الاتحاد

دنيا

أستاذ كفيف يبهر طلبة الجامعة بتدريسه علوم الكمبيوتر

حوار - السيد سلامة:
هذا الشاب القادم من أقصى صعيد مصر شغل وزارة التعليم الأميركية عندما كان طالباً في الثانوية العامة، ثم استحوذ على اهتمام كبار أساتذة جامعة بيركلي الأميركية عندما حاول تقديم أوراقه للالتحاق بها فقد وضعت اللوائح والقوانين الأكاديمية أمامه جبلاً من اليأس اضطرت معه الجامعة لنسف هذه اللوائح من الجذور·
وبعد أكثر من عشرين عاماً وجد الشاب الصعيدي الأصل الأميركي الجنسية نفسه في تحد جديد مع الحياة فقد تقدم بأوراقه لشغل مقعد عضو هيئة الـ تدريس بجامعة الإمارات واجتازت الأوراق دورة الاجراءات التي تتطلبها عملية الفرز عبر الانترنيت، وتحمس جميع أعضاء لجنة المقابلات من الأكاديميين لاستقطاب هذا الشاب الذي سبقته مشاريعه الإلكترونية المبتكرة وسجله الأكاديمي المتميز في جامعة بيركلي·
ومن بيركلي إلى عود التوبة في العين كان الدكتور هشام كامل أستاذ علوم الحاسب الآلي على موعد مع تحد جديد في حياة لم يتمناها لنفسه في يوم من الأيام، فقد تبين أن هذا الأستاذ الشاب كفيف البصر·
واطلع معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التربية والتعليم الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات على السجل الأكاديمي لهذا الأستاذ وانتصر معاليه للقيم الأكاديمية ووجه باستقطاب عضو هيئة التدريس الشاب في لفتة تترجم البعد الحضاري للجامعة كمؤسسة أكاديمية عريقة، وفي أول محاضرة لطلبته في جامعة الإمارات كان هذا الشاب الكفيف حديث الجامعة·
من بيركلي إلى عود التوبة في العين قطع الدكتور هشام كامل رحلته السادسة والعشرين بالطائرة إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية، ولكن هذه الرحلة فريدة بالنسبة له فهي تختلف عن غيرها من الرحلات الخمس والعشرين السابقة لأنها رحلة طويلة بعض الشيء وليست رحلة لمشاركة في مؤتمر في لندن أو إلقاء محاضرة علمية في اليابان·
في رحلته من بيركلي إلى عود التوبة لم يحمل الدكتور هشام كامل شيئاً معه سوى تلك الحقيبة التي تلازمه كظله منذ 33 عاماً وبالتحديد عندما كف بصره إثر عملية جراحية فاشلة ترتب عليها فقدان هذا الصبي الذي حمله أبوه من مصر إلى أميركا بحثاً عن قطعة تورته في الحلم الأميركي لأبناء العم سام·
فقدان البصر ··هو الحرية
في قصته التي خص بها الاتحاد لم يتردد د· هشام في القول بملء الفم أحمد الله تعالى أن أخذ مني البصر فقد منحني حرية لو وزعت على شعوب الأرض لفاضت عليهم جميعاً ·
بكبرياء الصعايدة يرفض د· هشام أن يساعده أحد فقد كانت فلسفته ولا تزال منذ هذه الجراحة التاريخية في حياته كن صاحب هدف في الحياة ولا تضع رأسك أسفل موج البحر ·
تغير الحياة
في الساعات التي قضتها الاتحاد مع د· هشام حكى لنا قصته مع الحياة، وهي قصة يهديها لكل إنسان يجد في الإعاقة انتقاص من فرصته في الحياة، بل يؤكد على أن حياته تغيرت بعد فقدانه الإبصار بدرجة مذهلة، ففي الوقت الذي خيّم فيه الحزن على عائلته كان هو الوحيد الذي يستمتع بذلك الخيال الذي لا يراه سوى المكفوفين، وهو خيال لا تحده أطر ولا يقف في وجهه جدار، ومنذ اليوم الذي فقد فيه البصر لم يضع الوقت ولم يذرف الدموع فقد كانت إجابة الأطباء قاطعة لا أمل في استعادة الإبصار·
يقول د· هشام: خرجت مسرعاً من البيت بعنفوان الصبا والتحقت بدار متخصصة في تأهيل المكفوفين للحياة وهناك وجدت الحياة أصعب مما أتصور ولكن العزيمة التي كانت بداخلي كانت هي الأخرى أقوى من كل صعب، وخلال 6 شهور خرجت إلى النور وتحسست جدران المباني بيدي وتعلمت طريقة برايل في القراءة للمكفوفين والتهمت كتب الثانوية العامة وحصلت على نسبة تجاوزت 95%، ووجدت نفسي أمام تحد جديد وعقبة جديدة، فقد كان حلمي دراسة الحاسب الآلي وبالفعل تقدمت بأوراقي إلى جامعة بيركلي وهي أشهر ثاني جامعة في تقنية المعلومات بأميركا، وهناك كانت الأزمة الحقيقية إذ كيف لهذا الطالب الكفيف أن يدرس الكمبيوتر وكيف له أن يتقن علومه، وترددت الجامعة في البداية ولكن أساتذتها كانوا أقوى من اللوائح وانتصروا لرغبتي في دراسة علوم الكمبيوتر·
ويواصل د· هشام: لم تكن الدراسة سهلة وكنت كل يوم أستحضر صور العظماء الذين خلدتهم ابداعاتهم التاريخية، وعاهدت نفسي على ألا أكون عالة على أحد، ومنذ ذلك الوقت حملت حقيبة صغيرة بها العصاة الخاصة بالمكفوفين وهي عصاة تُحترم في كل دول العالم المتقدم، وفي الحقيبة جهاز تسجيل صغير لتوثيق المحاضرات وأرجع من الجامعة وأقوم بتوثيقها بطريقة برايل ·
الانسجام الالكتروني
في مرحلة البكالوريوس كان اسم هشام كامل أحد علامات جامعة بيركلي فقد نجح في إدخال تعديلات كثيرة على الكمبيوتر استطاع من خلالها أن يحدث انسجاماً بينه وبين هذا الجهاز، ووضع رموزاً صوتية للوحة المفاتيح واستعان بارشادات صوتية في التشغيل البرمجي لهذا الجهاز·
في نهاية البكالوريوس حصل هشام كامل على معدل 4 أي درجة الامتياز في علوم الحاسب الآلي من جامعة بيركلي وهنا لم يكن بمقدور أحد في الجامعة إلا أن يفتح أبواب استكمال الدراسات العليا أمام هذا الشاب الذي يُصنف على أنه الأستاذ الوحيد الكفيف الذي يدرّس علوم الحاسب الآلي·
كان الدرس الأول الذي يعلمه الأستاذ الكفيف الشاب لطلبته هو: كيف تتعاملون معي·· ويؤكد لهم: لست عاجزاً ويترجم ذلك تطبيقياً، ويقول: لقد وهبني الله القدرة على حل المسائل الرياضية مباشرة دون الحاجة إلى كتابتها، كما منحني الله موهبة كتابة الشعر وعزف مقطوعات موسيقية كلاسيكية وعربية·
بالاضافة إلى موهبة أخرى وهي النهم في القراءة، أما موهبتي الأكبر فهي عشقي للمختبر والذي أعتبره حياتي ففي المختبر أشعر بذاتي·

اقرأ أيضا