الاتحاد

الإمارات

علاقات راسخة تعزز الشراكة.. موسكو أبوظبي طريق المستقبل

محمد بن زايد والرئيس الروسي يوقعان «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين العام الماضي (الاتحاد)

محمد بن زايد والرئيس الروسي يوقعان «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين العام الماضي (الاتحاد)

طه حسيب (أبوظبي)

الأول من يونيو 2018 يوم مهم في تطور العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وروسيا الاتحادية، فالشراكة الاستراتيجية التي وقعها في موسكو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جاءت تتويجاً لمراحل ومقومات التعاون المشترك بين البلدين، بما يخدم مصلحة شعبيهما، فالإمارات ثاني أكبر اقتصاد عربي، وثامن أكبر منتج للنفط في العالم، ورابع منتجي «أوبك»، وروسيا الدولة الأكبر إنتاجاً للنفط خارج منظمة «أوبك» والأكبر إنتاجاً للغاز الطبيعي على مستوى العالم، وتمتلك قدرات استثمارية هائلة.
وتلخص مقولة الرئيس بوتين أثناء التوقيع على الشراكة، «الإمارات تُعد شريكنا القديم والموثوق في الشرق الأوسط» قناعة القيادة الروسية بأفق العلاقات بين موسكو وأبوظبي ومستقبلها الواعد، خاصة أن حجم التجارة بين البلدين تضاعف 3 مرات خلال خمس سنوات «من مليار دولار عام 2010 إلى 3.7 مليار عام 2015»، وبلغ حجم الاستثمارات الإماراتية في الاقتصاد الروسي 6 مليارات دولار، فيما يصل عدد السائحين الروس الذين يزورون الإمارات سنوياً إلى 600 ألف سائح.
الإمارات وروسيا يدركان خطر الانتشار غير المسبوق للإرهاب، وظهر ذلك جلياً في التصريحات التي تزامنت مع إطلاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والتعهد بضمان أمن الفضاء الإلكتروني ومنع استغلاله في مجال التطرف، والمأمول أن تعزز الشراكة الإماراتية- الروسية، الحوار العربي- الروسي من أجل فهم مشترك للقضايا والأزمات الإقليمية، خاصة في ظل وجود الحوار الاستراتيجي بين روسيا ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي بدأ في 2011 واستضافته موسكو في مايو 2016، ومنتدى التعاون الروسي العربي.
وتدرك الإمارات أهمية الدور الروسي إقليمياً وعالمياً، حيث أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أثناء التوقيع على اتفاقية الشراكة أن «روسيا دولة كبرى لها دورها المهم والمحوري في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، وأن استمرار التنسيق والتشاور معها بشأن قضايا المنطقة أمر ضروري لضمان تحقيق الأمن والاستقرار اللذين ننشدهما». كما أن خطط الإمارات الواعدة في مجالات البحث العلمي والفضاء والطاقة المتجددة تستفيد من الشراكة مع روسيا، التي تتميز في هذه المجالات.
ويرى السفير عزت سعد السيد، مدير المجلس المصري للشؤون الخارجية، وسفير مصر السابق لدى روسيا، أن السياسة الروسية تجاه المنطقة العربية تتسم بالواقعية، وتغليب لغة المصالح المشتركة، وما يبعث على الارتياح أن روسيا الاتحادية لديها مبادئ في السياسة الخارجية تكاد تتطابق مع المبادئ التي تتبناها الدول العربية مثل «مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومبدأ عدم جواز تغيير الأنظمة السياسية بالقوة، وإقرار المساواة في السيادة، والاعتماد على التسوية السياسية للمنازعات في إطار الأمم المتحدة والقانون الدولي. وموسكو مهتمة وما زالت بأمن الخليج، وهذا ظهر بوضوح عام 2007 عندما طرحت موسكو فكرة تدشين نظام أمني في الخليج، وفي 18 سبتمبر الماضي شهدت مدينة سان بطرسبرج ورشة عمل لبحث هذه الفكرة.

