنا المصباح جانباً وذهبنا لنراقب الطريق من النافذة· لعدة أيام المصانع والطرقات كانت معطلة، والهواء الخالي من الدخان كان معطراً برائحة الحقول وحدائق الزهور· هناك كلب ينبح· أنا لم أسمع كلباً ينبح في المدينة قط· ضحكت من السعادة· ''اسمعي، هناك كلب ينبح''·
عانقتني زوجتي، وقالتً: ''إنه هناك، في الزاوية''· انحنينا على عتبة النافذة، وهناك، رأينا بعض الحركة، ليسوا أناساً، ولكنها حركة ما· شيء يتحرك يشبه الظل· فجأة سمعنا صوتاً يشبه صوت الفأس أو المطرقة· بدا الصوت مرحاً ورناناً كما لو أنك في غابة، أو على ضفاف نهر تصلح قارباً أو تبني سداً· وفي ذلك الهاجس من المرح والجو المتناغم، عانقت زوجتي بشدة بينما كانت تنظر أعلى البيت، فوق السطح، تشاهد القمر المتقوس، بدا غريباً كفتاة حالمة تخاف أن تخبر عن أحلامها· وكأنه يبعث النور لنفسه·
''متى سيكون القمر بدراً؟''
قالت زوجتي: ''يجب عليك ألا تتكلم عما سيكون· لماذا؟ إنه خائف من الكلمات· تعال الى هنا''·
كانت الغرفة مظلمة، وكنا صامتين لفترةٍ طويلة، من دون أن يرى أحدنا الآخر، ولكن كنا نفكر في الشيء ذاته· وعندما بدأت بالكلام، بدا لي وكأن أحداً ما كان يتحدث، لم أكن خائفاً، على الرغم من أن صوت الآخر كان ''أجش''، كما لو أنه مخنوق من العطش·
''ماذا عساه أن يكون؟''·
''و···هم؟''
''ستكونين معهم· يكفي أن يكون لديهم أم· أنا لا استطيع البقاء''·
''وأنا؟ هل أستطيع؟''·
أعرف أنها لم تتحرك من مكانها، ولكن كنت أحس بوضوح أنها كانت تسرح بعيداً، وأنها كانت بعيدة·· بعيدة· بدأت أشعر بالبرد، مددت يدي ولكنها دفعت بها جانباً·
''الناس يحصلون على مثل هذه العطلة مرة واحدة كل مائة عام، وأنت تريد أن تحرمني منها، لماذا؟'' قالت·
''ولكنهم قد يقتلونك هناك· وسوف يهلك أطفالنا·'' ''الحياة ستكون رؤوفة بي· ولكن حتى اذا كان ينبغي لهم أن يهلكوا···''·
هذا ما قالته، زوجتي ـ المرأة التي عشت معها لعشرة أعوام· بالأمس لم تعرف أي شيء باستثناء أطفالنا وكانت ملأى بالخوف عليهم، بالأمس كانت أسيرة رعب المستقبل· ماذا حل بها؟ بالأمس·· أنا أيضاً، نسيت كل ما كان بالأمس·
''هل تريدين الذهاب معي؟''·
''لا تكن غاضباً'' ـ اعتقدت أني كنت خائفاً وغاضباً ـ ''لا تكن غاضباً· الليلة عندما بدأوا بالطرق هنا بينما كنت لا تزال نائماً، فجأة فهمت أن زوجي وأطفالي، كانوا مجرد شيء مؤقت··· أحبك، أحبك جداً''· وجدت يدي وهزتها بالقبضة الجديدة نفسها غير المألوفة: ''ولكن هل تسمع كيف هم يطرقون هناك؟ هم يطرقون، وشيء ما يبدو وكأنه يتساقط، بعض الجدران تبدو وكأنها تتهاوى· على الرغم من أنه ليل الآن إلا أنه يبدو لي أن الشمس مشرقة· أنا في الثلاثين من عمري وأشعر أنني مسنة، ولكنه يبدو لي وكأنني في السابعة عشر من العمر، وأني أحب أحداً ما كأول حب، حب عظيم لا حدود له''· ''يالها من ليلة!'' قلت· ''كما لو أن المدينة لم تكن· أنتِ على حق، كأنني قد نسيت كم هو عمري''·
''إنهم يطرقون، وتبدو لي وكأنها موسيقى، كالغناء الذي كنت أحلم به طوال حياتي· ولم أكن أعرف لمن كنت أكن كل ذلك الحب اللامحدود، الذي جعلني أشعر بالبكاء والضحك والغناء· هناك حرية، لا تحرمني سعادتي، دعني أموت مع أولئك الذين يعملون هناك، الذين ينشدون المستقبل بكل شجاعة، والذين يوقظون الماضي الميت من قبره''·
''ليس هناك شيء اسمه الوقت''·
''ماذا تقول؟''·
''ليس هناك شيء اسمه الوقت· من أنتِ؟ لم أكن أعرفكِ· هل أنتِ إنسان؟''·
أطلقت ضحكة كما لو أنها كانت في الواقع في السابعة عشر من العمر: ''أنا لم أكن أعرفك، أيضاً، هل أنت إنسان؟ كم هو غريب وجميل الإنسان؟''·
