الإثنين 4 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الإسلام ... ومكافحة المخدرات
الإسلام ... ومكافحة المخدرات
23 يونيو 2011 19:50
الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وأصحابه أجمعين ... وبعد توافق بعد غد الأحد السادس والعشرين من شهر يونيو ذكرى اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، حيث إن المخدرات تعتبر مشكلة مهمة تواجه المجتمعات في العصر الحديث، كما أن المخدرات والمسكرات هي أحد أهم الأسباب التي تساهم في فساد المجتمع وشلّ قدراته، وتخلفه عن ركب الحضارة والتقدم، فهذه الآفة الخطيرة وهذا المرض الفتاك يشكو منه العالم كله، حيث إن هذه الآفة الخطيرة قد دخلت البلاد الإسلامية منذ أمد بعيد، فشيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- يقول: «وهذه (الحشيشة) فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة، حيث ظهرت دولة التتر، وكان ظهورها مع ظهور سيف (جنكيز خان) لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب، سلط الله عليهم العدو» (مجمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (34/205))، ونظراً لخطورتها فقد لجأت بعض الدول المعاصرة إلى فرض عقوبات صارمة بحق المنتجين والمروجين تصل أحياناً إلى الحكم بالإعدام، كما أقامت المراكز المتخصصة لمعالجة المدمنين. لقد تفاقمت مشكلة المخدرات في السنوات الأخيرة وأضحت مشكلة عالمية، حيث ترتبط هذه المشكلة بمشاكل أخرى عديدة مثل انتشار الجريمة والموبقات، وما يصاحب ذلك من تفكك عرى المجتمع وتحطيم كيان الأسرة، ومن المؤسف أننا نشاهد بيوتاً قد دمرت وأسراً انحل عقدها، وأطفالاً شردوا بسبب إقبال رب البيت على هذه المنكرات، وما أكثر الذين يعبثون بالقيم والأخلاق من جراء تعاطيهم لهذه السموم، فلنكن منهم على حذر مهما كانوا ومن كانوا. فلقد أصبحت المخدرات بأنواعها وأصنافها ومسمياتها المختلفة داء داهماً وخطراً فتاكاً يواجه العالم بأسره، وبخاصة الشباب الذين يتعرضون اليوم لهذا الداء الخطير، الذي يهدد أجسامهم بالمرض، وعقولهم بالانحراف، وضياع طاقاتهم التي وهبها الله لهم لصلاح دينهم ودنياهم. ومن المعلوم أن ديننا الإسلامي قد حرم كل ما يؤثر على العقل والجسم أياً كان مصدره وأياً كانت حالته التي هو عليها من شرب أو شم أو مزجه بطعام .. إلخ، لأن الإسلام يعمل على إيجاد مجتمع قوي سليم، فقد أثبت الإسلام بأنه المنقذ الوحيد للبشرية التي ترتع في الأوبئة والأمراض النفسية والجسمية، وتبحث عن سبيل النجاة والسعادة، حيث حرم كل ما ينتقص من قيمة العقل أو يؤثر عليه، كما اهتم اهتماماً بالغاً بالمصالح الضرورية للحياة البشرية، والتي جاءت الشريعة لتحقيقها، (نظراً لأن إهمالها والتهاون بها يؤديان إلى تفويت منفعة أو جلب مضرة للفرد والمجتمع)، وترجع هذه المصالح الضرورية إلى خمسة أشياء كما ذكر ذلك الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات وهي: (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال)، حيث جاء ديننا الإسلامي لتصحيح مسار البشرية الضالة، وتقويم المعوج من الفطرة السليمة، ولضبط حركة الحياة والأحياء. ومن هنا حرم الله- عز وجل- على المسلم كل ما ينتهك حرمة بدنه ونفسه وعقله وماله وعرضه، وآفة المخدرات بشتى أنواعها حطمت أمماً كاملة، وتهدد أمماً قائمة وحضارة فاعلة، والمخدرات هي مجموعة العقاقير التي تؤثر على النشاط الذهني والحالة النفسية لمتعاطيها، إما بتنشيط الجهاز العصبي المركزي أو بإبطاء نشاطه أو بتسببها للهلوسة أو التخيلات. لذلك نجد أن ديننا الإسلامي الحنيف يحرم المهلكات المذهبات للعقل والمفسدات له، لأن سعادة الإنسان رهينة بحفظ عقله، وبالعقل رفع الله الإنسان فهو مناط التكريم ومناط التكليف، ولما كان العقل بهذه المثابة فقد حرم الله تعاطي كل ما يوبقه أو يذهبه حرمة قطعية، وبما أن الأمور بمقاصدها، فإن إنتاج المخدرات والاتجار فيها وزراعة أشجارها وتصنيعها وبيعها وترويجها والتستر عليها وكل ما يعين على تعاطيها حرام شرعاً. لذلك نجد بأن القرآن الكريم يحرم الخمر كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، (سورة المائدة، الآية (91- 92)، هكذا نزلت الآيتان الكريمتان في سورة المائدة، وحينما قال الله تعالى: (فهل أنتم منتهون)؟ قالوا: قد انتهينا يا رب... قد انتهينا يا رب، فقد كان الرجل منهم يمسك بالكأس في يده، شرب بعضها وبقى بعضها، فأفرغها ولم يكمل الكأس، ثم ذهبوا إلى بيوتهم فجاءوا بقرب الخمر وأفرغوها في طرقات المدينة وقالوا: انتهينا يا رب. وحيث إن الله سبحانه وتعالى قد حرم الخمر في هذه الآية الكريمة، وبين أن من مفاسدها الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وكذلك المخدرات وغيرها من الأنواع الأخرى، لأنها تخدر صاحبها وتذهب بعقله، فلا يعقل صلاة ولا غيرها، وتضييع الصلاة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام، (فكل ما أخرج العقل عن طبيعته وخامره فهو خمر)، هكذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أمام الصحابة الكرام- رضي الله عنهم أجمعين- ولم ينكر عليه أحد، فهذا إجماع من الصحابة. وهذا ما ينطبق على هذه المخدرات: حشيش، أفيون، كوكايين، هروين، كل هذه الأشياء تخامر العقل وتجعل الإنسان غير واعٍ بنفسه ولا بما حوله، ويتصور الأشياء على غير ما هي عليه، والناس يقولون عنه: مسطول، إنسان تائه ضائع. وقد يتشدق بعض الناس فيقول أريد آية من كتاب الله تحرم الخمر تحريماً صريحاً، والجواب على ذلك اقرأوا إن شئتم قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}، (سورة الأعراف، الآية 33)، والعرب في لغتهم التي نزل بها القرآن الكريم يُسمون الخمر بأسماء متعددة من جملتها الإثم، ولذا قال الشاعر الجاهلي: شربت الإثم حتى ضلَّ عقـلي كذاك الإثم تذهب بالعقـول وقول شاعر آخر جاهلي: ونشرب الإثم بالصواع جهارًا وترى المدك بيننـا مسـتعارا كما أن السنة النبوية الشريفة تحرم المخدرات في قوله صلى الله عليه وسلم-: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)، (أخرجه مسلم)، وقوله- صلى الله عليه وسلم-: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، (المستدرك على الصحيحين)، والشاهد أن الأحاديث الشريفة لم تفرق في المسكرات بين نوع ونوع لكونه مأكولاً أو مشروباً، كما استُدل على تحريم المخدرات بالحديث الشريف: (نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن كل مسكر ومفتر) (أخرجه أبو داود)، والمفتّر هو كل ما يورث الفتور في الجسم، والخدَر في الأعضاء والأطراف، والثابت المشاهد أن المخدرات والحشيش والأفيون توجد هذا الفتور في الجسم بشكل واضح ملموس. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: (والحشيشــة المصــنوعة من ورق العنب حرام أيضاً، يُجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد، والخمر أخبث، من جهة أنها تقضى إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة)، (مجمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (28/339). كما وأفتى بحرمتها - رحمه الله - حيث قال: «هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين)، (مجمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (34/210). والمخدرات لها أضرار صحية وعقلية وروحية واقتصادية واجتماعية، لذلك فإن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يحذر من ذلك قائلاً: (لا ضرر ولا ضرار)، (أخرجه أحمد وابن ماجه)، ولذلك تحرم المخدرات بمشتقاتها، بقاعدة دفع الشرّ وسدّ ذرائع الفساد، لذلك يجب علينا أن نتعاون على حماية مجتمعنا من الشرور والآثام، وأن نعمل سوياً على بناء مجتمع نقي سليم خالٍ من الشوائب، مجتمع الحب والإخاء. نسأل الله أن يحفظ أمتنا من كل سوء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك www.yousefsalama.com
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©