الاتحاد

ألوان

العلماء:الحفاظ على التوازن البيئي مطلب شرعي

حسام محمد (القاهرة)

يواجه العالم اليوم مشكلة تلوث البيئة التي تعد إحدى أكثر المشاكل خطورة على البشرية، بل وعلى أشكال الحياة الأخرى كالنبات والحيوان وتلوث البيئة مما يهدد مستقبل الإنسانية لدرجة أن العلماء ربطوا بين البيئة وخطر زوال الجنس البشري، وقد برزت هذه المشكلة نتيجة للتقدم الصناعي، وبالتالي فإن الإنسان هو السبب الرئيسي والأساسي في التلوث.

توجيهات الإسلام

يقول الدكتور إسماعيل عبد الرحمن أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: الإسلام دين شامل لكل نواحي الحياة، حيث وضع تعاليم ومبادئ تحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله تعالى الإنسان خليفته في الأرض بالتفكر والتدبر في آياته في الكون وفيما خلقه من أرض وبحار وغيرها في عشرات الآيات البينات من القرآن الكريم، حيث قال تعالى في سورة يونس الآية 101: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)، ونهى الدين الحنيف عن الإضرار بالبيئة وأمر بالمحافظة عليها من أي ضرر، حيث يقول عز وجل: (ولا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)، «سورة الأعراف: الآية 56»، ونهى عن الإفساد في الأرض، حيث قال (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) «سورة البقرة: الأية 205»، والسنة النبوية المطهرة زاخرة بالحوادث التي تؤكد حرص النبي على البيئة ، وقد عُني الإسلام بالبيئة في كل نواحيها، ففي الناحية الزراعية أمر بالحرص على الزرع ولو قامت القيامة - يعني ظهرت علاماتها - فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة، وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل».

وأمر الإسلام بنظافة الطرق والحفاظ عليها من كل ما يؤذي، وجعل ذلك من شعب الإيمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان»، كما أمر الإسلام بالحفاظ على المياه بأنواعها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه وكان النبي ينهى عن قطع الأشجار أو تدميرها ويأمر بالمحافظة عليها، حيث كان صلى الله عليه وسلم يقول دوماً: «ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها»، ونفس الأمر اتبعه الخلفاء بعد ذلك ولا بد أن نعي جيداً أن تلوث البيئة لم يحدث إلا نتيجة إغفال الإنسان لهذه التوجيهات وإفراطه في بناء مدنيته على حساب الموجودات الطبيعية لهذه العناصر الضرورية للحياة فازداد التلوث ونسبة ثاني أوكسيد الكربون الذي يقول العلماء إن تزايده لا يرجع فقط إلى استهلاك مصادر الوقود وإنما نتيجة التدهور الذي أصاب الغطاء النباتي المستهلك الرئيسي لثاني أوكسيد الكربون، ما سبب إخلالاً في مكوّنات الهواء، فالإسلام بعيد كل البعد عما تفعله بعض الشعوب بصور فردية وجماعية، إذ يلوثون البحار بالإشعاعات النووية، ويطمرون الأغذية خوفاً من رخص سعرها، ويبيدون الأشجار والحيوانات باسم الترفيه والنزهة، ويسرفون في استخدام موارد البيئة فيما لا يفيد.

الانقراض

الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق يقول: الدين الإسلامي أكد أن حماية البيئة واجب على كل إنسان، حيث دعا الدين الإسلامي كل المسلمين إلى أكل الطيبات من الرزق والاهتمام بالنظافة الجسدية، أيضاً طور الإسلام علاقة الاحترام والعطف حتى مع الكائنات الحية وفي ذلك حماية لمكونات أساسية في البيئة حتى لا يحدث انقراض لكائن على حساب آخر، فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها»، وهكذا جاءت التوجيهات الدينية حاملة الدعوة المؤكدة للحفاظ على البيئة بكل مكوناتها لأنها منظومة واحدة لكيان واحد، فالإسلام دعا إلى الحفاظ على نظافتها وطهارتها وجمالها وقوتها وسلامتها، ونقاء من فيها والمحافظة عليه والإسلام هو دين النظافة حث عليها ودعا إليها وجعلها شرطاً لصحة الصلاة .