إن ما أكتبه قد حدث منذ زمن بعيد، وأولئك الذين ينامون الآن في الحياة الرمادية، والذين يموتون من دون صحوة، لن يصدقوني· في تلك الأيام لم يكن هناك شيء اسمه الوقت· الشمس كانت تشرق وتغيب، ولكن الوقت لم يكن موجوداً· والكثير من الأشياء الرائعة حدثت في تلك الأيام·· وأولئك الذين ينامون الآن في الحياة الرمادية، والذين يموتون من دون صحوة، لن يصدقوني·
''يجب أن أذهب'' قلت·
''انتظر، سأعطيك شيئاً لتأكله، أنت لم تأكل شيئاً طيلة اليوم· انظر كم حساسة أنا· يجب أن أذهب غداً· يجب أن أتخلص من الأطفال وأعثر عليك''·
''رفيقة حرب'' قلت·
''نعم رفيقة حرب''·
من خلال النوافذ المفتوحة جاء نفس الحقول، والصمت، ومن وقت لآخر سرت ضربات الفأس المرحة· جلست بجوار الطاولة لأنظر وأستمع· كل شيء كان غامضاً وجديداً لدرجة أني شعرت بالضحك· نظرت إلى الجدران وبدت لي شفافة· كما لو إني أعانق الخلد في وهلة، ورأيت كيف كل هذه الجدران قد بنيت، ورأيت كيف انها تتعرض للتدمير، وأنا دائماً وحدي كنت وسأكون دائماً· سيمضي كل شيء، ولكني لابد أن أبقى· وبدا لي كل شيء كأنه غريب ومريب، غير طبيعي، الطاولة والطعام عليها، وكل شيء خارجي· كل ذلك بدا لي شفافا وخفيفا، المتعة مؤقتة فقط·
''لماذا لا تأكل؟'' سألتني·
ابتسمت: ''الخبز يبدو غريباً جداً''·
رمقت الخبز بابتذال· ولسبب ما انقلب وجهها حزيناً· لا تزال تنظر إليه، وبهدوء عدلت فستانها بيديها وحولت رأسها حيث الأطفال نائمون· ''هل تشعرين بالأسف من أجلهم؟'' سألت· هزت رأسها من دون إزاحة عينيها عن الخبز·
''لا، لكنني كنت أفكر في ما حدث في حياتنا من قبل''·
''كيف يعقل!''، كمن أستيقظ من نوم طويل، مسحت الغرفة بعينيها وبدا لها كل شيء غير معقول· ''أهذا هو المكان الذي عشنا به؟''·
''لقد كنت زوجتي''·
''وهناك أطفالنا''·
''هنا، وراء هذا الجدار، مات أبوكِ''·
''نعم· مات· مات من دون صحوة''·
الطفلة الأصغر ارتعبت لسبب ما في نومها، وبدأت بالبكاء، إنه مجرد بكاء طفلٍ يحتاج شيئاً ما· بدا ذلك غريباً وسط هذه الجدران الوهمية، في حين إنهم هناك، في الأسفل، كان الناس يبنون الحواجز·
بكت وكانت تريد بعض المداعبات وبعض الكلمات الزائفة والوعود لاسترضائها· وسرعان ماسكنت·
''حسنا، اذهب!'' قالت زوجتي في همس·
''أود أن أقبلهم''·
''أخشى أن توقظهم''·
''لا، لن أفعل''·
اتضح لي أن أكبر طفل كان مستيقظاً وقد سمع وفهم كل شيء· على الرغم من أن عمره كان تسع سنوات، لكنه فهم كل شيء، استقبلني بنظرة عميقة وفاحصة·
''هل ستأخذ بندقيتك؟'' سألني بفضول جاد·
''سأفعل''·
''إنها وراء الفرن''·
''كيف عرفت؟ حسناً، قبلني· هل ستذكرني؟''· قفز عن سريره، حاراً من أثر النوم، فتعلق بعنقي بقوة· ذراعاه كانتا محرقتين وناعمتين· رفعت شعره الى الخلف وقبلت عنقه الصغير·
''هل سيقتلونك؟·'' همس في أذني مباشرةً· ''لا، سأعود''·
ولكن لماذا لم يبك؟ كان يبكي عندما أغادر البيت لبعض الوقت· هل يمكن أن تكون قد وصلت إليه أيضاً، من يدري، أشياء غريبة حدثت في الأيام العظام؟·
نظرت إلى الجدران، إلى الخبز، إلى الشمعة، إلى الشعلة التي ظلت متوهجة، وأمسكت بيد زوجتي·
''حسناً، إلى أن نلتقي مرة أخرى!''·
''نعم، الى أن نلتقي مرة أخرى!''·
كان ذلك كل شيء· رحلت· كان الظلام يخيم على الدرج وكانت هناك رائحة كريهة لقذارة قديمة· محاط بالحجارة والظلام التمست طريقي الى أسفل الدرج· يتملكني شعور قوي وهائل بالفرحة والغرابة الى ما كنت ذاهبا اليه·