استقرار التحالفات
أكدت الدكتورة نورهان الشيخ، أستاذة العلوم السياسية، بجامعة القاهرة، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، وهي خبيرة في الشؤون الروسية، أن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الإمارات تكتسب أهمية كبيرة، كونها الأولى منذ عام 2007، صحيح أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، زار المنطقة أكثر من مرة، لكن هذه الزيارة الرئاسية، تعد في حد ذاتها نقطة تحول مهمة.
روسيا أصبحت براجماتية في علاقاتها الدولية، وبات يعنيها كثيراً التعاون في المجالات الاقتصادية والتقنية والعسكرية، وتُبدي موسكو اهتماماً بجذب الاستثمارات الخليجية عموماً والسعودية الإماراتية على وجه الخصوص، إلى منطقة الشرق الأقصى الروسية الواقعة من سيبيريا حتى سواحل المحيط الهادئ، وضمن هذا الإطار يمكن تفسير حرص الروس على عقد «المنتدى الاقتصادي في الشرق الأقصى الروسي»، وخلال العام الجاري التأمت نسخته الخامسة. روسيا الاتحادية مهتمة بضبط أسعار النفط، كونها البلد الأكبر من حيث إنتاج الخام، خارج «أوبك»، وتعد أسعار النفط مسألة أمن قومي بالنسبة للروس. وتتعاون روسيا عسكريا مع الإمارات، في إطار صفقات هي الأكبر في منطقة الخليج، فالإمارات تعد أكبر مستورد خليجي للأسلحة الروسية. وثمة مجال جديد نجحت روسيا بالفعل في التعاون من خلاله مع السعودية والإمارات، وهو الأقمار الاصطناعية، حيث نجحت المملكة العربية السعودية في إطلاق 13 قمراً اصطناعياً بالتعاون مع روسيا الاتحادية.
ولدى روسيا الاتحادية قدرات تقنية في مجال المفاعلات النووية، تميزها عن غيرها من الدول، حيث تستطيع تدشين المفاعلات بكافة مستلزماتها، فالتعاون مع موسكو في هذا المجال لا يجعل ثمة حاجة للاستعانة بخبرات من دول أُخرى في المجال نفسه.
وإذا كانت مجالات التعاون بين الإمارات وروسيا، في مجالات الاقتصاد والطاقة والصناعات العسكرية تسير بخطى واثقة، فإن ملفاً مثل أمن الخليج يندرج وأيضاً ضمن الأجندة الروسية، ويحظى باهتمام كبير، فمن مصلحة موسكو أن تشهد منطقة الخليج استقراراً، وترفض موسكو أي عمل عسكري في المنطقة، انطلاقاً من رؤية مفادها أن تداعيات أي توتر بتلك المنطقة ستؤثر حتماً على المصالح الروسية، وطرحت روسيا في 23 يوليو مبادرة لأمن الخليج، تسعى من خلالها إلى فكرة تدشين «منظمة للأمن والتعاون في الخليج» تضم دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والصين والاتحاد الأوروبي، ويبدو أن موسكو تريد محاكاة «منظمة الأمن والتعاون الأوروبي»، التي نجحت في احتواء التوترات بين روسيا والدول الأوروبية عقب الحرب الباردة، وتحتاج الفكرة الروسية إلى خطوات تضعها على طريق التطبيق، تبدأ بلجنة تنسيقية ثم مؤتمر يناقش الأسس والمبادئ، وتأسيس المنظمة المنشودة روسياً.
وحسب نورهان، تنتهج روسيا «سياسة المتوازيات»، أي أن عقدها شراكة مع دولة ما لا يعني أن هذه الشراكة تأتي على حساب دولة أخرى. ولم تعد لدى روسيا قيود أيديولوجية، كما كانت في السابق (إبان الحقبة السوفييتية)، وتتميز سياستها الخارجية بتغليب منطق الشراكة التي يستفيد منها جميع أطرافها، من منطلق «الكل رابح» والتي تعرف اصطلاحاً بـWin Win، وتتسم سياستها الخارجية باستقرار التحالفات.
وتنسجم السياسة الروسية تجاه الوضع الراهن في ليبيا مع نظيرتها الإماراتية، في دعم استقرار ليبيا من خلال الجيش الوطني الليبي، وفي الملف السوري، أصبح الدور الروسي مهماً لجهة دعم استقرار سوريا من جهة، والبدء في عمليات إعادة الإعمار، التي ينبغي أن تكون للدول العربية حصة فيها خاصة أن دولاً أخرى تريد الحصول على حصة في إعمار سوريا سواء إيران أو تركيا.

28 مليون مسلم يعززون روابط روسيا بالعالم الإسلامي
يشكل مسلمو روسيا رافداً مهماً لتعزيز العلاقات الإماراتية- الروسية، ضمن مظلة أوسع تتعلق بمنظمة التعاون الإسلامي، التي تعد المنظمة الأكبر عدداً من حيث أعضائها بعد الأمم المتحدة، فلدى روسيا صفة مراقب بالمنظمة، حيث يعيش فيها 28 مليون مسلم، أي 20% من إجمالي عدد سكانها، وتلتئم في واحدة من أكبر المدن الروسية، وهي «قازان»- عاصمة جمهورية تتارستان الروسية- قمة سنوية اقتصادية بين روسيا والعالم الإسلامي، بدأت عام 2009، ويتزامن معها معرض «حلال روسيا» الذي يهتم بقطاع صناعة الأغذية الحلال والمتوقع أن يصل حجمه بحلول 2020 إلى 2.6 مليار دولار.
ووقعت الإمارات في 24 يونيو الماضي خلال النسخة الأخيرة من قمة «قازان» اتفاقية في مجال تجارة المنتجات الحلال المطابقة لمواصفات الشريعة الإسلامية. ولا تزال هناك فرص واعدة لتعزيز العلاقات التجارية مع روسيا والعالم الإسلامي، وضمن هذا الإطار، صرّح رئيس جمهورية تتارستان «رستم مينيخانوف»: «أن مستوى التعاون الاقتصادي بين الأقاليم الروسية ودول العالم الإسلامي لا يتوافق مع الفرص المتاحة»، حيث إن تتارستان منصة موحدة لكل من يسعى إلى توسيع التعاون الاقتصادي بين روسيا وأقاليمها والدول الإسلامية. كما أن الإمارات التي تتأهب لاستضافة معرض إكسبو 2020 وتعزيز مكانتها كبلد جاذب للاستثمار، تتقاطع توجهاتها مع نظيرتها الروسية، خاصة في ظل استمرار التواصل بين الهيئات المعنية بالاستثمار في كلا البلدين، وتنوع مجالات التعاون بينهما في قطاعات مهمة كالطاقة والسياحة وتقنيات الفضاء والتبادل التجاري.

 

اقرأ أيضا