يضيف الشيخ عاشور أن من أهم الأمور التي تؤكد حرص الدين الإسلامي على حماية البيئة ودعوته للحفاظ عليها نهي النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين عن إلقاء السم في بلاد العدو، فإذا كان هذا الدين يمنع تلويث أرض أعداء الله وأعداء الدين، فما بالنا بأرض المسلمين ذاتها، وهو ما يؤكد وبوضوح أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي دعا إلى المحافظة على البيئة وعدم تلويثها ، فقد سبق كل الشرائع إلى مكافحة تلوث البيئة، وجعل الإسلام المحافظة على البيئة جزءاً من إيمان المسلم، والكثيرون أهملوا تلك القيم، وهو ما أدى إلى تصاعد حدة التلوث التي وصلت لمرحلة حذر منها كل العلماء المتخصصين لهذا فلا بد من تبني استراتيجية تربوية وإعلامية للتحذير من مخاطر التلوث، فللتربية دور مهم جداً مشاكل البيئة تحتاج إلى مربين مهتمين يعتنون بالنشء ويتعهدونهم بتبسيط كل ما يتعلق بالمشاكل البيئية.

مئتا آية

ويقول الدكتور عبد الفضيل القوصي وزير الأوقاف المصري الأسبق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: المتمعن في آيات القرآن الكريم يجد أن موضوع البيئة يتردد صداه، فيما يقترب من مئتي آية في سور كثيرة تتناول عناصر البيئة من أرض وما تضمه من مكونات حية وغير حية وما يحيط بها من غلاف غازي وغيره، وبحار وما تحتويه من عوالم يصعب إدراك عظمتها، وكلها تدل على قدرة الله وعظيم صنعه، «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» وعلى اهتمام هذه الرسالة الخاتمة بتبيان كل ما له صلة بتحقيق السعادة للإنسان وتسهيل مهمته التي أوكلها الله إليه، وهي إعمار الأرض وتسخير ما فيها لخدمته، فالإنسان مستخلف على الأرض واستثمار خيراتها والمحافظة عليها، وهذا يفرض عليه أن يتصرف فيها تصرف الأمين والمسؤول عنها، وأن يتعامل معها برفق وأسلوب رشيد من أجل مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة.



يشير الدكتور عبد الفضيل القوصي إلى أن الشريعة الإسلامية تلزمنا بضرورة مواجهة الإهمال الإنساني في البيئة بمنتهى الحسم، فلابد من تشديد العقوبات والقوانين التي تستهدف عقاب المخالفين للقيم والتوجيهات الدينية التي تحافظ على البيئة بعد أن أصبحت تلك التوجيهات لا تواجه بالالتزام من قبل الناس ولم تكف أيدي المعتدين على البيئة؟

وقال : نحن في حاجة لخطط إعلامية ودعوية تعمل على غرس فضل الحفاظ على البيئة في أذهان الأطفال منذ الصغر بحيث ينشأ الإنسان ولديه وعي كامل بأهمية الحفاظ على البيئة نظيفة وسليمة ويجب أن تقوم مؤسساتنا الدعوية والتعليمية بالتأكيد على أهمية الحفاظ على البيئة والتأكيد على أن الإصلاح في الأرض هو ضمان البشرية من الهلاك، ولا بد أن نعي ونحن نتعامل مع ملف البيئة أن الإسلام حين تحدث عن قضايا لم يقصد التلوث المادي، بل عرج أيضاً إلى التلوث الأخلاقي واعتبر الإسلام أن العبث بأي شكل من الأشكال، سواء صدر العبث من فرد أو جماعة، صغر أو كبر، فإن ذلك يعدّ منكراً وجرماً يندرج ضمن المنكرات التي حث الإسلام على مكافحتها، لهذا فعلى كل مسلم أن يدرك ضرورة الحفاظ على البيئة وعدم العبث بمقدراتها بأي شكل من الأشكال.

اقرأ أيضا