ü كاتب روسي ولد في أوريول سنة ·1871 درس القانون في موسكو وكان ناشطاً سياسياً إبان ثورة 1905 والثورة الشيوعية· من أشهر أعماله ''الضحكة الحمراء''·

قصائد نسوية من مختارات
هارولد بنتر الشعرية
ترجمة: عبدالكريم كاصد
أعرف حقيقة ماعداها باطل
مارينا سفيتييفا ü
* شاعرة روسية (1941-1892)

أعرف حقيقة ما عداها باطل:
ليس البشر بحاجة للصراع أينما وجدوا
انظر إنه المساء، انظر، إنه الليل موشك على المجيء
ما الذي تلغطون به أيها الشعراء، المحبون، الجنرالات؟
الريح ساكنة، والأرض مبللة بالندى
وعاصفة الأفلاك ستهدأ
وعمّا قريب سننام جميعاً تحت الأرض
نحن الذين، فوقها، لم يدع أحدنا الآخر أن ينام
جحيم
أديث سودرغران ü
* شاعرة سويدية (1923-1982)


أوه·· يا لروعة الجحيم
في الجحيم لا أحد يتكلم عن الموت
الجحيم مسوّر في باطن الأرض
ومزيّن بالورود الملتهبة
في الجحيم لا أحد يتفوّه بلفظة فارغة
في الجحيم لا أحد يشرب أو ينام
لا أحد يأخذ راحته أو يجلس هادئاً
في الجحيم لا أحد يتكلّم فالجميع يصرخون
هناك الدموع ليست دموعاً والتذمّر بلا حول
في الجحيم لا أحد يمرض أو يتعب
الجحيم دائم أبديّ


السيّدة ني كو ووشيكا
* شاعرة يابانية من القرن الثامن الميلادي


لا لأني عجوز الآن
أو أشد ذبولاً مما تظن
إن قلت: لا
فما ذاك إلا لأني أخاف أن ''نعم''
لن تجلبَ لي في النهاية
غير الوحدة القاتلة

امرأة

السيدة سوتي- جو ü
ü شاعرة يابانية (1698-1633)
عشيقة متعلمة
إيزابيل كامبل *
* شاعرة إيرلندية من القرن الثاني عشر الميلادي


أخبروه! كل ما قيل كذب
أحبه بقدر ما أحب حياتي
ما أغناه عن الغيرة علي
أحبه وأمقت زوجته·
إن يقْتلني لغيرة
فزوجته ستموت من الحقد
وسيموت هو من الحزن عليها ـ
ثلاثتنا سنموت في ليلة واحدة
لتحل كل بركات السماء والأرض
على الزوجة التي أمقت
والرجل الذي أحب بقدر ما أحب حياتي
وليكن الموت المفاجئ قدره·

أمنيات الاحتضار

جورج لويس بورخيس ü
ترجمة: عادل علي

لو كان بإمكاني أن أعيش حياتي مرة أخرى،
سوف أبذل جهدي لكي أرتكب المزيد من الأخطاء،
ولن أحاول أن أكون صالحاً أبدا·
سأسعى إلى مزيد من الراحة
وسوف أكون سخيفاً أكثر مما كنت،
وسوف آخذ الأشياء التافهة على محمل الجد·
***
لو بإمكاني أن أعيش حياتي مرة أخرى
سوف أكون أقل هوساً بالنظافة،
وسوف أواجه المزيد من الأخطار،
وأقوم بالمزيد من الرحلات،
أشاهد، أكثر وأكثر، بزوغ الشمس
وأتابع، أكثر وأكثر، غروبها،
أتسلق العديد من الجبال
وأسبح في العديد من الأنهار
وأذهب إلى تلك الأماكن التي لم أزرها قط
***
سوف أمتطي المزيد من الأراجيح
وألعب مع الكثيرين من الأطفال،
وآكل الكثير من المثلجات والقليل من الفاصولياء
وأواجه المشكلات الحقيقية
بدلاً من تلك المتخيلة·
***
لقد كنت واحداً من البشر الذين عاشوا كل لحظاتهم متعقلين ومنتجين
ومؤكد، إني حصلت على لحظات من المرح،
لكن إن استطعت العودة إلى الوراء
سأحاول أن أستبقي اللحظات الحلوة فقط،
وإن كنتم لا تعرفون، فإن الحياة أبدعت من أجلها فقط·· تلك اللحظات الحلوة·
لا تنسوا ذلك أبدا، الآن وهنا·
***
لقد كنت من الأشخاص الذين لم يذهبوا إلى أي مكان
بلا ميزان للحرارة، أو كيس من الماء الساخن، أو مظلة···
وإذا استطعت أن أعيش مرة ثانية
سأبدأ السير عاري القدمين
من أول الربيع وحتى نهاية الخريف،
إذا استطعت أن أعيش مرة ثانية···
لكن كما ترى،
أنا الآن في الخامسة والثمانين،
وأعرف إني احتضر·

* ولد بورخيس في بيونس آيرس وكان والده خورخي غويلرمو بورخيس محامياً وأستاذاً لعلم النفس، وكان مصدراً للإلهام الأدبي حيث قال عنه بورخيس: ''حاول أن يصبح كاتباً ولكن محاولته فشلت''· أما والدته ليونور أسيفيدو سواريز فقد تعلمت الإنجليزية من زوجها وعملت كمترجمة· عائلة والده كانت ذات أصول إسبانية وبرتغالية وبريطانية وعائلة والدته كانت إسبانية وربما لها أصول برتغالية· كانت عائلته في المنزل تتحدث الإسبانية والإنجليزية ولذا فقد نشأ بورخيس قادراً على أن يتحدث لغتين· وكانت نشأته في ضاحية بالرمو في بيت كبير به مكتبة ضخمة· قبل بضعة أسابيع من وفاته أعلنت مساعدته الآنسة كوداما، أنها قد تزوجت منه في الباراغوي وأنها قد حصلت على الحقوق الحصرية لاستعمال أعمال بورخيس تجارياً، الأمر الذي قد عملته بغزارة منذ موته· ثم تبين أن وثيقة الزواج غير قانونية· توفي بورخيس بمرض سرطان الكبد في جنيف، المدينة التي حصل فيها تعليمه الجامعي ودفن في ''مقبرة الملوك'' فيها·

الخادمة الجديدة

أمال صابر ü



ماذا يمكنه أن يتبادر إلى ذهنك عندما تسمع عن امرأة عزباء تخدم في بيت أحد الأثرياء؟ امرأة جميلة؟ ذكية؟ ترى ما الذي لا تستطيع زوجة السيد التي هي ''أنا'' أن تراه؟ فمكانتنا الاجتماعية تجعل منا نساء سطحيات نهتم فقط بالشكليات مولعات إلى حد الجنون بالمجوهرات والفساتين وإبداء مفاتننا على أحسن وجه·
في حين أنهن ـ الخادمات ـ نساء من نوع آخر وهذا ما يجعلني في حيرة وخوف دائمين·
فمن خلال أعينهن الضيقة التي لم تر الكثير من الترف يمكنك أن تتسلل لعالمهن الخاص والباهر·· عالم يملأه الفن، أحجار عادية مثل التي نجدها في الشارع·· دون قيمة· استطعن أن يعطينها أسماء ولمعانا لعلمهن بمقدار الضوء والظل الملائم لها، وأحجار أخرى سحقنها بأناملهن وذوبنها ببعض الدموع الساخنة لتعطي ألوانا لم يتعرف إليها أحد من قبل·
نساء استطعن أن يحتفظن بالابتسامة في لحظة خذلتهن الحياة فيها وسلبن حقهن في العيش ''كنساء''·· نساء مازالت تملأهن عزة النفس إلى أنوفهن القائمة، لأنهن احتفظن بإنسانيتهن ولم يتجردن من أحاسيسهن وأنوثتهن·
الخادمة الجديدة شابة جميلة·· ولا يجب أن تمنعني غيرتي من أن أعترف بذكائها الذي يكاد يقفز من عينيها وحركاتها عندما تحرك أطراف جسمها النحيل والمتزن أثناء قيامها بعمل ما·· تنتمي لنفس النوع، هذا ما توصلت إليه عندما زارت غرفتي في الصباح وأزالت الستائر وأذنت للنور بأن يمرح في أرجاء الغرفة·· ما زالت تتصرف كملكة·· رغم أني أنا سيدة البيت·· لكني لا أفهم هذه الأمور·· نهضت ووضعت أحد أقراطي الماسية في يدها·· فسألتها: ماذا يمكنك أن تري؟ أطبقت نظراتها عليها بتركيز ثم أمسكتها بأناملها، فأغمضت عينيها وتحسستها بهدوء، ومازال السكون يخيط شفتيها الورديتين، لم أشأ أن أقاطع هذه اللحظات بطرح السؤال من جديد، فلزمت الصمت··· وتابعت النظر من جديد، فقالت: آسفة سيدتي··
لا يمكنني أن أجيب عن سؤالك، أستأذنك في أن أنزل إلى الدور السفلي فهناك الكثير من العمل ينتظرني بالمطبخ· لم أشأ أن ترحل دون أن ترضي فضولي فسألتها ثانية: هل يمكنني أن أعرف فقط ما تبادر إلى ذهنك من أول لمسة؟ وبعدها يمكنك أن تنصرفي إلى العمل·
قالت: حسنا·· أول نظرة ألقيتها على الجوهرة تمنيت لو كانت ملكي، لأنها مزيج من الأصفر الذهبي والبلور المتلألئ، لكني لم أكن متأكدة·· فأغمضتُ عيني ووضعتها بيدي لأتحسسها· في لحظة تخيلت أني أمتلكها فقلت ''وبعد؟''· اعذريني سيدتي··· وجدت أن لا شيء هناك بعد شكلها· فهي باردة دون معنى·· هذا قرطك سيدتي·· هل أستطيع الانصراف الآن؟ فأمسكته وقلت: أكيد··
لكني لم أفهم ما الذي يجعل هذه المجنونة في شوق دائم إلى النزول إلى أسفل، إلى المطبخ حيث العمل يمتد إلى ما لانهاية، فلا شيء أسفل وهو مخيف·· وهو يشبه النهاية·
لماذا لا تخاف مثل هؤلاء النساء الأسفل ولا النهاية· بينما نحن متشبثات بالأعلى والشكليات والتلألؤ الزائف، وليست لنا أجنحة، ولا نرضى بالانكسار ولو بمنتصف الطريق؟ يوم إجازة، وزوجي بالبيت جالس، هي تنظف الخزانة، هو يدخن، نظراته تلهث، لعاب الشوق يسيل· يجب أن يبذل جهدا·
ماذا يمكن أن يتبادر إلى ذهنك عندما تسمع عن خادمة شابة، جميلة في مكتب السيد·· فهي مجرد خادمة لا حول لها ولا قوة· لكن الخادمة الجديدة استثناء··· أرض عذراء حرة··· مازالت تجهل وجوده كرجل·· يوجد وقت·· إجازة·· دخان سيجارة·· ولعاب سائل·· وشوق مشع··· لكنها تضع نظارات شمسية في هذه الرحلة·
فجأة يراودها الشعور بأن السيد قد فرغ صبره، لابد من أن اسمها لم يعجبه·· لهذا يمتنع عن مناداتها، أو ربما يسمع بعض الضجة في الغرفة المجاورة ويخاف أن يُضبط متلبسا··· وضبط السيد متلبسا بجريمة اختراق القواعد والقوانين شيء لا يجوز·
السيد جالس على المكتب··· غبار يتناثر من الكتب في الركن الآخر حيث توجد الخزانة··· والخادمة··· صمت طويل وسكون يبشرني بأنه وقت الراحة··· نظرة شاملة في جميع الاتجاهات· لا خطأ إذن··· يمكنني الانصراف رغم عدم وجودي·
الخادمة الجديدة··· وجدت طريقا يصلها بالمكتب· بدأت ترتب الكتب والأوراق وتنثر الغبار·· وزوجي تمثال ترك ذراعه اليمنى تتدلى خارج الكرسي وكأي شيء آخر نثرت الغبار من على جسمه·· ومسحت لعابه المتدلي·· أخذت وقتا أكثر·· فهي الآن مجرد امرأة··· مثلنا تماما··· شمس تغرب تعلن آخر النهار·· يبدو مسترخيا·· لماذا لا يقول شيئا؟ لابد وأنها ذكية بدون تعليل·· ومن غرفة المكتب إلى غرفة نومها بالأسفل قرب المطبخ·· لتجمع أغراضها·· فهذه الليلة ستصل العربة التي ستقلها بعيدا عن هذا البيت··· سأودعها في الخارج بملامح احتقار··· رغم أني لست متأكدة، وسأبقى أنا وباب المنزل نتساءل بعد رحيلها عما قد كانت لتكون عليه لو أنها لم تختر أن تشبهني في لحظة من الزمن الغادر·
الخادمة الجديدة·· غابت·· وزحف عليها سواد الليل، والخطيئة·· وفي الغد الباكر ستعود العربة بوجه وجسم جديدين·· وخادمة جديدة·

ü كاتبة مغربية

وعقال أهلك
شامخاً ماطاحا


حازم التميمي

وجه الصباح أطل فيك صباحا
فارتدّ طرف إذ جبينك لاحا
إذ نفخة في الصور إذ بعث الثرى
إذ زيّن الجسد الموات أقاحا
ختم الجراح مدجج بجراحه
فأعير من مقل الحسان جراحا
ما روّع القلب الودود بظلمة
إلا وكانت في دجىً مصباحا
أنا آدم حواء تملأ سلتي
عصيان من وهبت له التفاحا
القت على الأفلاك أي عباءة
بيضاء فارتجز الزمان وصاحا
الشعر باب الخالدين وأصبحت
هي رغم كل قصيدة مفتاحا
مذ قال: كن· كانت فألفى جنة
تدعو إلى افيائها السيّاحا
طافت على كل الوجود قصيدة
للآن لم تجد الفم الصدّاحا
أوَ ليست الفردوس تغري طالبا
كيما يشم ببابها القدّاحا
أو ليست الرغبات أعذب مطمح
فيما أراد الطامحون طماحا
اوليست الفجر الضحوك لمدلج
قد شام في ظلماته الاشباحا
اوليـست الارض الطهور ولودة
في عصر موت تبعث الارواحا
اوليست الأولى لكل كريمة
فاضت على كل الوجود سماحا
قد راحت الدنيا بكل فعالها
وأبوظبيٍّ فعلها ما راحا
حييت يومك وهو صرح شامخ
من فيض نورك قد أضاء الساحا
شتان بينك تبتنين شواخصا
شما وبين الشاغلات مساحا
إن كان كفك يبتني فأرى غدا
كفا تجرد في الجلاد سلاحا
وأرى غدا وترا يصارع طلقة
فيما أرى قلما يطيل كفاحا
يا دلة الدنيا التي قد أنجبت
خير الرجال بسالة وصلاحا
المالئين الأرض صدق وعودهم
والصابرين الواقفين رماحا
والراكبين تخال جنا تحتهم
دون الجياد يعاربا اقحاحا
طاحت عروش السادرين بغيهم
وعقال اهلك شامخا ما طاحا
خلّفت أوجاعي ونوح حمائمي
واتيت لا وجلا ولا نواحا
استقبل العام الجديد بوجهها
وأبادل النبطية الافصاحا
(مجنونة وحروف جن عفاريت)
تتبادل التقبيل والافراحا
(يوم تجيشن في صدور المصاليت)
تعطي لمكسور الجناح جناحا
(اطلقتها للريح وش غير هلبيت)
يستقبل الرحّال والملاحا
(شفت الحلم وجه الرجال المثابيـت)
يتسابقون مكارما وفلاحا
(ربي يديمك يلي بالعين خليت)
كـحــــلا يــــــرد الـــرامـــــــــدات صـحــاحـــــــــا

رائحة الكلمات
إيناس العباسي ü

اللحظة نائية:
ملء رئتيّ الليل أتنفس
رائحة البحر··
رائحة كلمات تُهمس···
في الخفاء
رائحة الدماء·· تندفع
في روح كلمات ثملى
شربتها من··· ماء الموسيقى
الصوت:
همس طفل في أذن قصيدة
''كوني··· فرسي
لأعبر أعالي النهر''
ملء الليل
أصيخ:
خطى حذرة··· تتباطأ
على رصيف الحلم
في الحلم
ـ حلمك المتداخل في حلمي ـ
تضع رأسك
على ركبتيّ لغة من ماء
في الحلم
حلمي المتداخل في أحلامك
رأسي مدفون
في صدر لغة ناعمة
كرمل يديك حين تغضب
ملء عيون الليل
أنظر في بذخ حلمك:
الأزرق السماويّ
يتدافع مع الألوان··· في قلبي
خَفقان أغنية
وأنا···
متكئة على جذع شجرة من···
سراب
أفتّت صخرة الحزن
بأناة
قبل أن يوقظني
بكاء دوريّ عجوز
ـ يتم العالم أبكاه ـ
في ضيق حلمي
أنا قطرة ماء
بين قبضتيّ العدم
أحاول الانفلات
··· إلى اتّساع حلمك
ـ لكني
دين في عنق اللغة ـ
تتصلّب كف الليل على عينيّ
ودليلي صخب الضوء
دليلي الخراب
دليلي ''قفا نبكي''
وكل البكاء أنهته الريح
الريح المخيّمة على···
الطريق
الخائضة للبئر
المعلّقة أجراسها
على صفصافة الكلام
كل البكاء أنهته الريح
في ليلة الدهشة ـ السقوط
السقوط
يا أرضا مصلوبة بين
··· نارين ···
وأرضا مصلوبة
على·· ظلّ جدار
هذه الزرقة ميّتة
السماء تنسحب··· لتترك
الفراغ ـ العدم
لكن الريح ستولّد لنا
سماء أخرى
وغابات وأطفالا···
آه···
ياغابات الفرح الشاحبة
متى ألقي بروحي
في قاع بئر مدفونة فيك
ولا أسحب كلّ هذا
الفراغ؟

ü شاعرة تونسية مقيمة في الإمارات

لو جدتم بوداعي
نجاة الظاهري ü

ما بالهم رحلوا بغير وداعِ
تركوا فؤادي في يد الأوجاع
أو ما دروا أن النسيم ببعدهم
مرٌّ، وهذا لا يريح يراعي
أو ما دروا أن السكون إذا مضوا
عني، كجمرٍ يرتمي بشراعي
أو ما دروا أن الليالي دونهم
لا تستلذّ سوى دماءِ صراعي
رحلوا، وفكوا قيد حزني، والجوى
إن صرت وحدي سيئ الأطباع
رحلوا، ودقوا فيّ ناقوس الجنون،
وما سواه إذا أردت متاعي
برحالهم قصداً تركتُ -وما دروا
منذ اللقا- قصداً تركت صواعي
لكنهم رحلوا وما سمعوا النداء،
وغابَ كلٌّ دون أي وداع
ويح الفؤاد وقد فقدت شموسهم
وعبيرهم، يا روحُ لستِ تطاع
إن أنت شئت من الذين ترحلوا
عنك الرجوع، وإن نعاك الناعي


يا روح فلتبكي، أفيضي بالبكا ء،
فإنهم لا يملكون سماعي
رحلوا وبعدُ الليل ليس بمنجلٍ
عني، وبعدُ الصبحُ ليس بساعِ
رحلوا، وبعدُ القلب رهن جراحه
في لجةٍ من آهه ونزاعي
رحلوا، أفيضي بالبكاء فإنهم
كسروا ببعد رحيقهم أضلاعي
أو ما دروا أن الفراق يميتني
أو ليس منهم للمحب مراعِ
رحلوا وما قالوا وداعاً إنما
ظنوا بأني صخرة الأطباع
من ذا قد رحلوا سيرجع بسمتي
أو للحياة سيقتني إرجاعي
يا من تناسوا أنني أهواهمُ
لو جدتمُ قبل النوى بوداعي

ü شاعرة إماراتية- العين

اقرأ أيضا